مرآة القاع... الجريمة في الأدب السوري

27 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:03 (توقيت القدس)
(وسام العابد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأدب السوري يتجنب الرواية البوليسية رغم جاذبيتها، بسبب ارتباطها بإثارة الغرائز والمخاطر في المجتمعات العربية حيث تتداخل السلطة مع الجريمة.

- في "الآن بدأت حياتي" لسومر شحادة، تُستخدم تيمة الجريمة لتفكيك الواقع الاجتماعي وكشف الخداع بين الشخصيات، مما يبرز التوتر الدرامي مع حادثة قتل غامضة.

- روايات مثل "الأفغاني – سماوات قلقة" و"جريمة في مسرح القباني" تستخدم الجريمة لتفكيك التاريخ وكشف القضايا الاجتماعية والسياسية، مما يثير تساؤلات حول العنف.

مهما حاول التنويع، فإن الموضوع الطاغي على الأدب السوري، كان وسيبقى لزمن طويل، هو موضوع الديكتاتور. الذي لا بد سيترك أثره العميق. ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى؟

على الرغم من رواجها، بقيت الرواية البوليسية أو رواية الجريمة مستبعدة من مجال تصنيف الأدب، كما وصفت بالابتذال والسطحية، وربما  يعود هذا الإجحاف إلى أنها تعتمد على إثارة الغرائز والعواطف. وفي عالمنا العربي تم الابتعاد عن مقاربتها رغم اشتهارها في الغرب، وقد ترجع أسباب هذا النأي إلى أن الجريمة عندنا تقوم عندما يتأتى لها من يحميها من رجال السلطة، لذا بات الاقتراب منها محفوفاً بالمخاطر على الرغم جاذبيتها الكبيرة، فالغموض الكامن في جريمة ما يحبس الأنفاس ويستفز التشويق والإثارة لمعرفة خفاياها وإماطة اللثام عن أسبابها التي تتدرج بين الرعب والمفاجأة. 

يعمل سومر شحادة على تفكيك الواقع الاجتماعي الذي يحيط بالمجموعة، إذ يتضح أن هذه العلاقات تعاكس ما هو ظاهر منها، فالكل يخدع الكل، وكل منهم يعيش حياة داخلية وأحاسيس تختلف عما يظهر للعلن

