هل تفتح السلطات ملف اختفاء رزان زيتونة ورفاقها؟

09 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 13:39 (توقيت القدس)
نشطاء سوريون في وقفة في دمشق للمطالبة بمعرفة مصير رزان زيتونة ورفاقها (1/1/2025 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- قضية اختفاء رزان زيتونة ورفاقها في 2013 تبرز هشاشة النظام السياسي والقضائي في سوريا، حيث لم تُجرَ تحقيقات جدية رغم وجود دلائل على تورط جيش الإسلام، مما يعكس تأثير الحسابات السياسية على كشف الحقيقة.

- مع تغير السلطة في سوريا، تمتلك الجهات الجديدة القدرة على فتح ملف رزان، لكن الصمت المستمر يعكس غياب الإرادة السياسية، حيث تتطلب العدالة الانتقالية مواجهة جميع الانتهاكات.

- فتح ملف رزان يمثل اختباراً لصدق السلطة الحالية في بناء عدالة حقيقية، حيث يتطلب الأمر شجاعة لمواجهة الحقيقة وإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والسلطة.

قضية اختفاء الناشطة رزان زيتونة ورفاقها من أكثر الملفات التي تكشف هشاشة البنى السياسية والقضائية في المشهد السوري، وتعرّي حدود الخطاب الأخلاقي حين يصطدم بمصالح القوة. فمنذ اختفائهم في ديسمبر/ كانون الأول 2013 داخل مكتب مركز توثيق الانتهاكات في دوما، لم تُفتح أي تحقيقات جدية تكشف مصيرهم أو تحدد المسؤولين عن الجريمة، رغم أن المنطقة كانت خاضعة لسيطرة جيش الإسلام، ورغم وجود معطيات ظرفية قوية تشير إلى تورط مباشر أو غير مباشر لعناصره. هذا الصمت لم يكن نتيجة نقص الأدلة، بل نتيجة فائض الحسابات السياسية التي جعلت الحقيقة عبئاً ثقيلاً لا يرغب أحد في حمله. ففتح تحقيق حقيقي يعني استدعاء قادة ميدانيين، ومساءلة شخصيات نافذة، وربما كشف شبكة أوسع من التواطؤ، وهو ما لم تكن أي جهة مستعدة لتحمله في ذلك الوقت.
مع تغيّر المشهد اليوم، أصبحت الجهة التي كانت تقاتل نظام الأسد هي نفسها في موقع السلطة، تمتلك القرار، وتتحكم بالمؤسسات، وتدير القضاء، وتشرف على الهيئات التي أنشأتها بنفسها، مثل الهيئة الوطنية للعدالة وهيئة المفقودين والمختفين. هذه السلطة اليوم صاحبة الولاية القانونية والسياسية، وهي وحدها من تملك القدرة على فتح ملف رزان ورفاقها، واستدعاء المشتبه بهم، وإحالة المتورطين إلى القضاء. إن استمرار الصمت بعد الانتقال من موقع المعارضة العسكرية إلى موقع السلطة لا يعني سوى شيء واحد: أن المشكلة لم تكن في غياب الأدوات، بل في غياب الإرادة. ومن دون إرادة سياسية حقيقية، سيبقى هذا الملف معلّقاً، وستبقى العدالة مؤجلة، وسيبقى مصير المختفين شاهداً على أن تغيير المواقع لا يعني بالضرورة تغيير السلوك.
لا يعكس غياب التحقيق ضعف المؤسسات فحسب، بل يعكس أيضاً خوفاً عميقاً من سابقة قضائية قد تفتح الباب أمام مساءلة لأشخاص ينتمون للسلطة ارتكبوا انتهاكات مشابهة. فالقضية ليست مجرد جريمة اختفاء قسري، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد السلطة الحالية لمحاسبة نفسها، ولقدرتها على بناء نموذج عدالة مختلف عن نموذج النظام الذي ثار السوريون ضده. لكن هذا الاختبار سقط مبكراً، حين جرى حصر التحقيق في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد الإجرامي، بدا الأمر كأنه محاولة لتجنب النظر في الانتهاكات التي ارتكبتها جهات أخرى، رغم أن العدالة لا تتجزأ، وأن مسؤولية كشف الحقيقة لا يمكن أن تُختزل بجهة واحدة دون غيرها.

