نبع كركر قرية صغيرة بتاريخين كبيرين

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:06 (توقيت القدس)
بقايا القصر الروسي في قرية نبع كركر (العربي الجديد)

من ذاكرة الساحل السوري وجباله، إلى حوض الفرات وتراثه الشفوي العميق، إلى الجنوب وسهل حوران وجبله، تثبت كم هي بلادنا العتيقة غنيّة بحكاياتها المخفيّة في ذاكرة الأماكن والناس.

قرية نبع كركر إحدى حكايات سورية، تقع على السفح الغربي لجبل السن، في الجهة الشرقية من قرى الكفارين، على ارتفاع 440 متراً عن سطح البحر في طرطوس، وتتبع إدارياً لها.
كتب المؤرخ توفيق نصار أن الفينيقيين سكنوا هذه المنطقة، ثم تتابع عليها الرومان والبيزنطيون لتكون امتداداً طبيعياً لأكبر مستوطنة فينيقية أروادية في جبال الساحل السوري الجنوبي. وهناك روايتان في أصل التسمية: الأولى نسبة إلى الملك كركر، الذي تناثرت بقايا قلعته ذات الحجارة السوداء في بطن الجبل، والآخر يردّها إلى نبعها العذب "نبع كركر" الذي ظل أكثر من مائتي عام، أهم مورد اقتصادي لأهلها، وعلى ضفتيه أقاموا الطواحين التي لم يعد لها أثرٌ اليوم.
لم تكن القرية مأهولة بالسكان يوماً، بل كانت مجرد (حرش) تسكنه الحيوانات، إلى أن استقرت فيها أول عائلة، وهي عائلة "جبرين" الفلسطينية الأصل، والرواية المتداولة أنها وصلت إلى هنا بعد أن اضطر أحد أبنائها إلى الفرار إثر قتله جندياً بريطانياً. لتتبعها لاحقاً عائلات أخرى، جاءت من مناطق متفرقة كفلسطين ولبنان وروسيا، أسوة بمعظم قرى الساحل السوري.
واليوم يبلغ عدد سكان القرية بضع مئات فقط، يعمل معظم رجالها بالزراعة، وتمتاز بارتفاع نسبة أبنائها المغتربين، خصوصاً في البرازيل والأرجنتين.

كنيسة مار يوحنا المعمدان

من أهم المعالم التاريخية للقرية، وهي كنيسة رومية تعود للقرن الرابع، نسبة إلى ما ذكره المؤرخ كمال الصليبي في أبحاثه، إذ أعيدت عمارتها عام 1620، وصُنّفت في مديرية الآثار السورية كنيسة أثرية، تقام فيها الصلوات حتى الآن، تقع في مستوطنة وادي بلعة الفينيقية – البيزنطية الكبيرة، الممتدة مباشرة من جنوب قرية عيون الوادي إلى مداخل بلدة البارقية، وقد صارت رومية بيزنطية منذ بداية القرن الرابع للميلاد، أي منذ فجر الإمبراطورية البيزنطية التي حكمت الشرق القديم.
وفي رأي الصليبي، هناك خطأً تاريخي شائع مفاده وصول الآراميين إلى المنطقة، فالآرامية هي لغة وليست قومية أو شعب، انتشرت هذه اللغة في إيران وبلاد ما بين النهرين لمدة 600 عام، ووصلت خلالها إلى جنوب سورية في معلولا حتى البتراء في الأردن، ولم تصل قط إلى الساحل السوري، أي محافظتي طرطوس واللاذقية، والجبال المحيطة بهما. 

