- يناقش تأثير رأس المال على الإنتاج الفني، مشيراً إلى أن المال يأتي بشروط تؤثر على حرية الإبداع، مما يثير تساؤلات حول نزاهة الفن.
- يسلط الضوء على الصراع المستمر بين المال والثقافة، حيث يُعتبر جزءاً من تاريخ الإبداع، مع التركيز على الحفاظ على كرامة الفنان ومبادئه.
الأفلام التي تحتفون بها الآن لطالما جُلِدت في السابق نقدياً وفشلت بإرجاع المال المنفق عليها، والفيلم الذي تنتقده لي الآن، قد يعيش هذه الدائرة من جديد. هذا ما لطالما دافع به المخرج فرانسيس فورد كوبولا، مخرج ثلاثية "العرّاب" الشهيرة عن أفلامه ورؤيته، التي لم تكن يوماً ملائمة للسوق، ولا للذوق العام ، إذ لطالما بدا متقدماً بمسافات، عما يريده ويحتفي به الجمهور، وبالتالي الاستديوهات التي تمنح مالها لإنتاج تلك الأفلام. مثله أيضاً، وبحثاً عن استقلالية في الرؤية ورفضاً لقيم السوق ولتحكّم رأس المال، في مرة، وفي خلافاته العديدة مع رؤية الاستديوهات الكبرى لأعماله، هدّد مارتن سكورسيزي، ابن الجالية الإيطالية المهاجرة في نيويورك، تلك التي عاشت في كنف تقاليد المافيا، حيث القتل عشوائي ومتاح وسهل، ويتم على قارعة الطريق، أحدهم بالقتل.
كان يا مكان: نيويورك، 1976. في الوثائقي الشهير الذي أُنتج أخيراً "السيد سكورسيزي"، يصرّح المخرج العبقري شبه خَجِل بأنه كان في طريقه لشراء مسدس لقتل مدير الاستوديو الذي أراد تغيير نهاية فيلمه. يذكر سكورسيزي الحادثة في إطار من الهزل، لكنها تُفصح عن مدى انغماسه وولائه لرؤيته ولفنّه. في تلك السنة، أنهى مارتن سكورسيزي فيلمه سائق التاكسي، حيث لطالما كان قد رافق ترافيس بيكل، بطله في عتمة المدينة، في سيارة التاكسي الصفراء التي تجوب شوارع نيويورك كفأر صغيرٍ في مياه آسنة، هناك في تلك الشوارع المهمشة، حيث رآه يتحوّل ببطء، على يديه، إلى ما أراد له أن يتحوّل إليه: رجل وحيد يحمل في داخله كل غضب الجالية المهاجرة، كل قرف الأحياء التي شبّ فيها، كل ما لم يُقَل في موائد العائلات الإيطالية حيث القتل لم يكن سوى جزء من الحياة اليومية. هكذا تعامل مع فيلم أراد صنعه على صورته ومثاله، أو على صورة ما يخشاه في نفسه، ثم سلّمه كابن بكر إلى الاستوديو ليذبح قرباناً. لم يكن الاستوديو غير كولومبيا بيكتشرز، ومديرها ستانلي جافي. استدعاه جافي وقال له ما يقوله رجال المال دائماً للفنانين منذ بدء الزمن: المشهد طويل. الدم كثير. احذف المشهد. خفّف الدم. غيّر النهاية أو سنفعل نحن ذلك بدلاً منك. ردّ سكورسيزي: سأقتله!
يُحكى دائماً عن استثمار المال الخليجي في الدراما السورية، يحكى عن نظريات المؤامرة، عن تفصيل رؤية السوريين الدرامية لتناسب أذواق من يضخّون المال في أوردة هذه الفنون المكلفة. تروى الأساطير عن حيادية رأس المال في منح الجهات الفنية والأدبية والإعلامية. لكن، هل هناك فعلاً ما هو حيادي في منح المال لأحدهم ليفعل ما يشاء؟ إنها طوباوية وقداسة ومثالية، ليست متاحة حتى من أبٍ لابن. كل مالٍ هو مشروط حُكماً. لكن ما يفصل بشعرة بين بيع الضمائر والدوس على الكرامات وتزوير الحقائق، هو تلك المعرفة، تلك المسافة بين احترام الذات وتسويات كلّنا مجبرون عليها كي نُكمل مشاريعنا بأفضل شكل ممكن.
فالصراع بين بذاءة رأس المال ونقاء الثقافة شكّل تاريخ الإبداع كاملاً، منذ أن ذهب الفنان الأول ليحاكي الطبيعة فالتهمه نمر. لطالما جُرِّم فنانون ومبدعون ومثقفون كبار باستخدامهم أموالاً مشكوكاً في أصولها ونياتها. والفيصل يبقى بما قدّمه هذا الفنان بهذا المال، أيّ حقيقة شاركها مع هذا الكون. أكان مزوّراً، مدلِّساً، منزوع الكرامة والمبدأ والرؤية، أم فعل ككلنا، كما حصل منذ البدء: أنْ طوّر عضلاته وعقله وأفكاره لخوض مباراة الملاكمة تلك، والخروج منها منتصراً بالرغم من الوجه المدمّى والقلب أيضاً.