من الذي سرق ذاك الشيء؟

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:57 (توقيت القدس)
(إسماعيل شموط)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الوضع السوري يحمل إمكانيات للتفاؤل بفضل الشباب المتعطش للمعرفة وسوق الأعمال المفتوح للاستثمار، مما يعكس حاجة الشباب لتحقيق التقدم.
- الطائفية تشكل عائقًا أمام الفرح، حيث تحولت إلى فعل دموي يسبب القتل والذبح، كما حدث في حمص، مما أدى إلى انتشار الخوف والعدوى الطائفية.
- الشارع السوري لم يعد آمنًا بسبب الطائفية، مما يتطلب تحريره ليصبح فضاءً مشتركًا للمختلفين بعيدًا عن سلاح التخوين.

في المحصلة، يدعو الظرف السوري إلى التفاؤل. يبدو المشهد هكذا: بلدٌ تخلّص من طاغيته. بنيته مفتوحة للاستثمار. شبابه متعطش للمعرفة ولخوض سوق الأعمال. شعبه فتيّ. طلابه، بمستواهم المعرفي، لا هم الأسوأ ولا الأفضل، لكنهم يبرعون مثل أي شاب وُضع في الظرف المناسب. شباب فتيّ بحاجة إلى كل شيء وإلى أي شيء.
مع ذلك، لماذا لا يجرؤ أحدٌ فينا أن يتفائل؟ من الذي سرق فرحة السوريين؟ وما الذي نفى إمكانية الفرح أساساً؟
أحبّ البلاغة. أحبّ اللغة لأنها تضع الأفكار في موضعها الواضح. تؤطّرها كي لا تخاتل ولا تُغلَّف بسكر الكلام. لو سُئلت: من سرق تلك الفرحة؟ لأجبتُ من دون رفّة قلب أو ثانية تردّد: الطائفية. قد ندور. قد نخاتل. قد نجمع عناصر المصالح. نلمّ فتات الروايات السياسية. نتحدث عن وطنياتٍ مؤجَّلة. نتحدث عن أحزاب وتجمّعات. نتحدث عن إدارات طموحة. نتحدث عن وصفات حارّة أو بائتة للسلم الأهلي. سنلفّ وندور. سنعود إلى حضن سارقنا، خجلين من أن نُدلّ عليه. نعم، كلّنا طائفيون يا عزيزي. نتمنى، في مكانٍ ما داخلنا، أن يموت الكل شرطَ ألا يكون نحن.
من هنا يبدأ الكلام الحقيقي. الطائفية في سورية اليوم تبدو رأياً، أو توجّهاً ثقافياً، أو مجرّد سوء فهمٍ تاريخيّ. تحول إلى فعل. صارت دماً يسيل. صارت سكيناً لا تتعب من تكرار ما تجيد: الذبح.
في حمص، كل ما احتاجه الأمر: لحظة وضوح فاجر. مسجد يعرفه الأهالي جيداً، ويعرفون لماذا يُسمّى هكذا. ثم وقع الانفجار فوق أجساد عُزّل. حين ماتوا، فعلوا كما كل المخلوقات، تألموا، نزّت دماؤهم. الموت لم يسألهم بمن يؤمنون، ولا عمّا فعلوه في حياتهم. الاسم لم يكن كافياً. كانت الهوية كذلك. الموت لم يختَرهم بما هم أفراد، بل بوصفهم جماعة.
وعندما أتى بيان التبنّي. جاء بارداً، مقتضباً، القتل فيه مجرد إجراء احترازيّ، فعل اعتياد، وإعلان هوية. هكذا هي الطائفية حين تكتمل. لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى تبريرات كبرى. يكفي أن تقول فعلتُ ليحلّ صمتٌ ثقيلٌ في قلوب المتفائلين، ويرافقه الخوف. من هناك، من التفجير، انتقل الخوف كما تنتقل العدوى. لم تتوقف الموجة عند حدود المدينة. خرج الناس إلى الشوارع كما يحبون أن يفعلوا عند الصراخ، عند الفزع، وعند الدعاء لله. لكن بسبب الطائفية التي نذكرها كثيراً، ولا نجرؤ على التخلص منها لأسباب طائفية، بدا فعل التظاهر، الذي ظننا أن السوريين، كل السوريين، ثاروا للحفاظ على أحقيتهم به، خيانة. عدم دعم التظاهرات خيانة أيضاً. فمن يخون من في هذه الملهاة التي لا تتوقف عن التوالد، ولا تكفّ عن منح الشر إلهامات لا تتوقف.
ما يجرح ويؤلم أن الشارع السوري ليس مكاناً آمناً. لم يكن كذلك يوماً. كل ما قدّمه السوريون من تضحيات لجعله كذلك انتهى إلى الفشل. لم يصبح الشارع فضاءً عاماً، بل ظل فضاءً للشك. ليس آمناً لمن يقفون مع السلطة. ليس آمناً لمن يعارضونها. الخطر فيه لا يأتي فقط من الرصاص، بل من الفضاء المفتوح على تأويل النيات، من رعب الخيانة لأطراف يعيدون تعريف خصومتهم من جديد.
الطائفية أفقدتنا الشارع، واستعادته تعني تحرير الحيز العام من هوية مالئيه. تعني فصل فعل التظاهر عن سبب هذا التظاهر. الحيز العام الذي مات كثيرون لاستعادته لا يُقاس إلا بقدرة المختلفين سياسياً، فكرياً، ودينياً على مشاركته. ما دون ذلك يجعل كل دعوة إلى النزول للشارع دعوة غير أخلاقية، لأنها تطلب من الناس أن يخاطروا بأجسادهم في فضاء لم يُنزَع عنه السلاح. سلاح التخوين.

المساهمون