استمع إلى الملخص
- واجه الأرمشي تحديات في حماية التراث العمراني لدمشق من التحديث العشوائي، وبدأ مشروعه التوثيقي في 2003، منتقداً مشاريع التدمير العمراني، وسعى لجمع الصور والخرائط كخط دفاع لحماية رمزية المدينة.
- انتقل الأرمشي إلى الفضاء الرقمي لنشر الوعي حول التراث الدمشقي، محولاً الفضاء الرقمي إلى بنك لذاكرة الشام، وترك أرشيفاً ضخماً يحفظ تراث المدينة.
ودّعت دمشق في آخر أيام 2025 المؤرخ محمد عماد الأرمشي (1951-2025) ابن حي العمارة وحارس ذاكرة دمشق. الحاصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق 1977.
ما يمنح كتابات الأرمشي فرادتها ذلك الطابع السردي للتاريخ، فالحكايات عنده رصينة يمليها صوت حكواتي يعيد إحياءها، تسندها صور نادرة توثق زواياها وتدعمها. الأبطال في مدوّناته ليسوا سلاطين أو قادة عسكريين، بل هم الجيران، الحمام، السبيل، الجامع، النهر والحجر. تأخذ الحكايات القارئ كما لو أنه في رحلةٍ يطوف خلالها جغرافيا المكان، متحرّراً من رتابة الحروف وجفافها.
يتقاطع أسلوب الأرمشي مع إرث المؤرخين الكبار الذين رسموا بكلماتهم خطوات القارئ، مثل شمس الدين بن الزيات المتوفى 814هـ /1441م، في موسوعته "الكواكب السيّارة في ترتيب الزيارة"، وفيها ما يشابه الوصف البصري التوثيقي للمكان ومعالمه التاريخية، إلا أن المؤرّخ الأرمشي أضاف صوته الرقيق ودعم الوصف بالمادة البصرية التوثيقية.
يروي الأرمشي حكايته المسبوكة بالذاكرة، والحجر المسفوك تحت مسنّنات الجرافات، تبدأ خريطته من مسقط رأسه في حي العمارة وصولاً إلى "ساروجة" وامتدادها الذي بات يكنى "بعين الكرش" تيمناً بعين ماء صافية كانت تسقي أهالي الحي، ومنها رتّب الزمن تبعاً للصروح والعمائر الجليلة في دمشق التاريخية، مستعيداً بوادر المجزرة العمرانية والتاريخية التي نالت وجه دمشق.
لم يشأ الأرمشي استعراض كنوز دمشق وعمائرها الغنية، بل كان يخشى عليها من "لعنة التنقيب الجائر" والنهب السلطوي، لقد رأى في الاكتظاظ السكاني لدمشق القديمة نوعاً من الحماية العفوية التي حالت دون وصول أيدي العبث إلى كنوز تحتية
واجه قطاع الآثار والتراث تاريخياً كارثة حقيقية تمثلت في سحق النسيج العمراني للمدن التاريخية تحت شعارات "التطوير والحداثة"، فمنذ القرن التاسع عشر، اكتسحت المخطّطات الاستنساخية ومشاريع التمدن العشوائي عراقة الماضي، مستبيحةً حرمة الزمن. لقد جرى التعامل مع الذاكرة المكانية بوصفها رقاع شطرنج خالية، يتسابق فيها المستثمرون بدعم سياسي، لتحويل الهوية المعمارية الأصيلة إلى أرباح مالية طائلة على أنقاض التراث المحلي.
الأداة الأبرز التي يقارع بها المختصون بالتراث هؤلاء السماسرة هي منظومة "التوثيق"، فالتوثيق فعل مقاوم للجرّافات ولأطماع مشاريع البناء، وهو ما شكل عبر التاريخ العنصر الأهم لتمايز المدن القديمة وفي تحديد سمات الاختلاف الأساسي فيما بينها. ومن هنا تأتي أهمية مشروع الأرمشي الذي كان قد بدأه في العام 2003، استشرافاً مبكراً لمدّ جارف يهدّد الهوية العمرانية لدمشق، ويمسح عنها رمزيتها ودورها العمراني والمعماري في التاريخ. وهو الأمر الذي استحوذ مساحة كبيرة في كتاباته التوثيقية، التي كرّس خلالها جهده لنقد مشروع إيكوشار المدمّر في سبعينيات القرن العشرين، عندما شق قلب مدينة دمشق بمشروع شارع الثورة، الذي رافقته عمليات الاقتلاع للدور والأضرحة والمدارس التاريخية التي اختزنت عناصر معمارية وزخارف لا تعوض.
