نهاد قلعي... كوميديا الفن وتراجيديا الحياة

23 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 11:27 (توقيت القدس)
نهاد قلعي (أرشيف فارس يواكيم)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في عام 1976، تعرض نهاد قلعي لحادثة مؤلمة في مطعم بدمشق، حيث تعرض للتنمر والشجار، مما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة وشلل في يده، وأثر ذلك على آخر 16 عاماً من حياته.
- بدأ قلعي مسيرته الفنية في المسرح المدرسي وشارك في تأسيس "النادي الشرقي" و"المسرح القومي"، وقدم أعمالاً بارزة مثل "المزيّفون" و"ثمن الحرية"، واستمر في العمل رغم تدهور حالته الصحية.
- انطلق في التلفزيون منذ عام 1960، وشارك في برامج شهيرة مثل "حمام الهنا"، وكتب نصوصاً لأعمال تلفزيونية وسينمائية، وابتكر شخصيات كوميدية، وتفرغ لكتابة قصص للأطفال بعد مرضه.

لم يكن الفنان نهاد قلعي (1928- 1993) يتخيّل أن لقبه الفني "البورظان"، الذي حمل له شهرة واسعة في عالم الفن والكوميديا، سيكون بمثابة كارثة تودي به إلى أزمة صحية تلقي بظلالها على آخر 16 عاماً من حياته.

وقعت الحادثة في 1976، وكانت تُعرض آنذاك مسرحية "غربة"، وذلك خلال سهرة للفنان مع أصدقائه في مطعم بدمشق حين تعرض للتنمّر من أحد الموجودين بسبب لقبه الفني، فردّ بقوة منتصراً لكرامته، وظن أن الأمر انتهى فاستدار لمتابعة سهرته، ليُفاجأ بضربة كرسي على رأسه من الخلف، تلتها ضرباتٌ عدة أودت به إلى المشفى، حيث تمت معالجته بشكل سريع وخياطة الجرح الذي أصاب رأسه من دون عناية كافية، ما تسبّب بالتهاب فيما بعد ومضاعفات كبيرة وشلل يده... ويقال إن المعتدي كان رجلاً متنفذاً، أو من "سرايا الدفاع".
لم تكن تلك الحادثة لمسة القدر التراجيدية الوحيدة في حياة قلعي، فقد سبقها سرقة (أو ضياع) المبلغ الذي جمعته له أسرته بعد معاناة، ليسافر إلى القاهرة للدراسة في معهد التمثيل مطلع الأربعينيات. وحين ذهب نهاد إلى السفارة المصرية لأخذ التأشيرة اكتشف أن المبلغ الذي جمعه طار من جيبه، ومعه طار حلمه الكبير بالدراسة الأكاديمية، فكانت الغصّة الأليمة الأولى في حياته.

وقع نهاد قلعي أول عرض للقومي بعنوان "المزيّفون" عن نص لمحمود تيمور

بدايات وأعمال عديدة

درس نهاد في ثانوية التجهيز بدمشق، وعلى مسارحها بدأ تجاربه المبكّرة بإشراف رائد المسرح المدرسي عبد الوهاب أبو السعود، وكانت طموحاته كبيرة، لكن ضياع فرصة الدراسة الأكاديمية قضت على حلمه ذاك، ما دفعه إلى البحث عن عمل وقد بدأه من بوابة مراقب في معمل، ثم حصل على وظيفة ضارب آلة كاتبة في جامعة دمشق، وبقي فيها سنوات ست تزوج خلالها وأنجب ابناً وابنة. ثم انتقل إلى وزارة الدفاع لمزاولة العمل نفسه، لكنه لم يستمر وفضل العمل مساعد مخلص جمركي، ثم قرّر العمل في مهنة التخليص الجمركي.
لم تطفئ أعماله السابقة نار الفن فيه فانتسب عام 1946 إلى نادي "استديو البرق". وفي منتصف الخمسينيات، بدأ مشروعه الحقيقي مع تأسيس "النادي الشرقي" بالتعاون مع خلدون المالح، سامي جانو، عادل خياطة، نزار الحسامي، وعدنان عجلوني. وجاء عرض "الأستاذ كلينكوف" ثمرة أولى لهذا التعاون. وفي 1957 سافرت الفرقة إلى القاهرة وقدمت عرضها الجديد "لولا النساء" الذي حظي بالتقدير. وفي العام التالي، عادت الفرقة إلى القاهرة بعرض آخر "ثمن الحرية".

