- الرقابة الصارمة على الكتب في سوريا أدت لتراجع الكتب الطليعية، رغم طفرة الترجمة في الثمانينيات، مما دفع بعض الأدباء للنشر خارج البلاد.
- رغم وجود 300 دار نشر، تركز معظمها على الكتب التراثية والدينية، وتراجعت أعداد النسخ المطبوعة بسبب الأزمات الاقتصادية، وتظل مكتبة النوري صامدة في دمشق.
غاب جمال حتمل (1964- 2026) منذ نحو شهر في منفاه الباريسي إثر نوبة قلبية، تاركاً مكانه شاغراً في ورشة تحرير أهم مكتبة رقمية سورية وأكثرها شهرةً، المكتبة التي أتاحت للقرّاء تحميل آلاف العناوين الأدبية والفكرية والسياسية مجاناً، تحت يافطة أغرب اسم لموقع إلكتروني: "أبو عبدو البغل"، وتأكيداً لصحة لفظ الاسم اختارت هذه المنصة "لوغو" على هيئة ختم برأس بغل. وفي فضاء موازٍ عمل علي مولا، وهو سوري مقيم في بودابست منذ أواخر الثمانينات، على إتاحة عناوين أخرى (نحو 100 ألف كتاب)، وذلك بتحميلها مجاناً على شبكة الإنترنت من منطلق الفزعة البدوية للقارئ المنكوب. انكب علي مولا على شراء الكتب الورقية من سورية وشحنها إلى بودابست بمساعدة تاجر سلع غذائية، والعمل لاحقاً على رقمنتها، ليصبح أشهر قرصان كتب شريف لا يرتجي غنيمة أو مكسباً.
كانت قرصنة الكتب بالنسبة للسوريين طوال سنوات الحرب عملاً ثقافياً مشروعاً لا يستدعي الإدانة أو الاستهجان، وذلك بذريعة الحصار الخانق، وتراجع القوة الشرائية للقارئ، واختفاء المكتبات بنوع من القتل المتسلسل: أغلقت مكتبة ميسلون أبوابها مطلع عام 2010 بعد أربعة عقود على إطلاقها، وتلتها مكتبة إيتانا، ثم مكتبة الزهراء، ثم مكتبة اليقظة العربية، ثم مكتبة نوبل، ثم المكتبة العمومية، ثم مكتبة عالم المعرفة، ثم مكتبة دمشق، لتتحوّل هذه المكتبات العريقة إلى محال لبيع الأحذية ومراكز للصرافة وأجهزة الهواتف المحمولة، والقرطاسية. هكذا لجأ القارئ السوري إلى بسطات الكتب المستعملة الموجودة تحت ما كان يسمى "جسر الرئيس" وسط دمشق، قبل أن تدكّها جرّافات البلدية قبل سنتين من اليوم بقرار جائر، والاستيلاء على فضاء "جنّة الكتب المنسية" لمصلحة مقاولين غامضين. لا تقارن هذه السوق لجهة الأهمية بسور الأزبكية في القاهرة أو شارع المتنبي في بغداد أو نهج الدبّاغين في تونس. وفي المقابل، كنّا نحظى ببعض الكتب النادرة والمراجع والدوريات والصحف القديمة والروايات الرائجة، فالكتاب الذي يصدر في بيروت اليوم ستجده في دمشق بعد أسبوع نسخة مقرصنة وبنصف ثمنه الأصلي تقريباً في تواطؤ مكشوف بين الناشر المزيّف والقارئ. لا حقوق للملكية الفكرية هنا، ليس بما يخص النشر فقط، بل بما يتعلّق بماركات الأحذية الرياضية المشهورة، والساعات السويسرية، والبطاطا المجفّفة، وسراويل الجينز. فالسؤال عن حقوق الملكية الفكرية يبدو ضرباً من المزاح، ونوعاً من الترف والبطر في بلاد تحتضر وتنزف دماً وفوضى ويأساً. في هذا المناخ الغائم الذي نستعيده ذكرى ملطّخةً بالأسى سنجد مكتبة شخصية فوق أحد أرصفة الكتب المستعملة بقوة فعل "التعفيش" أو بتخلي صاحبها عنها لتصريف شؤون العيش، فغذاء الجسد أهم بمراحل من غذاء الروح في الأوقات المأزومة، وفي روايةٍ أخرى استعملت الكتب وقوداً للتدفئة. النزيف المأساوي للنزوح السوري قبل انهيار النظام الآفل، طاول دور النشر أيضاً، إذ نزحت معظم الدور بين المنافي (إسطنبول، الشارقة، أوروبا)، وصمدت دور محدودة داخل البلاد بظروف عمل حالكة، ونُهبت بعض المطابع في مناطق الاشتباكات العنيفة.
