موظفو إدلب المفصولون... بين انتظار العدالة وندوب السنوات

09 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 13:30 (توقيت القدس)
في ساحة الساعة وسط إدلب (1/6/2026 سورية الجديدة)
+ الخط -
اظهر الملخص
- قضية الموظفين المفصولين في سوريا تتعلق بآلاف السوريين الذين فقدوا وظائفهم في القطاع العام بسبب تقارير أمنية أو مواقف سياسية، مما أدى إلى معاناتهم من النزوح والفقر والعمل المؤقت. تسعى اللجنة المركزية لإعادتهم إلى وظائفهم واحتساب فترة الانقطاع ضمن الخدمة الفعلية.

- تتجلى معاناة المفصولين في قصص شخصية مثل محمود العيسى وسامر الفرحات وحسام السلوان، الذين فقدوا وظائفهم بسبب قرارات تعسفية أو نشاطات مدنية، ويعيشون حالة من عدم اليقين حول مستقبلهم الوظيفي.

- يواجه المفصولون تحديات قانونية في استعادة حقوقهم، حيث تتطلب العملية اللجوء إلى المحكمة الإدارية للطعن في قرارات الفصل التعسفي. المحامون يشددون على ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية لضمان إنصافهم قانونياً ووظيفياً.

يقف محمود العيسى أمام باب مديرية التربية حاملاً ملفاً أزرق بهت لونه من كثرة ما فتحه وأغلقه، لم يكن يحمل أوراقاً فحسب، بل سنوات من الانتظار والغياب والخيبة، حوله وقف رجال ونساء يشبهونه، وجوه تعرف معنى الطوابير، لكنّها هذه المرة ليست طوابير الخبز أو الإغاثة، بل طوابير استرداد شيء أعمق، الاعتراف بأن ما جرى لهم لم يكن مجرد إجراء إداري، بل إنّه اقتلاع متعمّد من الحياة.