التاجر الروسي

يتربع في القرية أيضاً القصر القديم، الشاهد على حقبة مهمة للمنطقة، يعود لصاحبه المعروف محلياً باسم "أبو متري"، الذي جاء وعائلته من الشمال الغربي الروسي، هرباً من ويلات الحروب، واستقر بعضهم بين لبنان وسورية، وبحسب ما أفاده الدكتور علاء كوزاك، عمل أبو متري بتجارة الكريستال، تنقلت بضاعته بين طرابلس ومرسيليا، وازدهرت تجارته، فاشترى أراضي وقرى عديدة.
لم يكتف الرجلان بجمع الثروة، فقد اصطدمت محاولات بناء المدارس برفض أغوات طرطوس وصافيتا ومشتى الحلو، الذين رأوا في تعليم الناس تهديداً لنفوذهم وسطوتهم، بعكس أبو متري وولده، اللذين عاشا معظم حياتهما في طرابلس واحتكّا بالغرب وتأثرا به، فاهتما بنهضة المجتمع ثقافياً واقتصادياً، وساهما بافتتاح المدارس وتأمين العمل للرجال.
وقد بُني قصره القائم نحو عام 1850 بوسائل بناء بسيطة كانت سائدة آنذاك، وبسواعد رجال القرية الذين حملوا حجارته الصلبة والكبيرة على ظهر الجاموس والأحصنة والبغال، أو دحرجتها على مسافة خمسة كيلومترات في الأراضي، فاستخدموا الطين في بناء الأقسام الأولى، ومع التطور العمراني استكمل البناء ودُعّم بمادة الكلس، بديل الإسمنت آنذاك. ويتألف القصر من عشرين غرفة، بني في خلفيته سجن صغير إضافة إلى الإسطبل. واليوم، وبفعل العوامل الطبيعية، إضافة إلى سرقة الكثير من حجارته، تغيرت معالم القصر كثيراً.

من معبد الشمس إلى مزار للعذراء

ضمن السياق التاريخي لهذه السلسلة، يرتفع جبل السيدة، أحد أبرز المواقع التي تختصر مراحل التاريخ الديني في الساحل السوري، يقول الدكتور جورج حنوش، دكتور في العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، وأحد أبناء البلدة، إن جبل السيدة جبل بركاني مخروطي الشكل، يرتفع 700 متر عن سطح البحر، و 200 متر عن الوادي المحيط به. تشكّل في الدور الجيولوجي الرابع، وعمره نحو 20 مليون سنة، من قمته تطايرت الحمم البركانية لتصل قرية وادي المجاور حتى مجرى نهر مشتى الحلو شمالاً، ونهر الكفرون جنوباً.
وعبر المراحل الزمنية، أقيم على الجبل معبد للشمس، إله الخير والخصوبة، عُرف محلياً باسم "فتى خيخة"، واستمر ثلاثة آلاف عام تقريباً، حتى قدوم المسيحية التي قضت على عبادة الأوثان، وحولته إلى كنيسة للسيدة مريم العذراء.
وإلى جانب الأثر الديني للجبل، هو أيضاً موقع أثري بامتياز، يصفه حنوش بالقلعة الحصينة ذات السورين: الأول خارجي مبني بالحجر الأبيض، وداخلي من الحجر البركاني، وعلى قمته لا تزال آثار آبار قديمة، استخدم بعضها لتخزين المؤونة في أثناء الحصار، أو لتجميع مياه الأمطار.
في البداية سكنها جماعة مسيحية أرثوذكسية، وبقي الجبل منذ ذلك الحين وحتى اليوم معبداً مسيحياً بلا انقطاع، ومن أبرز آثار تلك الحقبة، نقش لـ عجل يرمز إلى القديس لوقا، دلالة على العطاء الدائم بلا مقابل.
تقول الروايات الشفهية إن السيدة العذراء ظهرت على هذا الجبل، وعلى هذا الأساس بنيت الكنيسة وسميت باسمها، وإحياء لهذه الذكرى يتم الاحتفال في 14 أغسطس/ آب من كل عام تخليداً لهذا الظهور، يقصده مؤمنون من جميع الطوائف المسيحية والإسلامية، ومن مختلف المدن السورية والعربية.
وتبقى قرى الساحل السوري نموذجاً حياً تخفي تاريخاً ينتظر من يكتبه.