شهدت حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم طفرة نوعية في صناعة المحتوى، وذلك بإشراف أسماء لامعة كان على رأسها المفكر أنطون مقدسي الذي فتح باب الترجمة على مصراعيه لأمهات الكتب العالمية
وليمة رقابية دسمة
تفيد الإحصاءات بوجود نحو 300 دار نشر في سورية، إلّا أن معظمها تعتني بطباعة الكتب التراثية والدينية وكتب الأطفال، فيما تراجع حضور الكتب الطليعية بخضوعها لرقابة حكومية مسبقة محكومة بالريبة ومطاردة عبارة هنا وكلمة هناك بعدسة مكبّرة. تتقاسم هذه الوليمة أربع جهات: وزارة الإعلام، واتحاد الكتّاب العرب، ووزارة الأوقاف، والقيادة القطرية لحزب البعث، تبعاً للاختصاص، ثم أنيطت الرقابة في العهد الجديد بوزارة الإعلام وحدها.
منذ سنوات خضع مخطوط أدبي لتجريف صارم، إذ اشترط أحد الرقباء في اتحاد الكتّاب العرب حذف عبارة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى تخوم قرية سعسع في الجولان في أثناء حرب 1973، فاضطر الكاتب إلى اختصار المسافة إلى ما قبل هذه البلدة للحصول على موافقة الرقيب على طباعة الكتاب.
على المقلب الآخر، تأرجحت مطبوعات وزارة الثقافة "الهيئة العامة السورية للكتاب" لاحقاً، بين الترجمة والتأليف، صعوداً ونزولاً، تبعاً لآفاق المرحلة وفسحة الحرية المتاحة، إذ شهدت حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم طفرة نوعية في صناعة المحتوى، وذلك بإشراف أسماء لامعة كان على رأسها المفكر أنطون مقدسي الذي فتح باب الترجمة على مصراعيه لأمهات الكتب العالمية، من "الحرب والسلم" لتولستوي مروراً بسباعية "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، و"الكوميديا الإلهية" لدانتي، و"رأس المال" لكارل ماركس (ثمانية مجلدات)، بالإضافة إلى سلاسل "روايات عالمية"، و"الفن السابع"، و"قضايا النهضة العربية"، و"الأعمال الكاملة"، و"الفكر العالمي"، و"من خزائن التراث". على ضفةٍ أخرى، لعبت مجلة "المعرفة" التي صدر عددها الأول في آذار 1962 دوراً محورياً في تأصيل ثقافة التنوير، إذ تعاقب على رئاسة تحريرها كوكبة من الأدباء والمفكرين مثل فؤاد الشايب، وعادل العوا، وزكريا تامر، ومحمد عمران.
في عام 1980 أُسندت رئاسة تحرير مجلة المعرفة لزكريا تامر، وذلك في ذروة الصراع بين السلطة وتنظيم الإخوان المسلمين وصولاً إلى مجزرة مدينة حماة. حينها اتخذ رئيس التحرير قراراً شجاعاً ومتهوراً بنشر مقتطفات من كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للمفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي بدلاً من الافتتاحية، معلناً موقفه من الديكتاتورية والأحداث التي عصفت بالبلاد، فأُقيل فوراً، وأُتلف العدد في المطبعة، وفرّ زكريا تامر سرّاً إلى أكسفورد، وما زال مقيماً فيها.
وكان مدير مطبعة وزارة الثقافة يستلم بروفات المخطوطات الجاهزة للنشر من مديرية التأليف قبل ترحيلها إلى المطبعة في دوام اليوم التالي. وبنوع من الفضول ومقاومة الضجر كانت زوجته تتصفح عناوين المخطوطات. لفت انتباهها عنوان مريب هو "ساقا الشهوة" للشاعر منذر مصري ضمن كتابه "داكن"، احتجت على العنوان والمحتوى ثم بعد مداولات مُنع الكتاب من الطباعة.
الحداثة في مواجهة "سوق عكاظ"
لطالما كانت مديرية التأليف والترجمة متراساً صلباً للحداثة والتيارات الطليعية العربية والعالمية، إذ احتضنت بقوة أبرز تجارب شعراء قصيدة النثر مثل بندر عبد الحميد "احتفالات، كانت طويلة في المساء"، ومنذر مصري "بشر وتواريخ وأمكنة"، ورياض الصالح الحسين "خراب الدورة الدموية، أساطير يومية، وعل في الغابة"، ودعد حدّاد "تصحيح خطأ الموت، كسرة خبز تكفيني، الشجرة التي تميل نحو الأرض"، وعادل محمود "قمصان زرقاء للجثث الفاخرة"، والعمل على توطين هذه التجارب في الذائقة الشعرية الجديدة بعملية انشقاق صريحة عمّا كان سائداً حينذاك في المؤسسات الأخرى.
في اللحظة الراهنة، أشهرت المؤسسة الثقافية الرسمية قطيعتها مع قصيدة النثر بوصفها بدعة وافدة ربما، لتنتصر علناً لنظّامي الشعر العمودي وسدنته الجدد، وإذا بالمشهد الإبداعي يتهاوى تدريجياً، كمن يرفع أوتاد خيمة فوق برج زجاجي.