لا تبدو قضية الموظفين المفصولين مجرد ملف حكومي مؤجل، بل حكاية آلاف السوريين الذين أبعدوا عن أعمالهم في القطاع العام خلال سنوات النظام السابق، لا بسبب تقصير وظيفي بل بسبب تقارير أمنية، أو موقف سياسي، أو حتّى شبهة تعاطف مع الحراك الشعبي، وبعد سنوات طويلة من النزوح والفقر والعمل المؤقت والانكسار الاجتماعي، يجد هؤلاء أنفسهم اليوم في منطقة معلقة بين الأمل والقلق والانتظار.
اجتمعت اللجنة المركزية المختصة لدراسة أوضاع العاملين المفصولين من وظائفهم الحكومية بسبب دعمهم للثورة، في 14 مارس/ آذار الماضي، في مقر الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، برئاسة معاون الأمين العام لشؤون مجلس الوزراء المهندس علي كده، لبحث ملاحظات وزارة التنمية الإدارية على مشروع المرسوم الذي أعدّته اللجنة. وناقش المجتمعون الملاحظات المطروحة وأهميتها في تحقيق العدالة الانتقالية وتسهيل عودة المفصولين إلى عملهم، واستعرض رئيس اللجنة القاضي جهاد الدمشقي الصيغة النهائية للمشروع ومواده ومسوغاتهما القانونية، كما شمل النقاش توسيع الفئات المستفيدة لتضم العاملين مكفوفي اليد، ومعالجة أوضاع من صدرت بحقهم أحكام قضائية، إضافة إلى حقوق ورثة المتوفين منهم. وأكد معاون الأمين العام حرص الدولة على إنجاز المرسوم بما يضمن إعادة العاملين إلى جهاتهم الأصلية التي فصلوا منها زمن النظام السابق وفق الصيغة الوظيفية السابقة، مع احتساب فترة الانقطاع ضمن الخدمة الفعلية، وأفاد بأن أكثر من 90% من المفصولين عادوا إلى الجهات العامة وفق عقود مؤقتة، ريثما يتم إصدار المرسوم النهائي.
وخلف هذه اللغة الرسمية، هناك وجوه وقصص لا تختصرها النسب المئوية. محمود معلم لغة عربية من ريف حماه الشمالي، كان يعمل في إحدى المدارس الحكومية قبل أن يفصل عام 2012، يتذكر اليوم الذي وصل إليه فيه قرار الفصل كما لو أنه حدث بالأمس، ويقول لـ"سورية الجديدة": "لم يحقق معي أحد، لم يسألني مدير المدرسة حتى، فقط أخبروني شفهياً بقرار الفصل وانتهى كل شيء في دقائق".
محمود في بداية أربعينياته، لديه أربعة أطفال وراتبه متواضع لكنه ثابت، لم يخسر بعد الفصل دخله فحسب، بل خسر الإيقاع الذي كانت تقوم عليه حياته. ويضيف: "في البداية كنت أقول لنفسي إنها مسألة أيام، ثم صارت شهوراً، ثم سنوات". نزح محمود مع عائلته مرات عديدة، وعمل في مهن متعددة، لم يكن العار في العمل، كما يقول، بل في الإحساس بأنه اقتلع من المكان الذي عرف نفسه فيه طوال سنوات، وتابع: "لا أخجل من أي عمل، عملت في السوق وحملت صناديق الخضار، ووقفت تحت الشمس في ورشات البناء، وحملت البضائع على ظهري من الصباح حتى المساء، لم يكن التعب ولا حتى قلة الأجر المشكلة، ما كان يوجعني فعلاً هو ذلك الشعور بأنني لست في مكاني الطبيعي، كنت كلما رأيت مدرسة أو سمعت جرس الحصة أشعر بشيء ينكسر داخلي".
عاد محمود إلى التدريس قبل أشهر، لكن ليس بقرار تثبيت، بل بعقد مؤقت. عودة يصفها بأنها خطوة إلى الأمام، لكنها لم تمنحه الطمأنينة التي انتظرها طويلاً ويقول: "عدت إلى الصف وعدت أشرح الدروس وأكتب على اللوح وأسمع أصوات الطلاب من حولي، وهذا وحده أعاد إلي شيئاً كنت أظنه مات، لكن الحقيقة أن العودة ما زالت ناقصة، كل صباح أذهب إلى المدرسة وأنا لا أعرف إن كنت سأبقى بعد شهر أو بعد سنة، لا يوجد شعور بالاستقرار، لا يوجد يقين بأن هذا المكان عاد لي فعلاً، أتحرك فيه بحذر وأخشى في أي لحظة أن يقال لي إن الوقت انتهى وعليك أن ترحل من جديد".

أفاد معاون الأمين العام لمجلس الوزراء، المهندس علي كدة، بأن أكثر من 90% من المفصولين عادوا إلى الجهات العامة وفق عقود مؤقتة، ريثما يتم إصدار المرسوم النهائي.

لا تعني العدالة بالنسبة لمحمود مجرّد السماح له بالوقوف أمام طلابه مرة أخرى، بل العدالة هي الاعتراف بأن السنوات التي ضاعت من عمره لم تكن فراغاً بل كانت سنوات ثقيلة دفع فيها وعائلته الثمن كل يوم، أولاده كبروا وهم يرون أباهم يتنقل من عمل إلى آخر، هو لا يريد شفقة من أحد، ولا وعوداً وقرارات على الورق، بل يريد أن يرى إنصافه على أرض الواقع.
وفي مدينة إدلب، لم يكن سامر الفرحات الذي يعمل في محل صغير لبيع الأدوات المنزلية بأحسن حالاً، فيداه ما تزالان تتحركان بعفوية عامل قضى نصف عمره بين أصوات الآلات ورائحة الخيوط والزيوت الثقيلة. كان سامر موظفاً في معمل النسيج الحكومي في إدلب حتى عام 2015، قبل أن يفصل من عمله لا لتقصير وظيفي ولا مخالفة مهنية، بل لمشاركته في نشاط مدني وإغاثي خلال السنوات الأولى من الثورة، قبل أن يرد اسمه في تقرير أمني.

