استمع إلى الملخص
- المرحلة الانتقالية والتحديات الثقافية: يعيش السوريون مرحلة انتقالية مرتبكة تؤثر على الجميع، حيث يشكل خطاب النخب الثقافية خطراً على الوعي العام، مما يتطلب إعادة تعريف القيم والحقوق.
- الحاجة إلى إعادة هيكلة الدولة: بعد سقوط نظام الأسد، ظهرت مطالبات بنظام تعددي ولامركزي، مما يستدعي إعادة هيكلة الدولة لتحقيق التعددية الحقيقية وتجاوز الانقسامات.
قبل أكثر من خمسة أعوام، وتحديداً في 21/1/2020، كتبت مقالة بعنوان: "إذا لم يبقَ مجتمع فعلى ماذا نراهن؟". كان هذا عندما أوشكت الثورة السورية على أن تكمل عامها التاسع، تحدّثت فيه عما أسميتُه حينها "التأقلم السلبي"، التأقلُم الذي يتجرّع فيه الإنسان تدنّي ظروف حياته بالتدريج، فتصبح المسافة كبيرة بين ماضيه وحاضره من دون أن ينتبه إلى التردّي الفظيع الذي طرأ على حياته، وهذا يمكن عدّه موتاً بطيئاً.
هل متنا جميعاً؟ قبل تسع سنوات، صرخت بأسى في ليلي المتطاول: خسرنا حياتنا، حاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أطفالنا، وصرنا "عبرة" بدلاً من طموح أن نكون مضرب مثل عن الشعوب التي "تريد الحياة"، خفت يومها من حقيقة تجلت أمام عيني وكأنني في كابوس أننا لم نكن على قلب واحد. ... كان هذا قبل خمس سنوات، عندما كان يجثم فوق صدورنا نظام من أعتى الأنظمة في العالم، وكنّا ننزلق بسرعة مخيفة نحو اليأس من إمكانية التحرّر منه، لكنه سقط سقوطاً أطاشنا.
ما يظهر اليوم من تصدّعات وانهيارات وهزّات ارتدادية في المجتمع السوري يؤكّد هشاشة هذا المجتمع
أستعيد اليوم هذه الهواجس، وأنا أعيش حقيقة أن نظام التوحش قد انهار بالفعل، لكن ما يظهر اليوم من تصدّعات وانهيارات وهزّات ارتدادية في المجتمع السوري يؤكّد هشاشة هذا المجتمع، ونجاح التجييش في تفتيته، حتى باتت المقتلة السورية حدثاً يجتر نفسه في كل لحظة، وصارت شريحة من السوريين تخجل من التصريح بأنهم سوريون.
يعيش السوريون اليوم مرحلة انتقالية فائقة الحساسية والارتباك، تنعكس على كل فرد فيه، من العامة إلى النخب. قد يُفهم ارتباك العامة وانزلاقهم نحو مستويات تضرّ باللحمة الوطنية وتفاقم حالة التشرذم والكراهية التي وسمت هذه السنوات، فالجماهير بعامة هي من يدفع ثمن التغيرات والانتفاضات والثورات والحروب، ولقد كانت سنوات الثورة السورية والحرب من بعدها فائقة الشراسة والقسوة على الشعب السوري، وكانت موقداً ترمي فيه أطراف كثيرة بحطبها المقتطع من الأرواح السورية، فتضرم نار الفتنة كلما خبا لهيبها، وتتمكن من سيطرتها على الجزء الذي تقتطعه منها، حتى لو كان الثمن خراب البلاد بساكنيها. أما خطاب النخب، فإنه يعدّ ظاهرة خطرة، لما له من تأثير على الوعي العام من ناحية، إذا ما اتفقنا على الدور المهم للمثقف في بناء المجتمعات وتغذية ضمير أي أمة والحفاظ على حيويته ونموه الفعال.
لكن ما نراه اليوم من احتراب بين المثقفين بشأن كل ما يتعلق بالنظام الجديد، وبالأحداث المجتمعية المتتالية، بالعنف بين المكونات على خلفية تعصب طائفي أو قومي، يدعو إلى القلق، إذ من المتوقع، بل المطلوب من النخب الثقافية، أن تكون على دراية وفهم لتجارب التاريخ والشعوب، وأن تتفهم أن هناك دائماً عواقب للثورات على مختلف الصعد، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، وأن الشعوب التي قامت بثورات كبيرة في التاريخ، دفعت أثماناً باهظة، وتعرّضت لاختلال بناها بدرجات متفاوتة، وإذا كان الإنجاز الكبير للثورة الفرنسية هو اكتساب الحريات والحقوق المدنية، فإن الصراعات الداخلية وعلاقات القوة كثيراً ما أدت إلى أزمات اجتماعية أعمق، حيث تم إسكات صوت الشعب لصالح نخب جديدة. إحدى المحطّات الأساسية في هذه الفترة هي بالطبع إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي وُضع في 26 أغسطس/ آب 1789، والذي يعد تجسيداً مثالياً لهذا الفراق مع النظام القديم من خلال وضع أسس مجتمع قائم على المساواة والحرية وإلغاء قرون من الامتيازات تبددت في لحظة، نجم عن ذلك تغييرات تعيد تعريف التنظيم الاجتماعي وتؤثر أيضاً على طريقة العيش اليومية.