ما لا يوثق يسهل هدمه، لذا كرّس مشروعه لجمع ما أمكن من صور وخرائط ومخططات وتحويلها إلى خط دفاع أخير يحمي رمزية المدينة مما يتربصها من معاول التغيير الديمغرافي والمعماري. خاصة مع سياسة الإهمال التي سلكها نظام الأسد الابن وإفساح المجال لمشاريع التغوّل الإيراني وما رافقها من حرائق مريبة راح ضحيتها العديد من الدور الهامة التي كان آخرها منزل والي الحج عبد الرحمن اليوسف، إضافة إلى توسيع مقام السيدة رقية على حساب مساحات بيوت دمشقية عريقة.
في جانب آخر، لم يشأ الأرمشي استعراض كنوز دمشق وعمائرها الغنية، بل كان يخشى عليها من "لعنة التنقيب الجائر" والنهب السلطوي، لقد رأى في الاكتظاظ السكاني لدمشق القديمة نوعاً من الحماية العفوية التي حالت دون وصول أيدي العبث إلى كنوز تحتية. وخير مثال على ذلك "بيت العقاد" المملوكي (المعهد الدنماركي لاحقاً)، الذي صمد بفضل ورثته، ليخفي تحت أساساته مدرجات مسرح روماني يعود للقرن الأول قبل الميلاد. هذا المسرح، الذي شهد ازدهار الدراما والطقوس الدينية أكثر من خمسة قرون قبل أن يحرمه الإمبراطور جوستنيان عام 529 للميلاد، ظلّ محفوظاً بفعل تراكم الطبقات البشرية فوقه.
لم يوثق الأرمشي تاريخ النخبة، بل حمى "تاريخ الناس" من أن يُسحق تحت أقدام التحديث المشوه. وأمام سنوات الحرب والنهب، أدرك أن الكتب الورقية قد تحترق
كشف الأرمشي أن أسماء الأسد أقصته من المشهد الثقافي، واستطاعت أن تؤسس لشبكة استخباراتية هدفها الاستحواذ على ملف الآثار. لعبت أسماء قبل الثورة دوراً في استقطاب شخصياتٍ عديدة في هذا المجال إلى الأمانة السورية للتنمية. استقطبت ملايين الدولارات مستغلةً ترويج الغرب لها "وردة في الصحراء". امتدت السيطرة نحو التكية السليمانية. قلب دمشق التاريخية، فهجّرت الحرفيين وأغلقت معامل الزجاج والنول، لتُحكم قبضتها على سوق "الأغاباني" التراثي، موظفةً مآسي عوائل الضحايا غطاءً إنسانياً لمشروعها الاستثماري، ما أدّى إلى تجريف الهوية الحرفية لصالح شبكة المنتفعين.
في قلب دمشق، حيث تتشابك فوضى الزحام مع ضجيج الحداثة، يطرح السؤال نفسه: هل يلحظ المارة تلك القباب الأيوبية، أو المقرنصات المتربعة بين خشب مطواع وحجر أبلق؟ هل تستوقفهم مئذنة السنانية الرشيقة كقلم مبريّ والمطلية بالقاشاني الأخضر؟ في "حلبة السباق الحزين" هذه، يغطي غبار اليوم على جمال العمائر التاريخية، وهنا برز دور الباحث عماد الأرمشي حارساً للذاكرة المنسية.
قرّر الأرمشي ألّا ينعزل في بطون الكتب، بل تتبع مسالك العامة حيث يسكنون اليوم: في منصّات التواصل الاجتماعي. لم يكن مجرد ناقل للمعلومة، بل كان "مرمماً افتراضياً"؛ فإذا هُدم جدار أو غُيبت مئذنة، استل من أرشيفه الصورة الأصلية ليشرح للناس فداحة ما فقدوه. عبر "فيسبوك" و"يوتيوب"، أعاد ترتيب المكان في وعي المتلقي، ناشراً عبق "حارة الورد" و"النوفرة" وصولاً إلى مدارس الصالحية وتكايا ركن الدين، محوّلاً المرور العابر بالمدرسة الشامية إلى قراءة بصرية في حنايا قبابها.
أعادتنا حكاياته الرقمية إلى زمن الجدّات؛ بصوت رخيم وصور "أبيض وأسود" تلم شمل الهوية الممزقة، كحكايته عن "طوفان بردى" التي جسدت نبض المدينة. لم يوثق الأرمشي تاريخ النخبة، بل حمى "تاريخ الناس" من أن يُسحق تحت أقدام التحديث المشوه. وأمام سنوات الحرب والنهب، أدرك أن الكتب الورقية قد تحترق، فجعل من الفضاء الرقمي بنكاً احتياطياً، وزع من خلاله ذاكرة الشام على آلاف الأجهزة، مما جعل محو هذا التاريخ مستحيلاً تقنياً.
في نهاية المطاف، تتجلى وحدة صلبة بين المؤرّخ وجوهر الصراع مع السلطة والزمن؛ فالمواجهة هي نفسها، سواء كانت الأداة مِعولاً يدوياً أو جرافة عملاقة. ... رحل محمد عماد الأرمشي، لكنه ترك أرشيفاً ضخماً، سيبقى حافظاً أميناً للمدينة، والأنظمة الحاكمة لها.