الفصل التعسفي لم يكن مجرد قرار إداري منفصل، بل كان أداة عقاب سياسي واجتماعي، سواء التقارير الأمنية، المواقف السياسية، المشاركة في التظاهرات، العمل المدني، أو حتى مجرد الشبهة

يستعيد سامر تلك اللحظة قائلاً: "قالوا إنني محرّض، كل ما فعلته أنني كنت أشارك في توزيع مساعدات على العائلات النازحة، كنا نحاول أن نسد شيئاً من الجوع والعوز الذي بدأ يكبر حولنا، لم أكن أحمل سلاحاً، ولم أكن أخرب أو أعتدي على أحد، فقط أساعد الناس بما أستطيع، لكن هذا وحده صار كافياً لتصبح متهماً، وتحول العمل الإنساني فجأة إلى شبهة، وتحولت المساعدة إلى ذريعة جاهزة لفصلي لاحقاً".
بدأ سامر العمل المتقطع ومحاولات البقاء، عمل في ورش الخياطة الخاصة، ثم في مهن يومية متفرّقة متنقلاً بين أعمال لم يكن يعرفها. "أنا ابن المعمل، كنت أعرف صوت الآلات، وحركة القماش، وكيف يبدأ يوم العمل وكيف ينتهي، بدأت من الصفر، عملت في ورش صغيرة، وفي أعمال يومية لا تشبهني، فقط لأؤمن قوت عائلتي، لم يكن الفقر وحده الأصعب رغم أنه كان قاسياً، بل كسرني الشعور بأنّ المكانة التي بنيتها في سنوات سقطت دفعة واحدة"، ويتابع: "في مجتمعنا، ليست الوظيفة مجرد راتب آخر الشهر، هي أمان واحترام ومكانة بين الناس". حتى اليوم لم يعد سامر إلى وظيفته ويتابع أخبار المرسوم كما يتابع الناس أخبار الغائبين بينما لا يخفي خوفه من أن تتحول القضية إلى وعود طويلة الأمد. "إن لم تجرِ إعادتي إلى وظيفتي ومكانتي، أريد أن أعرف من سيعوضني عن أحد عشر عاماً ضاعت من عمري، من سيعيد لي السنوات التي عشتها وأنا أتنقل من عمل إلى آخر، ومن سيعيد دراسة أولادي التي انقطعت بسبب ضيق الحال، من سيعيد إلي ذلك الشعور البسيط بأنني لم أرم خارج الحياة، أنا لا أطلب المستحيل أريد فقط بعض الاهتمام وأن أشعر أن ما جرى لي لم يكن أمراً عادياً يمكن أن ينسى بسهولة".
قصة حسام السلوان أكثر حساسية وثقلاً من غيرها. كان يعمل في إحدى مؤسّسات معامل الدفاع في حلب قبل أن ينشق في بدايات الثورة وينضم إلى أبناء محافظته إدلب المعارضين لنظام الأسد. يقول حسام: "في أماكن كهذه، لا تحتاج إلى تهمة واضحة، يكفي فقط أن تصبح مشبوهاً، كلمة واحدة أو اسم يرد على لسانك أو حتى لمجرد أنك من إدلب كان كافياً لأن ينتهي كل شيء دفعة واحدة".
بدأ حسام حياة جديدة في إدلب من الصفر، عمل في تصليح الأدوات المعدنية ليؤمن الحد الأدنى من معيشة عائلته، لكن السنوات تركت أثرها عليه بوضوح "في البداية كنت أقول لنفسي إنّني ما زلت قادراً على البدء من جديد، وإن العمل مهما كان شاقاً يبقى أهون بكثير من الحاجة، لكن السنوات مرّت بسرعة، وصرت اليوم أكبر سناً، اليد التي كانت تتحمل ساعات طويلة من العمل لم تعد كما كانت، والجسد الذي كان يقاوم التعب بدأ يشعر بكل يوم إضافي، لم أعد أملك رفاهية البدء من الصفر في كل مرة"، ويلفت: "لا أحتاج اليوم فقط فرصة عمل، بل شيئاً من الدعمَين، المادي والمعنوي، أيضاً، الإنسان حين يكبر يبدأ البحث عن شيء يعيد إليه شعوره بالقيمة وأن سنوات عمره التي ضحى بها بوظيفته لم تذهب هباء".
تختلف قصص هؤلاء الثلاثة في التفاصيل، لكنّها تتشابه في البنية العميقة للقضية، فالفصل التعسفي لم يكن مجرد قرار إداري منفصل، بل كان أداة عقاب سياسي واجتماعي، سواء التقارير الأمنية، المواقف السياسية، المشاركة في التظاهرات، العمل المدني، أو حتى مجرد الشبهة، كلها كانت أسباباً كافية لقطع مورد الرزق ودفع عائلات كاملة إلى الهشاشة، وكثير من المفصولين لم يفقدوا رواتبهم فحسب، بل فقدوا سنوات الضمان الاجتماعي، والترقيات، والحقوق التقاعدية، وفرص التعليم الأفضل لأبنائهم.
لا تكمن المشكلة الأساسية في النية السياسية فحسب، بل في تعقيد المسار القانوني، هناك حالات فصل إداري مباشر، وحالات كف يد، وأخرى صدرت فيها أحكام قضائية، إضافة إلى متوفين وورثة، وسجلات وظيفية ضاعت أو تضرّرت خلال سنوات الحرب، وفي جوهر المسألة، لا تتعلق القضية فقط بإعادة موظفين إلى مكاتبهم، بل في تحقيق العدالة الانتقالية وهي كما يراها حقوقيون، ليست مجرّد إعادة الحال إلى ما كانت عليه، لأنّ الزمن لا يعود إلى الوراء، بل هي الاعتراف بالضرر، ومحاسبة البنية التي أنتجته، وتقديم جبر حقيقي للضحايا، مادياً ومعنوياً.