تفتح الثورات الشعبية نقاشاتٍ في مفهوم السيادة الشعبية، فليست كل فئات الشعب على المستوى نفسه من التأقلم مع العهد الجديد والرضا عنه، خصوصاً بالنسبة إلى شعب مثل الشعب السوري، بهذا التعدّد العرقي والديني والطائفي، والذي زادته سنوات الحرب تشرذماً وإضاعة لأهدافه وتوهاناً عن هويته. هناك شرائح في المجتمع تسأل نفسها: "لماذا يجب أن يحكمنا شخص لا يحمل حتى ثقافتنا ورؤانا وفلسفتنا في الحياة؟"، بينما هناك شرائح أخرى تتمسك وتدافع عن العهد الجديد كونه "يشبهها"، ما يصبح نقطة خلافية كبرى.
شبّه أحدهم الجماهير التي تتظاهر في الشوارع والميادين وترفع اللافتات وتصدح بشعاراتها وتعلن أهدافها بكرات من النار تغيّر المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمع، ولقد كانت هذه الجماهير في سورية تزداد حماسة وإصراراً ويزداد احتراقها وحريقها مع كل يوم يطيل بعمر التضييق على حياتها واستهدافها بالدمار والقتل والتهجير، مدعومة بحرب إعلامية شرسة وتضليل قاتل يزيد الكراهية ويرفع عن الشعب أي هوية أخرى غير الهويات الطائفية والقومية، فلا يبقى أي أثر لهوية وطنية جامعة.
ما زالت المجازر المدفوعة بمشاعر الكراهية والفتنة الطائفية تتكرّر، يمارسها الشعب بعضه بحق بعضه الآخر
ما يميّز الثورات الشعبية قدرتها على قلب كل شيء رأساً على عقب، وهي لا تمر من دون أن تحدث زلازل وهزّات ارتدادية، هذا ما هو مطلوب فهمه، خاصة من قبل النخب الثقافية، ومطلوب منها تسليط الضوء على هذه السمات العامة بالنسبة إلى الثورات، ثم العبور من خلال هذا الفهم إلى الثورة السورية، كي نستطيع بعد كل هذه الفواتير أن نعيد تعريف قيمنا، وحقوقنا، وحتى طريقة عيشنا معاً.
مقولة تتردّد على نطاق واسع بعد سقوط نظام الأسد: امنحوهم فرصة. ردّدها المثقفون أكثر من غيرهم، لكن هذه الفرصة لم تُحدّد بمدة بعينها، فصار السؤال يتردد على لسان، وفي ضمير، شرائح تزداد اتساعاً: إلى متى؟ لقد دخل النظام الجديد شهره التاسع، والصورة نفسها تتكرّر في طرائق إدارته البلاد وتعاطيه مع الملفّات الشائكة والمعقّدة، فما زالت المجازر المدفوعة بمشاعر الكراهية والفتنة الطائفية تتكرّر، يمارسها الشعب بعضه بحق بعضه الآخر، ودائماً ما تكشف التحقيقات والصور الحية ومشاهد الفيديو المصوّرة في مواقع الأحداث، عن تورّط عناصر من الأمن العام في المقتلة السورية، ودائماً ما تلجأ شريحةٌ لا بأس بها من المثقفين تتبنّى خطاب السلطة، وتبرّر هذا التورط، وترمي الكرة في ملعب الشرائح المستهدفة، هذا لا يعني أن تلك الشرائح، كما يحصل حالياً في السويداء وقبلها في الساحل، أنها بريئة بالمطلق من القتل والثأرية، لكن هذا لا يمكن مقارنته بارتكابات الفصائل أو عناصر الأمن العام، فهؤلاء محسوبون على "الدولة" التي يفترض أن تخص كل مكونات الشعب، وألا تمثل طرفاً دون غيره.
طلبات بعض مكونات الشعب السوري، وليس الأقليات كما يتم تصنيف الشعب السوري مع الأسف، فحسب، بنظام أكثر تعددية، وأكثر تمثيلاً، ولامركزية، يمكن عدّها طلبات محقة تسعى إلى تحقيقها، خصوصاً بعدما ظهر من عنف بين مكونات الشعب في هذه المرحلة، ومن عدم استجابة السلطة إلى تحقيق ما يمكن أن يرضي الغالبية من الشعب عبر وسائل سياسية. لكن، بدلاً من حلّ هذه المشكلة بالسبل السياسية، إنما بالقوة، فقد تم خلق مشكلة جديدة، بحسب رأي المثقف والباحث السوري ياسين الحاج صالح، وفق ما صرّح في أكثر من حوار معه أو مقالة، أن "الاستقرار المؤسسي الذي تسعى الوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة لضمانه ليس قابلاً للاستمرار نظراً للتجزئة الاجتماعية والجغرافية في البلاد. كان ينبغي أن تتبع الجهود من أجل الاستقرار المؤسسي حل هذه المشاكل الاجتماعية والجغرافية، وليس أن تسبقها".
ربما من الجدير بالنخب الثقافية، خصوصاً التي تطرح مقولة: فلنعطهم فرصة، أن تلتفت إلى هذا الرأي، وهو لياسين الحاج صالح أيضاً، والذي يفيد بأن "الطريق الأكثر ملاءمة اليوم هو الشروع في إعادة هيكلة جدية للدولة الحالية، خاصة الإعلان الدستوري، والحكومة وعمليات التجنيد العسكري، بعد التفاوض عليها، من أجل تجاوز الانقسامات الحالية، والانفصال عن المركزية الخانقة التي ميزت تاريخ سورية، والاستجابة بمرونة للتعددية الحقيقية في المجتمع السوري".
هذا الطريق، منطقي، سيكون الأجدى والأكثر ضمانًا في بناء الدولة والمجتمع، وسيحقق التفاف غالبية الشعب حول حكومته، خاصة أمام التحدّيات العالمية، واستراتيجية الدول الكبرى، الدولية والإقليمية، في المنطقة، التي ترمي إلى تحقيق مصالحها وأهدافها في الدرجة الأولى، ولها الأولوية على مصالح الشعب السوري.