استمع إلى الملخص
- خطة ترامب لغزة تهدف لتحويلها إلى "ريفيرا استثمارية"، متجاهلة الحقوق الفلسطينية، مع نزع سلاح المقاومة وتحويل القطاع إلى منطقة اقتصادية تحت سيطرة الشركات الكبرى، مع استمرار الاحتلال.
- "مجلس السلام" يشبه النماذج الاستعمارية القديمة في تعليق السيادة، لكنه يختلف في قيادته الفردية لترامب وتركيزه على استثمار القطاع لصالح الاحتلال، بدلاً من إنشاء دولة مستقلة.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر نمط استعماري عرف بـ"المدن الدولية أو المناطق الدولية"، مثل شنغهاي في الصين 1868-1941، وطنجة في المغرب1923-1956 وغيرهما الكثير. وهي مناطق جغرافية لا تخضع للسيادة الوطنية، أو لسيطرة دولة واحدة، أو استعمار واحد، إنّما تخضع لسيطرة مجموعة من القوى الاستعمارية، التّي تنظم الأمور في ما بينها عن طريق معاهدات رسمية. مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكيل هيئة الأمم المتّحدة، بدأ هذا النمط في الزوال، في محاولة لإنشاء نظام عالمي جديد، والسعي إلى إنهاء النمط الاستعماري القديم، ليحل محلها (إدارات دولية انتقالية) إذ يمارس المجتمع الدولي سيادةً مؤقتةً على إقليم معين عن طريق بعثات دولية تديرها الأمم المتّحدة. كوسوفو 1999 (UNMIK)، كمبوديا 1992 (UNTAC) وغيرهما.
أما في فلسطين، خلال حرب الإبادة على الفلسطينيين في قطاع غزّة المستمرة إلى الآن، فقد أَعلن العام الماضي المطّور العقاري الأشهر عالميًا، رئيس الولايات المتّحدة دونالد ترامب، رؤيته لاحتلال قطاع غزّة وتطهيره من سكانه، تحت مسمى ريفيرا غزّة، لكن تعرضت خطته إلى العديد من الانتقادات من قبل حلفاء الولايات المتّحدة وخصومها، ما دفع ترامب إلى إزاحة اسم ريفيرا لاحقًا من خطته، وإجراء بعض التعديلات عليها؛ لعل التعديل المهمّ الوحيد هو إلغاء طرح ترحيل سكان غزّة، وذلك بهدف ضمان صدور قرار بالخطة في مجلس الأمن، وهو ما كان في القرار رقم 2803 لعام 2025.
يهدف مجلس الحرب/ السلام إلى تحقيق رؤية ترامب، التّي لا تشمل أي حقوق سياسية ووطنية للفلسطينيين، بل على العكس؛ تسعى إلى تحقيق رؤية مطوّر عقاري يسعى إلى استثمار عقاري واقتصادي يتطلّب نوعًا من الاستقرار
ستنفذ خطة ترامب عن طريق مجلس الحرب، الذي يسميه ترامب "مجلس السلام"، ويرأسه بنفسه، ويعين أعضاءهـ، ويشرف على "حكومة تكنوقراط" فلسطينية محرومة من اتخاذ أيّ قرارات سيادية، سياسية أو اقتصادية أو أمنية، إذ يقتصر دورها على القضايا الخدمية، التّي يسمح المجلس بها، أيّ أنّها حكومةٌ لا تملك صلاحيات بلدية حقيقية. وعليه يمثّل "مجلس السلام" نمطًا استعماريًا جديدًا رغم حصوله على موافقة مجلس الأمن الدولي، إلّا أنّه يختلف كثيرًا عن نماذج كوسوفو وكمبوديا ونامبيا وغيرهم.
من حيث مصدر السلطة، وطبيعة القيادة والهدف، اعتبرت النماذج السابقة الأمم المتّحدة مصدر السلطة، من خلال بعثاتها التّي تتبع الأمين العام للأمم المتّحدة. كما من المفترض بها أنّ تكون إدارةً دوليةً محايدةً تهدف إلى المساهمة والمساعدة في بناء مؤسسات الدول، وصولاً إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال.
في قطاع غزّة خطة ترامبية خالصة، ورغم حصولها على موافقة مجلس الأمن فإنّها خرجت عن العرف الدولي، فالمجلس يستمد سلطته من شخص ترامب، وليس حتّى من رئيس الولايات المتّحدة، وهذه بحدّ ذاتها سابقةٌ يجب الوقوف عندها طويلًا (يمكن مراجعة نص القرار 2803)، وهذا ينسحب على الأعضاء الذين يعينهم ترامب.