يقول محمد العبد، في تعريف رواية الجريمة أو الرواية البوليسية، "تحكي الرواية البوليسيّة بأسلوب مُثير وشائق قصة جريمة، هي غالباً جريمة قتل في ارتباطها بظروف القاتل النفسيّة والاجتماعيّة، ودوافعه إلى ارتكاب هذه الجريمة، وملابسات وقوعها ونتائجها". وقد اتكأ العديد من الأدباء على تيمة الجريمة أو القتل في بناء معمارهم الروائي، رغم عدم اهتمامهم بكشف الجريمة والمجرم، وإنما يمكن اعتبارها وسيلة لإبراز مواقفهم من المجتمع والحياة والسياسة، وقد رأينا هذا الاتكاء عند سومر شحادة في روايته "الآن بدأت حياتي" (دار الكرمة، القاهرة، 2024)، إذ يجتمع بعض المعارف في سهرة هادئة لوداع صديقهم يوسف وزوجته ريما اللذين يزمعان الهجرة إلى أميركا. لنفاجأ بعد تلك الانسيابية الهادئة للنص بحادثة قتل الشخصية التي أتى الجميع لوداعها "يوسف"، مع اشتباه بأن يكون انتحاراً، لينتقل لتعريفنا بشخوص النص عبر مزاوجة أسلوب الرواية البوليفونية (تعدد الأصوات السردية) مع حبكة الرواية البوليسية، حيث كل شخصية تستلم زمام التعبير عما يجول بعالمها الداخلي وكيفية رؤيتها للآخرين، إذ يخدع صاحب "منازل الأمس"  قارئه بما لا يتوقعه، وخصوصاً عندما يوهمه بأنه بصدد رواية اجتماعية، نظراً إلى الانطباع الذي يولده ما سردته الشخصيات الثلاث الأولى عن نفسها (إياس، لين، ريما) فإياس شخصية انطوائية تميل إلى الهدوء والكآبة، يعيش وحده بعد أن تركته زوجته "صفاء" وأخذت معها طفلهما. كذلك تتحدّث ريما عن البرود بينها وبين زوجها المحامي يوسف، رغم جهودها في العناية ببيتها وبهندام الزوج وطعامه، ورغبتها في الإنجاب الذي تأخّر، متسائلة عن نوع الحياة التي سيعيشونها إذا ما سافرا معاً. أما الصبية العزباء لين، فتصرّح بحديثها عن غيظ مكبوت لسفر يوسف، مما يعرفنا بعلاقة عاطفية معه بالسر وتجاهله إياها بالعلن مما يتيح المجال لها بالسهرة لحديث متقطع مع إياس يوحي ببدايات قد تجذب الوحيد إلى الوحيد، ويلفتان النظر لمغادرتهما السهرة معاً قبل الجميع.
يعمل شحادة على تفكيك الواقع الاجتماعي الذي يحيط بالمجموعة، إذ يتضح أن هذه العلاقات تعاكس ما هو ظاهر منها، فالكل يخدع الكل، وكل منهم يعيش حياة داخلية وأحاسيس تختلف عما يظهر للعلن، يغلفهم وهم البشر أنهم آمنون في بيوتهم، ليتلوه وهم أكبر أنهم آمنون مع أحبتهم، ليخلخل ويقوض كل هذا الوهم، ويسوق الأحداث إلى بؤرة التوتر بموت يوسف انتحاراً أو قتلاً، لتبدأ انعطافه لافتة بسير الأحداث ومعرفة المزيد عن بواطن الشخصيات، وما تضمره من خلال التحقيق الذي صار بعد الحادث، التحقيق الذي ذهب بالبداية إلى أن تكون الحادثة انتحاراً، ولكن تم استبعاد الفكرة خوفاً من الإشارة لبعض الجهات نظراً لعمل المغدور في مهنة المحاماة، وعلاقاته المتشعبة مع جهات عدة على أعلى مستوى، وخاصة جماعات تهريب الآثار والمخدرات والبشر، وقد يكون المرحوم أخطأ في ميزان الولاءات.
وفي هذا إيماءة لحوادث انتحار غير مقنعة، جرت مع شخصيات نافذة في تاريخ سورية، فالنص يشير ولا يصرح ليجعل القارئ شريكاً في تأويل الاحتمالات، ففي كلمات قليلة نعرف أن ثمة مشادّة جرت مع خال زوجته المتنفذ "نذير"، واحتمال أن يكون هو من دفعه عن السطح، ولكن رغم اعتراف ريما بأنها هي قاتلة زوجها، لا يؤبه لهذا الاعتراف لكونها تحت تأثير الصدمة ويوجه الاتهام نحو لين بعد معرفتهم بعلاقتها السابقة مع يوسف من خلال الرسائل المتبادلة، وبعد معرفة علاقته السابقة بزوجة إياس "صفاء"، وهنا أمسى كل فرد من الحاضرين مهيأ لتكون لديه دوافع للقتل، وبالمقابل أغلب الشخوص وقفت على مفترق طرق، وبدأت حياتها تصادياً مع عنوان العمل في عتبة نصية أولى، وحتى إياس الذي يقبض عليه متلبساً بعلاقة حميمية مع لين، ورغم الفضيحة والكركبة الأمنية والاجتماعية، يشعر أخيراً بمشاعر عالية تجاه لين ورغبة بحمايتها والذود عنها؛ إحساس جعله يوقن أن معنى لحياته قد ولد في تلك اللحظة. وعلى خلاف السردية البوليسية التي يتم فيها الوصول إلى الحقيقة، جرى توجيه الاتهام الدامغ لشخصية بريئة، كي لا يثير موته فتح ملفات الفساد وكتيبة الأعداء المتربّصين وراءها، ما يشعل ويفتح قضايا لا يريد أحد أن يفتحها. 

