مسار العدالة الانتقالية... تأخير يفتّت ما تبقى من هوية وطنية
استمع إلى الملخص
- مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تصاعد القمع وتفككت الهوية الوطنية، حيث استخدم النظام قوانين استثنائية لتبرير القمع، وفشلت المعارضة في بناء مؤسسات قضائية بديلة.
- أثبتت التجربة السورية أن غياب القانون وتسييس القضاء يعمقان الانقسامات، مما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وبناء هوية وطنية جامعة.
عقوداً طويلة، لم يكن السوريون يعيشون في ظل دولة قانون، بل في ظل سلطة أمنية مطلقة أضعفت كل ما يمكن أن يشكل رابطاً وطنياً جامعاً. فقد حوّل نظام الأسد مؤسسات الدولة إلى أدوات بيد الأجهزة الأمنية، واستخدم القضاء واجهةً لإضفاء شرعية شكلية على حكمه. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة. تصاعد القمع الوحشي للنظام ضد المحتجين مستخدماً الجيش سلاحاً طائفياً، والبراميل المتفجرة سلاحَ عقاب جماعي، والاعتقال التعسّفي سلاحاً سياسياً. في مواجهة ذلك، فقدت الهوية الوطنية الهشة ما تبقى لها من تماسك، وطفَت على السطح الهويات الفرعية بقوة غير مسبوقة. وبدلاً من أن تكون الدولة مظلة لجميع المواطنين، باتت طرفاً في الصراع، بينما تحولت الانتماءات الطائفية والعشائرية والمناطقية إلى ملاذ للناس في غياب أي شعور بالعدالة أو المساواة.
مع اندلاع الثورة، ازداد الفراغ القانوني خطورة. حيث استخدم نظام الأسد قوانينه الاستثنائية لتبرير القمع، بينما عجزت قوى المعارضة عن بناء مؤسسات قضائية بديلة مستقرة
من هنا، يصبح الحديث عن الهوية الوطنية ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل مسألة وجودية ترتبط مباشرة بثلاثة أعمدة: دولة قانون قوية، قضاء مستقل، وعدالة انتقالية شاملة. هذه الركائز وحدها قادرة على تحويل التنوع السوري من مصدر انقسام إلى رافعة لوطن جامع يحمي الحقوق ويكفل المساواة.
القانون هو الأداة التي تنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتضمن حقوق الأفراد والجماعات. لكن في سورية، غاب القانون بوصفه مؤسسة جامعة، وحلّت مكانه منظومة استثنائية قائمة على القمع. فمنذ استيلاء البعث على السلطة، فُرضت حالة الطوارئ، وأصبح الاعتقال التعسفي جزءاً من الحياة اليومية، بينما تحولت المحاكم الاستثنائية، مثل محكمة أمن الدولة العليا ومحكمة الميدان العسكرية، إلى أدوات لتصفية الخصوم والمعارضين.
ومع اندلاع الثورة، ازداد الفراغ القانوني خطورة. حيث استخدم نظام الأسد قوانينه الاستثنائية لتبرير القمع، بينما عجزت قوى المعارضة عن بناء مؤسسات قضائية بديلة مستقرة. ظهرت محاكم شرعية في بعض المناطق، وأخرى تابعة لفصائل مسلحة، وأيضاً في شمال شرق سورية، ولكل منها قوانينها وإجراءاتها الخاصة. هذا التعدد لم يخلق بديلاً وطنياً، بل رسّخ الانقسامات، إذ وجد المواطن نفسه أمام سلطات متنازعة لا تجمعها مرجعية وطنية موحدة.
النتيجة أن السوريين لم يعودوا يرون في القانون مظلة مشتركة تحميهم، بل أداة بيد القوى المسيطرة. هنا تفكك الانتماء الوطني، لأن المواطن لم يعد يعتبر نفسه جزءاً من دولة قادرة على حماية كرامته، بل تابعاً لجماعة أو منطقة توفر له قدراً من الأمان في مواجهة الفوضى.