يهدف مجلس الحرب/ السلام إلى تحقيق رؤية ترامب، التّي لا تشمل أي حقوق سياسية ووطنية للفلسطينيين، بل على العكس؛ تسعى إلى تحقيق رؤية مطوّر عقاري يسعى إلى استثمار عقاري واقتصادي يتطلّب نوعًا من الاستقرار، ما يستدعي نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وسحق أيّ محاولة فلسطينية تطالب بحقوق الشعب الفلسطيني. كما يجرى التداول جهلًا أو خطأ، أنّ قطاع غزّة سيكون منطقةً منزوعة السلاح، وهذا غير صحيح، لأن المجلس المزمع سيمتلك من السلاح ما يكفيه على الأقلّ لنزع سلاع المقاومة الفلسطينية وقمع الفلسطينيين، كما أن جيش الاحتلال الصهيوني سيبقى موجودًا، إذ لا يبين القرار، أو الخطة إلى أيّ درجة سينسحب الاحتلال من قطاع غزّة (راجع مرفق 1 البند 16 من القرار 2803).
بناءً على ما سبق؛ هل يمكن اعتبار "مجلس السلام" إحياءً جديدًا للنمط الاستعماري القديم (المدن أو المناطق الدولية)؟ والجواب على هذا السؤال هو نعم ولا، إذ ما يبدو تطابقًا بين التشابه والاختلاف يمكن تسميته إعادة التدوير الجذري، أيّ استخدام أدوات قديمة لتحقيق أهداف جديدة. التشابه الشكلي بين النمطين يحمل ضمنه اختلافات جوهرية.
1- تعليق السيادة الوطنية، في الحالتين تغيب السيادة الوطنية، في الحالة الفلسطينية السيادة الوطنية غائبة عن كامل فلسطين، ورغم ذلك لن تعطى السلطة الفلسطينية أي دور في قطاع غزّة، وسيكون القطاع تحت سيادة المجلس سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وله سلطة عقد الاتّفاقيات الدولية.
ستنفذ خطة ترامب عن طريق مجلس الحرب، الذي يسميه ترامب "مجلس السلام"، ويرأسه بنفسه، ويعين أعضاءهـ، ويشرف على "حكومة تكنوقراط" فلسطينية محرومة من اتخاذ أيّ قرارات سيادية، سياسية أو اقتصادية أو أمنية
2- القيادة الدولية، سابقًا كانت المدن الدولية تدار من قبل لجان تمثّل توازن القوى الكبرى، أما حاليًا فهي تحت قيادة شخص واحد؛ دونالد ترامب، يعين المندوب السامي، وأعضاء المجلس من مختلف دول العالم، ومن دون توافق دولي، وبعد حرب إبادة طويلة.
3- المندوب السامي الذي سيعينه ترامب استنساخ حرفي للمندوب السامي في المناطق الدولية، رغم أنّه الآن يعيّن مباشرةً من ترامب، ويتبع له. سابقا كانت الدول المستعمِرة تتفق عليه.
4- الهدف الاقتصادي والأمني، شنغهاي وطنجة مثلاً كانتا مناطق تجارة حرّة ومستقلة، تضمن عدم الصدام بين الدول الكبرى، في قطاع غزّة يركز "مجلس السلام" على تحويل القطاع؛ بحسب الرؤية الترامبية، إلى "ريفيرا استثمارية"، لا تهدف إلى إنشاء دولة، بل منطقة اقتصادية تدار بعقلية الشركات الكبرى. كما أنّها تختلف عن المدن الدولية، التّي كانت يتمتع بمزايا وجودها الدول الأعضاء في الاتّفاقية المؤسسة لها، إذ يستفيد الاحتلال الصهيوني من "مجلس السلام" على الأقلّ أمنيًا، كما يستفيد ترامب، وأعضاء المجلس اقتصاديًا من أموال مشاريع إعادة الإعمار المعتمدة على التبرعات، ومن المشاريع الاستثمارية المحتملة، التّي لن يعود ريعها لصالح الفلسطينيين وإعادة الإعمار.
5- نزع السلاح القسري، سواء في الماضي بنمط المدن الدولية، أو حاليًا في قطاع غزّة. إذ لا يمكن تطبيق النقاط السابقة إلّا عن طريق نزع السلاح من الفواعل الوطنية قسريًا، بما يضمن عدم وجود أيّ مقاومة تعيق العمل الاستعماري. في قطاع غزّة نزع السلاح هو شرط التشغيل التجاري والأمني، قديمًا كانت المنطقة منزوعة السلاح لمنع الاقتتال بين القوى الكبرى، الآن هي موجّهة ضدّ الفاعلين المحليين، بهدف القضاء عليهم، وضمان أمن الاحتلال الصهيوني.
"مجلس السلام" هو إعادة تدوير جذري لأنماط استعمارية سابقة، سواء المدن الدولية أو بعثات الأمم المتّحدة، وعلى مساوئ هذه الأنماط إلّا أنّها أقلّ سوءًا من الرؤية الترامبية، التي تريد أن يصبح القطاع مختبرًا لإعادة هندسة عالمية، ومحاولة لبداية نظام عالمي جديد.