مجالس الصلح... مسكّن مؤقت للأزمات أم تهديد لسيادة القانون؟

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
(ضياء العزاوي)

في ظل تراجع دور المحاكم ومخافر الشرطة بعد سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، تحولت مضافات الوجهاء في عدة محافظات سورية إلى ساحات بديلة لفض النزاعات الكبرى، وفرض تسوية مُلزمة للأطراف المتنازعة في ظل غياب السلطة التنفيذية الرسمية.  وكان سقوط النظام السوري السابق قد أدّى إلى تشظّي المؤسسة القضائية، ما جعل السوريين يرتدّون إلى "الهياكل التقليدية" لحماية أنفسهم وفض نزاعاتهم.
وتتركز مهام مجالس الصلح العام في حل النزاعات العائلية (كالزواج والإرث)، والخلافات المالية، وقضايا الدم، وحوادث السير، مستندةً إلى وساطات وجلسات صلح تهدف إلى صياغة حلول ودية وتوافقية بين المتنازعين. 
وأتى انتشار مجالس الصلح العام بعد سقوط النظام السابق خطوةً محليةً في غياب مؤسسات القضاء والشرطة غير الموجودة أو الهشة، وحلاً فرضه الواقع قبل القانون بديلاً للمؤسسة القضائية الرسمية. على أن تلك المجالس كانت منتشرة في إدلب منذ عام 2020، وتمارس عملها اليوم في مختلف المدن السورية بتكليف شفهي مباشر من الرئاسة لحين صدور مرسوم تنظيمي من مجلس الشعب، وفق كلام سابق لرئيس لجنة الصلح في دمشق عبدالله إدريس.  لكن هذه المجالس -التي نبتت من جذور الأعراف العشائرية والوجاهات المحلية- لم تعد مجرد أداة تقليدية لفض النزاعات الفردية البسيطة، بل تحولت بحكم الأمر الواقع إلى "سلطة قضائية بديلة". وتثير هذا المجالس اليوم التساؤل الأكثر حرجاً في سورية الجديدة: هل عملها شرعي أم أهلي؟ وهل يخفف العبء على القضاء؟ أم يهمشه وينافسه؟ وهل يضعف سلطة القانون؟ وهل هي رسمية أم لا علاقة لها بعمل الدولة؟ خصوصاً أنها حديثة ونشأت بعد سقوط النظام السابق.

مجالس الصلح المحلية نبتت من جذور الأعراف العشائرية والوجاهات المحلية ولم تعد مجرد أداة تقليدية لفض النزاعات الفردية البسيطة، بل تحولت بحكم الأمر الواقع إلى "سلطة قضائية بديلة".

مجلس صلح دمشق

يضم مجلس الصلح في دمشق 16 أمانة تتبع لها 96 لجنة صلح فرعية موزعة على الأحياء، تعمل على استقبال القضايا وتوزيعها وفق الاختصاص، وفي حال تعذر الوصول إلى حل على مستوى اللجان الفرعية يجري رفعها إلى المركزية للوصول إلى تسويات مناسبة، وفق ما قال نائب رئيس اللجنة المركزية في مجلس الصلح بدمشق، محمد الحلواني. 
وصرح رئيس اللجنة المركزية بمجلس الصلح في دمشق، عبده رمضان، لوكالة الأنباء السورية (سانا)، بأن المجلس يعمل بشكل منظم على حل الخلافات (العائلية، المالية، والعقارية) ودياً قبل وصولها للقضاء.
وأوضح أن اللجان تعتمد على جهود تطوعية لنخبة من الوجهاء، والحقوقيين، ورجال الدين، والشخصيات المؤثرة في إصلاح ذات البين. كاشفاً عن توجه "مجلس الصلح العام" لاستكمال هيكليته والإعلان عنه رسمياً على مستوى سورية قريباً لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار.
في حديث مع "سورية الجديدة"، يفكك الخبير القانوني المعتصم كيلاني خيوط هذه المعضلة، محذراً من خطورة الانزلاق نحو "فوضى الأحكام". يرى أن هذه المجالس تؤدي دوراً مهماً في الدول الخارجة من الحروب، بشرط أن يقتصر دورها على تسوية النزاعات المدنية والاجتماعية البسيطة، وتعزيز السلم الأهلي ولمّ شمل المجتمعات المحلية. إلا أن هذا النجاح ليس مطلقاً، بل هو مشروط بعدة ضوابط. ويؤكد كيلاني أن الخطورة تكمن في تحول هذه المجالس إلى "بديل دائم" عن القضاء الرسمي، أو توغلها في الفصل بجرائم تمس النظام العام والحقوق الأساسية للأفراد، واصفاً هذا الاحتمال بـ "الأمر الخطير الذي يجب الانتباه إليه جيداً وعدم التهاون فيه".
وهنا يؤكد عضو في مجلس الصلح بداريا أن وزارة العدل تقدم المساندة المعنوية للمجالس دون أي تبعية إدارية، إذ تنهض بهذه المبادرات الأهلية، كما يسميها، نخبة من الوجهاء والشخصيات المحلية، وتتركز جهودهم على إبرام تسويات صلح في مروحة واسعة من القضايا تشمل الشقين؛ الجزائي والأحوال الشخصية.  ويقول لـ "سورية الجديدة" رافضاً ذكر اسمه، إنّ أعضاء مجالس الصلح يعيّنون بـ "التزكية"، وفق تعبيره، مضيفاً أن هناك مجالس يقتصر تمثيلها على عدد محدود من السكان، ولا تعبر عن إرادة أغلب فئات المجتمع. 

