مشتى جبل الحلو... من هنا أرسل السوريون الحرير إلى العالم
استمع إلى الملخص
- تأسس معمل الحرير في مشتى الحلو عام 1852، واعتبر من أكبر معامل الحرير في الشرق العربي، حيث تميزت خيوطه بالجودة العالية، وضم ملحقاً لإنتاج الحرير الأصفر والأبيض.
- توقف المعمل في عام 1977 بعد احتكار الدولة لاستيراد وبيع بيوض دود القز، ويُعتبر اليوم إرثاً ثقافياً وسياحياً، مع دعوات لدعم الصناعات اليدوية.
القرية الكنعانية الفينيقية التي احتفظت باسمها عبر العصور، كانت شاهداً حياً على تمازج الثقافات، وتحول دودة القز إلى خيوط حرير وذاكرة مكان، وولادة الخطوة الأولى لسحر البروكار والدامسكو.
تروي الصخور والكنائس والمغارات حكايات تناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين، خلالها ازدهرت الثقافة والزراعة والصناعات اليدوية، ومن هذه الصناعات كانت صناعة دودة القز، التي لم تكن مجرد مهنة، بل طقساً يومياً وحضارياً، وامتداداً لجغرافيا ثرية بالتاريخ و"خبرياته".
يعتبر الحرير الطبيعي الناتج من دودة القز أفضل الألياف الطبيعية الحيوانية، وأغلاها ثمناً وأفضلها استعمالاً، وهي خيوط تفرزها دودة القز من فمها
ذكر جوزيف زيتون في أبحاثه أن مشتى الحلو إحدى القرى القديمة التي تعود جذورها إلى الحضارة الكنعانية الفينيقية، ويُعتقد أن اسمها مستمد من تلك اللغة، تميزت بمناخها الذي ساهم في نجاح زراعة أشجار التوت التي تُعدّ الغذاء الرئيسي لدودة القز، وهي حرفة اشتهرت بها البلدة منذ القرن الخامس الميلادي، حين بدأها الرهبان الروم.
يعتبر الحرير الطبيعي الناتج من دودة القز أفضل الألياف الطبيعية الحيوانية، وأغلاها ثمناً وأفضلها استعمالاً، وهي خيوط تفرزها دودة القز من فمها، عرضها حوالي 30 ميكرون، ولإنتاج غرام واحد من الحرير، نحتاج إلى 3500 أو 4500 دودة قز، تُربّى دودة القز في موسمين هما الربيع والخريف، وأشهر المناطق التي تعتمد القز الربيعي هي صافيتا، مشتى الحلو، عيون الوادي، مصياف، الشيخ بدر، بانياس. ومناطق القز الخريفي تتركز في شمال الدريكيش وبعض مناطق صافيتا مثل حصن سليمان، شماميس، حكر مخيبر، أوبين، نشير، سبة.
يتحدث حسان عجي عن تاريخ الحرير وطقوسه، نقلاً عن جده ووالده، وعن بعض المصادر، يقول:" كنّ فتيات بعمر الورد، منهنّ لم تتجاوز الثامنة بعد، عبرت أقدامهنّ الصغيرة الحافية الطريق الوعر إلى معمل الحرير في مشتى الحلو لكسب العيش، حيث ازدهرت صناعة الحرير في بلاد الشام، وكان لمشتى الحلو حصة في هذا الازدهار، لتوفر كافة المقومات فيها، فبقيت أسماء تجار الحرير في الذاكرة المشتاوية، مثل " جرجس الخوري، إليان الخوري، مخاييل الخوري مع شركائهم من آل سرسق، والصيقلي من لبنان، وأيضا ديب البيطار، مصطفى وبدري الحلو" الذين استوردوا بيوض دودة القز من كورسيكا الفرنسية، المؤمنة من شركة تأمين فرنسية خاصة.
تزن علبة البيوض (البذار) 12 غراماً، تحتوي على 18 بيضة، وتحتاج إلى حوالي 500 كيلو غرام من ورق التوت، يتراوح إنتاجها من 25 الى 30 كيلو غرام شرانق طازجة، وبعد التجفيف يراوح وزنها من ثمانية إلى عشرة كيلو غرامات شرانق جافة.