يترتب على الموظف المتضرّر أن يلجأ إلى المحكمة الإدارية المختصة بدعاوى إلغاء القرارات الإدارية، على أن تُرفع الدعوى خلال 60 يوماً من تاريخ تبلغه قرار الفصل

ويرى المحامي والخبير القانوني، حسام سرحان، أن الفصل التعسّفي لا ينطبق على جميع الحالات تلقائياً، بل يتوقف على الأساس القانوني الذي صدر بموجبه قرار الفصل. وأوضح أن الموظف المعيّن أصولاً عبر مسابقة والذي ثبت في عمله بعد تجاوزه مدة السنة التجريبية، يعد فصله تعسفياً إذا جرى من دون سبب قانوني يجيز هذا وفق النظام الأساسي للعاملين في الدولة. وفي هذه الحالة، يحق له الطعن بقرار الفصل أمام القضاء الإداري، باعتباره قراراً إدارياً مخالفاً للقانون.
وبين سرحان أن هناك حالات فصل لا تعدّ تعسفية حتى بالنسبة للموظف الدائم، ومنها الفصل الناتج عن عقوبة مسلكية مثبتة قانوناً، كاستغلال النفوذ أو الرشوة أو ارتكاب مخالفات جسيمة تتصل بالوظيفة العامة، كما لا يعد الفصل تعسّفياً إذا ألغيت الوظيفة نفسها التي جرى التعيين على أساسها، وأن أي فصل يقع خارج هذه الحالات بالنسبة للموظف الدائم يمكن اعتباره فصلاً تعسفياً، ويترتب على الموظف المتضرّر أن يلجأ إلى المحكمة الإدارية المختصة بدعاوى إلغاء القرارات الإدارية، على أن تُرفع الدعوى خلال 60 يوماً من تاريخ تبلغه قرار الفصل. وقال إنّ الجهة القضائية المختصة باستعادة الحقوق هي المحكمة الإدارية، إلّا أن المفصولين يواجهون في العادة عقبات قانونية وعملية، أبرزها بطء الإجراءات القضائية والمدة الطويلة التي قد يستغرقها البت في الدعوى، فضلاً عن الأعباء المالية التي يتحملها الموظف خلال فترة التقاضي.

وفي ما يتعلق بالتعويض، أوضح سرحان أن القانون لا ينص على تعويض مستقل تحت مسمى "تعويض عن الفصل التعسفي"، لكن في حال إلغاء قرار الفصل وصدور حكم بإعادة الموظف إلى عمله، فإنه يحق له المطالبة بكامل الرواتب والحقوق المالية التي حُرم منها خلال فترة الانقطاع عن العمل. وأوضح أنّ مقاربة الملف في سياق العدالة الانتقالية تقتضي التمييز بين من فُصلوا بسبب آرائهم أو مواقفهم السياسية وبين من استغلوا مناصبهم الوظيفية للإضرار بالمواطنين أو لتحقيق مكاسب شخصية أو وظيفية خلال سنوات الثورة، معتبراً أن محاسبة الفئة الثانية قد تندرج ضمن مقتضيات العدالة الانتقالية.