إن تحريك هذا الملف لا يحتاج إلى شكوى رسمية بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى اعتراف بأنّ العدالة لا تُبنى على الصمت

وهذا النهج الانتقائي في التعامل مع الانتهاكات، والاكتفاء بتحميل المسؤولية لطرف واحد وتجاهل أدوار أطراف أخرى، لا يغيّر من الطبيعة القانونية للجريمة ولا من التزامات الدولة. فالعدالة لا تُبنى على الانتقاء، ولا تُقاس بميزان القوة، بل بقدرتها على مواجهة كل الانتهاكات دون استثناء.
وبغضّ النظر عن تبدّل المواقع، تبقى السلطة القائمة، أيّاً كانت، ملزمة بالتحقيق في جريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم، كما أن العدالة الانتقالية في سورية لن يكون لها معنى إذا تجاهلت هذه القضية، أو حاولت الالتفاف عليها، فالمحاسبة تبقى شرطاً لبناء ثقة عامة مفقودة، ولإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة، ولإثبات أن الثورة كانت محاولة لبناء دولة قانون ومؤسسات. لكن المسؤولية لا تقع على السلطة وحدها. فالقانون يمنح ذوي المختفين الحق في تقديم بلاغ رسمي أو طلب فتح تحقيق أمام الجهات المختصة. غير أن هذا الحق النظري يصطدم بواقع أمني وسياسي يجعل من الصعب على ذوي رزان ورفاقها التوجه إلى المؤسسات الرسمية أو تقديم ادعاء دون التعرض لمخاطر حقيقية. 
وهذا العجز لا يُسقط حقهم ولا يخفف من واجب السلطة، بل يجعل مسؤولية السلطة الحالية والهيئات التابعة لها مسؤولية مضاعفة. فجريمة الاختفاء القسري، بوصفها جريمة مستمرة، تُلزم الدولة بالتحرك من تلقاء ذاتها حتى في غياب بلاغ رسمي، لأن واجب البحث والتحقيق لا يبدأ من شكوى العائلات، بل من طبيعة الجريمة نفسها ومن التزام الدولة بحماية الحقّ العام وحقوق الضحايا. وإن عدم قدرة أصحاب الحق على الوصول إلى أبواب المؤسسات المعنية لا يعفي السلطة من واجبها في حماية الحقيقة والعدالة.
ومن هنا، يصبح الخطاب موجهاً مباشرة إلى السلطة الحالية وإلى الهيئات التي أنشأتها. فالهيئة الوطنية للعدالة وهيئة المفقودين يفترض أنهما تمتلكان صلاحيات حقيقية، وأن تكونا قادرتَين على فتح الملفات الأصعب، لا على تجنّبها. 
إن تحريك هذا الملف لا يحتاج إلى شكوى رسمية بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى اعتراف بأنّ العدالة لا تُبنى على الصمت، وأن الحقيقة لا تُكتشف إذا بقيت محصورة خلف الحسابات والولاءات.
إعادة فتح ملف رزان ورفاقها لا يقل شأناً عن ملفات عشرات الآلاف من المختفين قسرياً في سجون الأسد المخلوع. فهذه الجريمة، مثل غيرها، جزء من جرح وطني واحد لا يمكن تجزئته أو التعامل معه بمعايير مزدوجة. والعدالة التي تُطالب بها عائلات رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم الحمادي وسميرة الخليل هي نفسها العدالة التي يطالب بها أهالي المعتقلين والمختفين في أقبية النظام المخلوع. 
فتح هذا الملف هو اختبار لصدق أي سلطة تدّعي أنها بديل عن الاستبداد، واختبار لقدرتها على مواجهة الحقيقة من دون انتقائية، وعلى بناء نموذج مختلف عن نموذج القمع الذي ثار السوريون ضده. فالحقيقة ليست تهديداً، بل هي شرط للشفاء، والعدالة ليست انتقاماً، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والدولة. وما لم تُظهر السلطة الحالية شجاعة في مواجهة هذا الملف، سيبقى الحديث عن العدالة الانتقالية مجرد خطاب جميل يخفي واقعاً قاسياً، وستبقى أسماء رزان ووائل وناظم وسميرة شاهدةً على ثمن الصمت، وعلى ضرورة أن يكون الحق أقوى من الخوف.