وإلى جانب معمل الحرير، تم إنتاج الحرير منزلياً، وكانت النسوة ( الحضّانات) تضعن البيوض في شاشة رقيقة، تلفّ بشكل جيد، وتوضع تحت الملابس لملامسة الجلد، للحصول على درجة حرارة ثابتة حتى يتم الفقس وتوضع دودة الحرير في (طافورة) تحتوي على ورق التوت المفروم، لتفقس اليرقات بعد حوالي عشرة أيام، ويبلغ طولها 0.6 سنتم، تتغذّى هذه اليرقات على أوراق التوت المفرومة بشكل جيد، أما اليرقات البالغة، فيبلغ طولها 7.5 سنتم، تتغذى على كامل ورقة التوت، بعد ذلك قام بعض التجار المحليين بإنشاء المحمل أو المفقس، الذي يتألف من ألواح خشبية تُفرد فوقها البيوض، وتوضع تحتها القناديل المضيئة أو موقد النار، لمنح البيوض درجة حرارة مناسبة.
بعد اكتمال نمو الشرانق، تُنقل إلى "المخانق" حيث تُخنق الديدان داخلها بواسطة بخار الماء المغلي. أما التي تُترك دون خنق، فتخرج منها الفراشة بعد أن تُحدث ثقباً فيها، وتُعطى الشرانق المثقوبة لنساء المشتى لاستخدامها في المغازل اليدوية، تلي عملية الخنق مرحلة حلّ الشرانق واستخراج خيوط الحرير.
احتوى المعمل على 80 دولاب حلّ، ويعتبر هذا الرقم كبيراً مقارنةً بالمعامل الأخرى. في بداياته، استخدم حطب المنطقة وقودا لتشغيل المراجل
"حير الدولاب"... الشاهد الحي
وبحسب ما أفاد به عجّي كان إلى جانب معمل الحرير، دولاب حلّ عربي، في قطعة أرض على ضفة النهر، تُعرف حتى اليوم باسم "حير الدولاب"، ومن أبرز التجار الذين عملوا لاحقا في تجارة بيوض دودة الحرير: "مطانيوس خوري وولده إبراهيم، عيسى خوري، مخايل شاهين خوري، حنا الليوس خوري، مخايل الليوس خوري، مخايل زكزك، وفريد سركيس"، وآخر من مارس صناعة الحرير المنزلية في مشتى الحلو، كانت عائلة جرجي الخازن، والسيدة المعروفة باسم أم ممدوح.
أدى تطوير الشركة الفرنسية للآلات والأجهزة، إلى زيادة الإنتاج. إذ كان المعمل يتسع لـ 400 عامل وعاملة. وقد تميّزت خيوطه بالجودة العالية، فالخيط الواحد المعدّ للتصدير يُنسج من سبعة أو ثمانية خيوط حرير، في حين أن المعامل الأخرى كانت تحتاج إلى 14 خيطاً لإنتاج خيط واحد، مما منح "ماركة المشتى" شهرة واسعة بين تجار الحرير في بيروت، إذ كانوا يطلبونها بالاسم، تراوح سعر الكيلو غرام الواحد من الشرانق حوالي ليرة ذهبية واحدة.
احتوى المعمل على 80 دولاب حلّ، ويعتبر هذا الرقم كبيراً مقارنةً بالمعامل الأخرى. في بداياته، استخدم حطب المنطقة وقودا لتشغيل المراجل، وتولى ندور السليمان وعيسى نصار مهمّة تلقيم النار في المراجل لتسخين الماء، وذلك قبل وصول الفيول وتركيب أجهزة خاصة به تُعرف باسم "بابور النار".