في المسرح

مع حلول 1960 ظهرت فكرة تأسيس المسرح القومي، وأسندت المهمة إلى نهاد قلعي الذي بقي في منصبه أربعة أعوام، وعن الانطلاقة قال: "بدأ المسرح القومي في غرفة واحدة في مبنى وزارة الثقافة، ولم يكن الفنانون المؤسّسون موظفين، بل مؤقتين بعقود مكافأة، ولم يكن هناك ملاك في الوزارة، ولا حتى مبنى ولا مسرح ولا ميزانية للإدارة والديكور والأمور الفنية الأخرى". كان الفنانون يحضرون ليلاً إلى الوزارة لانشغال الغرف نهاراً بالموظفين، ولم يتجاوز عدد أعضاء المسرح آنذاك الثلاثين، ثم انضم إليهم فنّانون من مدن سورية أخرى في مقدمتها حلب. ويضيف نهاد "البداية الحقيقية للمسرح القومي كانت بين عامي 1962 و1963 عندما بدأنا نقدم موسماً كاملاً مشتملاً خمس مسرحيات بين تشرين الثاني وآذار". وكان بناء مسرح القباني قد اكتمل عام 1962 وأصبح مقرّاً للمسرح القومي.
وقع نهاد قلعي أول عرض للقومي بعنوان "المزيّفون" عن نص لمحمود تيمور، وتمثيل يعقوب أبو غزالة، داود يعقوب، نزار شرابي، أكرم الخلقي، محمد صالحة، رضوان الساطي، ظفيرة قطان. وتلته مسرحيتا "ثمن الحرية" و"البرجوازي النبيل".
وفي 1969، وخلال مهرجان دمشق المسرحي، شارك في عرض "مسرح الشوك" الذي كتبه عمر حجّو، واستقبله الجمهور باحتفاء كبير. وبعد عدة أعوام، تأسست فرقة تشرين وكانت باكورة أعمالها "ضيعة تشرين (1974) عن نص لمحمد الماغوط، وقدمت الفرقة عرضها الثاني "غربة" (1976) والنص للماغوط أيضا، وكانت حالته الصحية، خلال العرض، قد تفاقمت بعد الحادثة التي تعرّض لها واستبدل بالفنان تيسير السعدي، لكن أسرة المسرحية أصرّت، عند تصويرها للتلفزيون، على مشاركته رغم حالته الصحية التي ظهرت واضحة في العرض.

نهاد الإنسان، نعم الإنسان أولاً لأنه يحمل قلباً لم يعرف الكراهية والحقد، ولي معه تجارب عديدة، فهو الطفل الكبير

 التلفزيون والشهرة

كان العمل في التلفزيون انطلاقة جديدة لنهاد قلعي الذي بدأ مسيرته فيه منذ اليوم الأول لافتتاحه، 23 يوليو/ تموز 1960، بإشراف صباح قباني من خلال المشاركة في برنامج المنوعات "الإجازة السعيدة" وهو برنامج ترفيهي كان يعرض مساء الخميس، من إعداد دريد لحام ومحمود جبر وكتابتهما، وشارك في تقديمه نخبة متميّزة، نهاد ودريد، محمود جبر، غازي الخالدي، محمود المصري، تاج باتوك. لكن هذا لم يستمر طويلاً إذ غادر البرنامج معظم المقدمين وبقي دريد ونهاد وتغير اسمه ليصبح "سهرة دمشق" من إخراج خلدون المالح، ثم انضم رفيق سبيعي لأسرة العمل.
كان لقاء دريد ونهاد بداية لظهور أول ثنائي تمثيلي عربي عبر شخصيتي "غوار الطوشة وحسني البورظان"، وقدّما الكثير من الأعمال التلفزيونية والسينمائية والمسرحية. على الشاشة الصغيرة قدم الفنانان أعمالاً حظيت بشهرة واسعة بدأت بمسلسل "حمام الهنا" عام 1967، وبعده بعام "مقالب غوار" وجاء مسلسل "صح النوم" عام 1969 نقلة نوعية ساهمت في نشر اللهجة السورية عبر هذه الأعمال التي كتب نصوصها نهاد قلعي، وقدم من خلالها شخصياتٍ عديدة باتت مشهورة مثل: "ياسينو" ياسين بقوش، "فطوم حيص بيص" نجاح حفيظ، و"أبو كلبشة" عبد اللطيف فتحي. تفرغ بعد مرضه لكتابة القصص للأطفال، وكان "عريس الهنا" آخر عمل تلفزيوني شارك فيه.
سينمائياً وبين عامي 1964 و1975 شارك في أفلام عديدة، "عقد اللولو، الشريدان، فندق الأحلام، أنا عنتر، المليونيرة، غرام في اسطنبول، الصعاليك وغيرها".. ولم تكن في سوية ما قدّم على المسرح أو في التلفزيون. 

سبيعي: نهاد الإنسان

يقول الفنان رفيق سبيعي: نهاد الإنسان، نعم الإنسان أولاً لأنه يحمل قلباً لم يعرف الكراهية والحقد، ولي معه تجارب عديدة، فهو الطفل الكبير، المرح، الذكي، المتألق، الأنيق، المتفائل. أما عن الكرم فحدث ولا حرج.. كان له الفضل في ابتكار شخصيات كوميدية شعبية عديدة، رسخ مؤدوها أقدامهم في عالم الفن وأصبحوا نجوماً بفضل قلمه.