مطبخ الحكايات

04 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:36 (توقيت القدس)
فلاحون من ريف حلب يشوون القمح الأخضر لصنع الفريكة (15/5/2026 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المطبخ السوري يمثل أرشيفًا ثقافيًا يعكس تاريخ وتقاليد الأمة السورية، حيث تُنقل الذاكرة الجماعية عبر الأجيال من خلال أطباق مثل اليبرق والكبة والمكدوس، مما يجعله وثيقة حية للهوية والانتماء.

- يتميز المطبخ السوري بالأصالة والابتكار، حيث تتنوع المكونات والتقنيات المستخدمة في إعداد الأطباق، مثل تجفيف الباذنجان واستخدام الثوم والجوز في المكدوس، مما يضفي نكهات وتاريخًا فريدًا.

- الطعام في الثقافة السورية يتجاوز التغذية ليصبح وسيلة للذاكرة والانتماء، حيث يعيد السوريون بناء ذكرياتهم واستحضار بلدهم من خلال تحضير الأطباق التقليدية، مما يعزز الروابط الثقافية والعائلية.

المطبخ السوري والحكايات
كي لا تُفلِت زوجةُ صديقٍ لي بتقاعسها عن الطبخ، صار وتجرّأ الزوجُ الدمشقيّ المتطلّب على "الصفيحة"، مدّعياً بعنجهيّةٍ أنّها ليست طبخة، ولا يليق بها أن تكون طبقاً أساسياً على مائدته؛ فالأكلة لا فنون كافية فيها، ولا وقتَ يتطلّبه تحضيرها، فيكفي أن تذهب بخلطتك إلى الفرّان، وتعود بـها، كما قال الزوج، "شوية لحمة ممعوكة على شقفة خبزة". هي أكلة هي؟
بالنسبة للسوريين ليست كذلك. فالأكل يبتدئ بأسماءٍ لا تدري من أين أتت إلهاماتها، لا تعلم من سمّى اليبرق كذلك، ولا المجدرة، ولا الحرّاق إصبعو، ولا المكدوس. لا تدري ما حكاياتنا مع أصناف الكبّة لانهائية العدد، وحلوياتنا التي تبدأ بالكليجة وترتدي أردية طوالاً من حلاوة لنغطّي الجبن والقشدة وتغرق بالقطر، وتتزيّن بالفستق الحلبيّ وغير الحلبيّ باخضرارٍ أصفى من لون عيني طفلةٍ تقطن مخيماً في الشمال.
يستحقّ المطبخ السوري بعض الحكايات، يستحقّ الأرشفة والغربلة واستعادةً لتاريخه المرميّ بعيداً في ممالك التاريخ بين ماري وآشور. يستحقّ البرغل تصنيفاً لأحجامه وألوانه، وأمّه حبّة القمح، يليق بها أن تعود وترتبط بحضور الشمس فوق أرض هذه البلاد. نريد أن ندرس كيف  ومن فكّر أن يجفّف الباذنجان المسلوق قليلاً ويحيّد عن جسمه الماء، لا ليجفّ ولا ليتخلّل، نريد أن نعرف كيف صار ووُضِع قليلٌ من ثومٍ واخز، وجوز، ولسعاتٌ من الأحمر في الفليفلة، وحُفِظ كلّ هذا في قداسة زيت الزيتون. وسمى كل هذا مكدوساً، نريد من هذه البلاد أن يبشّر بمطبخها طاهٍ، لا يقلّ أصالةً عن الأميركيّ مخلوط النسب بفرنسيّةٍ لا تُشفى، "أنطوني بوردان"، الذي قال دون رجفة قلب، عندما سُئل لماذا لم يدعُ دونالد ترامب إلى برنامجه، فأجاب كمن يشكّك بهويّة رئيس أميركا الوطنية: "ما الذي سأفعله بصحبة رجلٍ لا يفقه بالطعام؟ كيف أدعو رئيساً أميركياً لمائدتي يتناول قطعة الستيك Well done؟"  أي مطهوّة بالكامل.
بهذا تكلم  بوردان عن الانتماء من خلال الطبخ. فالمائدة اختبارٌ لا يُغَشّ فيه: من لا يعرف كيف يأكل لا يعرف كيف يُقيم في المكان، ومن يرى في الطعام مجرّد وقودٍ للجسد لا يرى في البلاد سوى رقعةٍ على خريطة. ولا يُؤتمن على ذاكرة أمّة.
ولأنّ الأمر كذلك، فإنّ المطبخ السوري ليس مجرد وصفات، بل أرشيف أمة. هو أقدم كتابٍ ما زلنا نقرأه كلّ يوم دون أن ننتبه،  فالممالك سقطت، والحدود تبدّلت، والأنظمة كتبت تاريخها ثمّ مُحيت؛ لكنّ اليبرق بقي يُلَفّ باليد نفسها، والكبّة بقيت تُدَقّ في الجُرن نفسه، كما لو أن مطبخنا هو الوثيقة المثلى، الدليل الأكمل على  نجاتنا من كلّ الغزاة، لأنّه الوثيقة الوحيدة التي لا تُكتب على الحجر، بل تُورَّث بالرائحة واليد واللسان، فالسوري لم يستطع أن يحزم بيته في حقيبة، لكنّه استطاع أن يحزم مطبخه. قطرميز شنكيش برائحة مريبة يعبر المحيط، كيس زعتر أحمر ناعم يُخبَّأ في قعر الحقيبة، حيث رائحة قليٍ بالثوم واخزة في مطبخٍ مونتريالي تُعيد بناء غرفةٍ خسرناها، بجدرانها وضوئها وأصوات من ماتوا فيها، فنحن نطبخ لنتذكّر، ونتذكّر لكي لا يقتلنا النسيان. وحين تجلس الأمّ في غربتها تلفّ ورق العنب واحدةً واحدة، فهي تعيد استحضار بلد على طاولة طعامها.
لهذا نريد لهذه البلاد أن يذكر في تاريخها طاهٍ. نريد ممن يجالس كبار السنّ أن يجبرهم على  قص الحكايات ابتداءً بأنواع مربيات التين ودبس الرمان، وحامض الحصرم وملاحف الدبس وقمر الدين، قبل أن يرحلوا بأسماءٍ لا نعرف من أين أتت، ومن منحها لا اسم البلد فحسب، بل طعماته أيضاً.