طريق الحرير
يقول الباحث بسام القحط في السياق نفسه: "اشتهر الحرير المصنوع في معمل مشتى الحلو مما جعل من البلدة مركزاً تجارياً لافتاً في صناعة الحرير الطبيعي، وهذا ما شجع التاجر اللبناني فيليب فرعون أحد كبار مصدري الحرير إلى فرنسا، إلى الحضور إلى المشتى وشراء قطعة أرض من آل الحلو لبناء معمل للحرير عام 1852 بالتعاون مع عائلات البلدة من تجار الحرير، ويؤسس معملا اعتبر من أكبر معامل الحرير في الشرق العربي آنذاك، وسمي :"الشركة السورية اللبنانية لإنتاج الحرير الطبيعي"، وتم البناء بالقرب من نهر الأبرش الذي يلتقي مع رافده القادم من قرية الجويخات، ولم يكن هذا الاختيار محض مصادفة، فصناعة الحرير تحتاج إلى مياه غزيرة لإدارة دواليب اللف، أو لتغذية المراجل الضخمة الموزعة على "الحلالات" المعدنية المخصصة لحلّ الشرانق، وعدّ المعمل يومها النسخة الثالثة عن معمل ليون في فرنسا.
وأوضح "القحط" أن معمل مشتى الحلو، إلى جانب أقسامه الصناعية، ضمّ ملحقاً أساسياً يُعرف بـ"مفقس بذور ديدان القز". في البداية، كانت البيوض تُستورد من الصين لإنتاج الحرير الأصفر، ثم من اليابان لإنتاج الحرير الأبيض الناصع، تُحفظ داخل علب معدنية خاصة وتُعرض لحرارة معتدلة حتى تفقس، فتتحول إلى ديدان تبدأ بنسج الشرانق.
التحفة المعمارية العثمانية
يصف "القحط" الهيكل المعماري لمعمل حرير مشتى الحلو (بتحفة معمارية عثمانية) تجمع بين الجمال الفني والهدف الصناعي. يتألف المبنى من ثلاثة طوابق، تضفي عليه القناطر العريضة والسقوف القرميدية، إلى جانب الأقسام المكشوفة المخصصة لتجفيف شلل الحرير، طابعاً معمارياً فريداً، ويتكون من ثلاثة أقسام رئيسة، لكل منها دور حيوي في دورة إنتاج الحرير: قسم المرجل والمدخنة، قسم الحلالات، قسم الدواليب.
في 1977 توقف العمل بشكل مفاجئ، وتوقف معه صوت الصافرة المسؤولة عن بدء العمل، والتي يصل صوتها إلى قرىً عديدة
شباب يُحيون المعمل المهجور
يعدّ حنا عبدلله المعمل علامة بارزة في إرث المنطقة الحضاري، ووجهة سياحية مغرية، حيث يجوب الزوار أقسامه بشغف واهتمام، "عبدلله" في العشرينيات من العمر، وهو عضو في مؤسسة الملتقى الثقافي الخيري في مشتى الحلو، الذي حرص في معظم دوراته على إعادة إحياء ذكرى معمل الحرير في المجتمع المحلي، وتوجيه رسالة للجيل الجديد إلى أنه ليس مجرد مبنى مهجور بل وثيقة تاريخية للمنطقة، عبر الفعاليات الثقافية والأمسيات الموسيقية التي كانت تنظم في بهو المعمل لتتفوق بسحرها على المسارح التقليدية، كما دعا الشاب إلى دعم اليد العاملة في الصناعات اليدوية من قبل النقابات المعنية لإعادة إحيائها خوفاً من الاندثار التام، في ظل طغيان الصناعات الحديثة على الأسواق.
نهاية مشوار المعمل
في عام 1977 توقف العمل بشكل مفاجئ، وتوقف معه صوت الصافرة المسؤولة عن بدء العمل، والتي يصل صوتها إلى قرى بصيرة، بستقين، الكفارين. بعد احتكار الدولة لعمليات استيراد وبيع بيوض دود القز وشرانق الحرير عبر القطاع العام. وبموجب هذا القرار، أُغلقت أبواب معمل مشتى الحلو نهائياً، وانتهت معه صناعة محلية استمرّت أكثر من قرن وربع القرن، تميزت بجودة عالية جعلت الحرير السوري منافساً قوياً في الأسواق العالمية، واليوم أضحى المعمل بلا سقف، وتهدمت معظم أقسامه، وقد بيع لمغتربين من أبناء مشتى الحلو، كما تراجعت زراعة أشجار التوت بشكل كليّ في المشتى وجوارها، وحلت محلها أشجار التفاح والأبنية السكنية.