في ظل هذا المناخ المنفتح على التجارب الإبداعية الطليعية، سيلجأ الروائي المصري جمال الغيطاني إلى نشر روايته الأولى "الزيني بركات" ضمن مطبوعات وزارة الثقافة السورية بعد منع طباعتها في مصر، إلّا أن هذه الإشراقات الخاطفة في صوغ استراتيجية ثقافية تحتضن ثقافات العالم وتشتبك معها، لم تصنع من دمشق مركزاً ثقافياً شاملاً بدوامٍ كامل، فهي لم تكن عاصمة للكتاب يوماً - عدا الفترة المملوكية ربما - إذ أسس الظاهر بيبرس في مطلع القرن الثالث عشر واحدة من أقدم المكتبات العربية والإسلامية وهي "المكتبة الظاهرية" التي ضمّت نحو 85 ألف كتاب مطبوع، و12 ألف مخطوطة نادرة قبل نقل محتوياتها إلى المكتبة الوطنية.
وحدها "مكتبة النوري" التي تأسست عام 1923 ما زالت صامدة في مقاومة أسباب الفناء
دكاكين لا دور نشر
كانت المعادلة الرائجة فيما يخص رحلة الكتاب، تنهض على ثلاثة أعمدة "القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ"، بينما اكتفت دمشق بالحفاظ على هويتها التاريخية بوصفها مدينة تجارة، وطريق قوافل، وحضرات صوفية، وانقلابات عسكرية، في المقام الأول. وسط هذه الاضطرابات تسلل بعض العسكر إلى فضاء الكتابة من دون أن يكتبوا حرفاً واحداً، وذلك باستثمار كتّاب تحت الطلب في الرواية والشعر والمذكّرات.
وفي نظرة إلى الخلف، سنكتشف أن حكايات ألف ليلة وليلة لم تشتبك مع دمشق في تأثيث الحكايات المركزية إلّا بحضور خافت كما في "حكاية الوزير نور الدين وشمس الدين أخيه"، إذ يغادر بدر الدين في نومه القاهرة في رحلة عجائبية ليستيقظ عند أسوار دمشق على هيئة طبّاخ، على العكس من حضور بغداد والقاهرة في متن "الليالي". والحال، أن دمشق تؤسس "دكاكين" لا دور نشر عدا استثناءات نادرة، والمفارقة أن وزارة الثقافة بما هي مؤسسة رسمية كانت تطبع من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف نسخة من كل كتاب لنحو عشرة ملايين نسمة، ثم تراجع الرقم إلى النصف بارتفاع عدد السكان إلى الضعف، وفي سنوات الحرب وبسبب أزمة الورق واهتراء المشهد، لجأت إلى طباعة معظم منشوراتها رقمياً. اليوم لا نعلم تماماً ماهي استراتيجية الهيئة العامة السورية للكتاب وأين تُوزع منشوراتها، وما هو مصير مطبوعات ما قبل التحرير؟ ففي معرض الكتاب أخيراً اختفت هذه المطبوعات عن رفوف جناح الهيئة تماماً في إشارة صريحة إلى طي صفحة الأمس بذرائع إيديولوجية مضادة. المأساة أن بعض دور النشر الخاصة أوقفت عدّاد الطباعة على مؤشر المئة نسخة، كما لو أن هذه النسخ للذكرى الشخصية، وليست للتداول العمومي، خصوصاً كتب الشعر، إذ يتكفّل صاحب الكتاب بأجور الطباعة.
كانت وزارة الثقافة تقتني ما بين 30 و50 نسخة من كل كتاب مطبوع على حساب المؤلف وتوزيعه على مكتبات المراكز الثقافية في المحافظات ثم ألغت هذا البند في السنوات اللاحقة، بالإضافة إلى تخصيص ركن لبيع كتب الوزارة في المراكز الثقافية بحسم يصل إلى 40% من سعر الغلاف.
تجوال في سوق الورّاقين
لا خريطة معقّدة لاكتشاف مواقع المكتبات في دمشق، ففي حال رغبت بالحصول على كتب تراثية ودينية وسلفية عليك أن تتجه نحو حي الحلبوني وأرصفته. هناك سيدهمك إحساس غامض بأنك تتجوّل في سوق الورّاقين بصحبة الجاحظ وابن خلدون والتوحيدي وابن تيمية وآخرين. هذه المرّة لن يقتحم موظف الأمن المكتبة للتفتيش عن الكتب الممنوعة التي تُباع سرّاً "تحت الطاولة"، إنها معروضة في الواجهات علناً بخلائط عجائبية من العناوين. أما إذا اتجهت نزولاً نحو ساحة الحجاز ومركز البريد، وصولاً إلى جسر فكتوريا، فبالكاد تجد مكتبة حديثة. وحدها مكتبة النوري التي تأسست عام 1923 ما زالت صامدة في مقاومة أسباب الفناء، ربما إلى حين، فليس مستغرباً أن نستيقظ ذات يوم قريب لنجد مكانها بنكاً أو شركة سياحة أو سوبر ماركت.
خارج هذين القوسين، سنكتشف مكتبة يتيمة لبيع الكتب الأجنبية هي "The Story Corner Library" تقع في حي المالكي الفاخر، وتخاطب ذائقة طبقة خاصة من القرّاء، أولئك الذين يرطنون بلغات أخرى، ليس بينها لغة الضاد.