تدور القصة بين حارس المسرح والزبال الذي يجمع مخلفات المدينة، ليصنع منها دمىً يعطيها أدواراً في مسرحية بلا جمهور، لتكون الجريمة الحقيقية نسيان كل هذا الخراب، ونسيان المتسببين فيه

يتبع سومر شحادة أسلوب التكثيف الزمني في منجزه الروائي، فالأحداث تجري خلال يوم وليلة، ما يذكّرنا برواية عوليس لجيمس جويس الذي اعتمد يوم وليلة وحدة سردية جرت أحداث النص خلالها، ورغم أن الجريمة قائمة، فالعمل أقرب إلى الأدب النفسي أكثر منه لأدب الجريمة. 
وفي رواية "الأفغاني – سماوات قلقة" لهوشنك أوسي (2021)، فوجئ الجميع بمقتل الشخصية الأكثر جاذبية في تجمع لاجئين في سجن للمهاجرين غير الشرعيين في جزيرة خيوس اليونانية، والذي دعي الأفغاني، عندما يصبح التدقيق بهويته وانتمائه لغزاً حقيقياً، فكل من اللاجئين من مختلف الأنحاء يؤكّدون على انتماء القتيل لمنطقتهم، فالمصري يؤكّد أنه مصري، والفلسطيني يؤكد أنه فلسطيني، والمهاجر الأفغاني يؤكد أنه أفغاني، وكذلك الجزائري والتونسي والإيراني والكردي، ولدى كل منهم إثباتات لما يوافق ادعاءاته،  ليتمادى أوسي في التخييل الروائي بكشف خطير، أنه كائن سرمدي موجود منذ عهد عمر بن الخطاب، وخاض صراعات التاريخ العربي في كل حقبة من حقبه. وكان هذا الستار جواز مروه لتفكيك التاريخ، والتشكيك بكل ما نقل إلينا بشكل رسمي ومتوارث، في دعوة إلى إعادة قراءته بشكل مختلف. 
أما باسم سليمان فمنذ عنوانه "جريمة في مسرح القباني... الحد والشبهة" (2020) والذي يشي بأننا أمام جريمة بكل تأكيد، ولكننا أمام مخاتلة الكاتب بأسلوبه الذي يتحرك بين الحقيقة والوهم؛ بين الواقع والخيال؛ ليعبر من خلال جثة مركونة في زاوية المسرح إلى عالم المهمشين، لتكون تيمة الجريمة أيضاً وسيلة ليكشف عن بنية الإنسان الممزقة في ظلال الحرب، التي التهمت حيوات البشر وآمالهم وقصصهم، ليعود بنا عبر تناصّات متعددة، مرة إلى أول جريمة بالتاريخ وهي قتل قابيل لأخيه هابيل وثانية إلى إسماعيل الأضحية المراد تقديمها ودم ينثال في كل زمان ومكان. وفي ذلك كله، لا يهتم الكاتب بحيثيات الجريمة ومن قام بها، وإنما  يكشف أن هنالك ألف سبب في هذه البؤرة الجحيمية تدفع الإنسان إلى المزيد والمزيد من العنف والدم، متسائلاً هل ثمّة إمكانية للخروج من دورة القاتل والمقتول.   
تدور القصة بين حارس المسرح والزبال الذي يجمع مخلفات المدينة، ليصنع منها دمىً يعطيها أدواراً في مسرحية بلا جمهور، لتكون الجريمة الحقيقية نسيان كل هذا الخراب، ونسيان المتسببين فيه، ودوماً يخاتل الكاتب قارئه في المعنى الملتبس، أو الحدث القائم بين الشبيه والأصل، حيث لكل مسألة صورة ظاهرية ومعنى خافت يحيل إلى دواخل النفس، فلا يقين ولا طمأنينة، حيث السؤال يولّد السؤال، ولعل هذا خير ما يصل إليه صاحب "الغراب سيد الغابة"، وهو أن يبقي أسئلة النص حاضرة وغير منتهية في ذهن المتلقي. 
وهكذا نرى من النماذج الثلاثة بالأدب السوري التي اشتغل كلُّ منها على تيمة الجريمة أو الرواية البوليسية أسلوباً فنيّاً ليعبر من خلالها ويطوعها لخدمة ما يؤرق هواجسه في قضايا البلد المشتعلة، لعل هنالك من يعي ويقرأ ويسأل.