القانون بلا قضاء مستقل يفقد قيمته، والقضاء في سورية كان منذ عقود تابعاً للسلطة التنفيذية. فقد خضع القضاة للتعيين والإقصاء بناء على الولاء السياسي، وكانت الأجهزة الأمنية تتدخل مباشرة في مجريات المحاكمات. وهكذا تحوّل القضاء إلى ذراع للسلطة، لا مؤسّسة عدل.
ورثت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام هذه الأزمة، فظهرت محاكم محلية تعكس موازين القوى أكثر مما تعكس العدالة. بعض المحاكم خضعت لتيارات إسلامية متشددة، وأخرى لقوى ومليشيات مسلحة، ما جعلها أدوات لضبط السكان وليس لإحقاق الحق.
يقتضي بناء هوية وطنية جامعة وجود قضاء مستقل ونزيه يرسخ الثقة بين المواطن والدولة. فحين يشعر الفرد بأن حقه مضمون وأن القانون يطبق بعدالة على الجميع، يصبح انتماؤه للوطن خياراً عقلانياً. أما حين يفتقد هذه الثقة، فإنه يعود إلى الاحتماء بالجماعة أو الطائفة. لهذا فإن إصلاح القضاء وإبعاده عن التطييف والتسييس ليس قضية مهنية فحسب، بل هو شرط سياسي لبقاء سورية دولة واحدة.
إذا كان غياب القانون والقضاء المستقل قد فجّر الانقسام، فإن غياب العدالة الانتقالية يهدد بمنع أي إمكانية للتعافي، فالجرائم التي ارتُكبت في سورية منذ 2011 فاقت الوصف، "مجازر جماعية، قصف عشوائي، استخدام الأسلحة الكيماوية، تعذيب ممنهج في السجون، وتهجير قسري لملايين السوريين". هذه الانتهاكات لم تطاول طرفاً واحداً، لكنها ارتُكبت على نطاق واسع وبنَفَس طائفي وسياسي، ما جعلها قنابل موقوتة في قلب المجتمع.
أثبتت التجربة السورية أن تغييب القانون وتسييس القضاء وتجاهل العدالة الانتقالية هي الأسباب الجوهرية لتفكك الهوية الوطنية
العدالة الانتقالية هنا ليست خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية. فهي تعني كشف الحقيقة عن الانتهاكات، محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، تعويض الضحايا، ووضع ضمانات تمنع التكرار. التجاهل أو التسويات السطحية لا يمكن أن تبني وطناً، بل تؤسس لجولات جديدة من العنف.
تأجيل العدالة يفتح الباب أمام ثقافة الإفلات من العقاب، ويعمّق شعور الضحايا بالتهميش. وهذا يعني أن الهويات الفرعية ستظل أقوى من أي انتماء وطني، لأن الفرد سيجد في طائفته أو جماعته ملاذاً لحمايته حين يعجز القانون عن إنصافه.
التجارب الدولية تقدّم دروساً واضحة. ففي جنوب أفريقيا، لم يكن ممكناً تجاوز إرث الفصل العنصري من دون لجنة الحقيقة والمصالحة. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، جرى الجمع بين المحاكم الدولية والمحاكم المحلية التقليدية (الغاشاكا)، ما أتاح محاسبة عشرات الآلاف من الجناة وتعويض الضحايا وإعادة بناء النسيج المجتمعي.
والحالة السورية أعقد من الحالات التي سبقتها بسبب تشابك البعد الطائفي مع التدخلات الإقليمية والدولية، لكن الدرس واحد، لا مصالحة وطنية بلا عدالة، ولا هوية جامعة بلا مواجهة الماضي.
لقد أثبتت التجربة السورية أن تغييب القانون وتسييس القضاء وتجاهل العدالة الانتقالية هي الأسباب الجوهرية لتفكك الهوية الوطنية. النظام استخدم الطائفية أداة سياسية، والمعارضة فشلت في إنتاج بديل جامع، فبقي المجتمع رهينة ولاءات فرعية متناحرة. وإن إعادة بناء الهوية الوطنية اليوم ليست مهمة خطابية، بل مشروع سياسي وقانوني متكامل.