العقبات القانونية والعملية التي تعترض هذا المسار تظهر غالباً في بطء البت في طلبات الاعتراض الإدارية، إضافة إلى طول أمد التقاضي أمام القضاء الإداري

يوافقه المحامي حسام المحمود، قائلاً إنّ فصل الموظف يعد مخالفاً للقانون عندما يصدر بصورة تعسفية، أي عندما ينطوي القرار على مخالفة واضحة وصريحة للأصول القانونية النافذة، أو عندما يكون مشوباً بالتعسف في استعمال السلطة وتجاوز حدود الصلاحيات الممنوحة للجهة الإدارية. وفي هذه الحالة، لا يعود قرار الفصل مجرّد إجراء إداري عادي، بل يصبح قراراً قابلاً للطعن والإبطال لعدم مشروعيته.
وأوضح المحمود أن الموظف الذي يتعرض لفصل تعسفي يملك حق الاعتراض على القرار أمام المكتب القانوني في الجهة العامة التي كان يعمل لديها، باعتبار أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مراجعة القرار إدارياً قبل الانتقال إلى المسار القضائي، كما يحق له بالتوازي أو لاحقاً اللجوء إلى القضاء الإداري المختصّ ومقاضاة الجهة التي أصدرت قرار الفصل، وطلب إلغائه استناداً إلى مخالفته للقانون، وأضاف أنّ إلغاء قرار الفصل، بقرار إداري صادر عن الجهة المعنية نفسها أو بحكم قضائي صادر عن القضاء الإداري، يترتب عليه من حيث المبدأ حق الموظف في طلب العودة إلى عمله بصورة تلقائية. فإلغاء القرار يعني زوال الأساس القانوني الذي استند إليه الفصل. وأوضح أنّ مسألة التعويض لا تقتصر على إعادة الموظف إلى عمله، بل تشمل أيضاً حفظ كامل حقوقه المالية والوظيفية التي فاتته في فترة الانقطاع القسري عن العمل، ما يشمل الرواتب التي حرم منها طوال تلك الفترة، فضلاً عن الحقوق الوظيفية الأخرى المرتبطة بالأقدمية والترفيع والترقية، بحيث لا يتحول الفصل التعسفي إلى وسيلة لإلحاق ضرر دائم بالمسار المهني للموظف.
ويلفت إلى أنّ العقبات القانونية والعملية التي تعترض هذا المسار تظهر غالباً في بطء البت في طلبات الاعتراض الإدارية، إضافة إلى طول أمد التقاضي أمام القضاء الإداري، وهي إشكالية كانت واضحة في سورية خلال السنوات السابقة. ولفت إلى أن المشهد اليوم يشهد تغيّراً نسبياً في ظل المرحلة الجديدة، وإن لا يزال هناك تفاوت في سرعة اتخاذ الإجراءات المتعلقة بإلغاء قرارات الفصل التعسفي وإعادة الموظفين إلى مواقعهم الوظيفية.
وأكد المحمود أنّ جوهر المسألة يجب أن يبقى مرتبطاً بمبدأ العدالة، أي إنصاف كل موظف ثبت أنه فصل تعسفياً من دون مسوغ قانوني، وإعادة الاعتبار له قانونياً ووظيفياً ومعنوياً، وإن ملف الموظفين المفصولين ينبغي أن يحظى بأولوية واضحة ضمن مسار العدالة الانتقالية، لأنه لا يتعلق بحالات فردية محدودة، بل بشريحة واسعة من المجتمع السوري عانت سنوات من آثار الفصل على المستويات، الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، وإن عودة الموظف إلى عمله لا تعني استعادة مصدر دخل فحسب، بل تمثل أيضاً جبر ضرر حقيقياً، وإعادة اعتبار لكرامته وحفظاً لكيانه ومكانته داخل المجتمع.