إدارة مركزية وعمل بلا مرجعية

عضو مجلس صلح داريا قال لـ "سورية الجديدة": بإنّ هناك جهة مركزية تشرف على عمل مجالس الصلح في سورية وتنسق العمل معها في إطار شبه حكومي. مؤكداً أن مرجعية كل تلك المجالس تنبثق من الشريعة الإسلامية والعرف المحلي السائد إلى جانب القوانين المعمول بها.  وأشار إلى وجود مئات مجالس الصلح على مستوى ريف دمشق، والتي تحولت وفق قوله إلى "محاكم شبه رسمية يلجأ إليها أغلب السكان لحل النزاعات فيما بينهم". مؤكداً في الوقت ذاته فشل تلك المجالس في التوصل إلى حلول في بعض القضايا التي تبقى عالقة. 

يطلق الخبير القانوني إنذاراً حول شرعية هذه المجالس، إذ يشير إلى غياب أي إطار تشريعي شامل ينظم عملها أو يحدد آليات الرقابة عليها حتى الآن. فمشروعيتها اليوم لا تستند إلى نص دستوري أو قانوني واضح، بل تتغذى فقط على "القبول المجتمعي" أو القرارات المحلية المؤقتة، كما يقول. ويوضح كيلاني هذا الفارق الجوهري قائلاً: "إن مجالس الصلح تحقق عدالة مجتمعية (تصالحية) تقوم على التراضي وإعادة التوافق، لكنها تعجز عن تحقيق العدالة القضائية بمفهومها الصارم، والتي تضمن حق الدفاع، والمساواة الكاملة أمام القانون، وقابلية الطعن بالأحكام". ويضيف أن هذه المجالس تظل بلا "مخالب قانونية"، إذ لا تمتلك قراراتها أي قوة تنفيذية جبرية ما لم تصادق عليها جهة قضائية مختصة، ليظل القضاء الرسمي صاحب سلطة الإنفاذ بقوة القانون.
وهذه المجالس من الناحية القانونية، لا تضعف القضاء إذا بقيت مكملة له، أما في حال مارست اختصاصات قضائية أصيلة أو أصدرت قرارات ملزمة خارج إطار القانون، فقد يؤدي ذلك إلى ازدواجية في السلطة القضائية وإضعاف مبدأ سيادة القانون، وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، بحسب كيلاني.
وفي السياق نفسه، أكد عضو مجلس صلح داريا وجود تنسيق متواصل بين مجالس الصلح والسلطات القضائية وحتى الأمنية، إذ تحيل النيابة العامة بعض الملفات إلى المجالس للنظر فيها. كما يمتد هذا التعاون إلى قطاع الأمن العام، الذي يرسل أطراف النزاع إلى المجالس بغية التوصل إلى حلول رضائية، وذلك في خطوة استباقية تسبق تحرير المحاضر والضبوط الشرطية. 

لجوء الناس إلى مجالس الصلح ليس مجرد هروب من طول أمد التقاضي في المحاكم الرسمية، بل هناك حزمة من الأسباب الديناميكية

في قراءته توجّه السوريين نحو تلك المجالس، يرى كيلاني أن لجوء الناس إلى هذه المجالس ليس مجرد هروب من طول أمد التقاضي في المحاكم الرسمية، بل هناك حزمة من الأسباب الديناميكية، ومن بينها أولاً، السرعة والتكلفة، فإجراءات تلك المجالس رشيقة وتكلفتها شبه منعدمة مقارنة بالمحاكم المعقدة، وثانياً، الخصوصية المحلية، إذ تعتمد على الوساطة العشائرية والاجتماعية التي تفهم طبيعة المنطقة. ومع ذلك، يشدد كيلاني على ضرورة عدم قراءة هذا الإقبال الشعبي على أنه بديل عن إصلاح القضاء، بل هو "ناقوس خطر ومؤشر صارخ على حاجة المنظومة العدلية الرسمية للتطوير وتسريع الإجراءات واستعادة ثقة المواطن".

"القوننة" نمنع تغوّل المجالس

أمام استمرار الحاجة لهذه المجالس في المرحلة الانتقالية، يرى كيلاني أن خيار "القوننة" بات "خياراً مرجّحاً"، في حال استمرار الحاجة لها، غير أن هذه القوننة ينبغي أن تجري ضمن قانون ينظم تشكيلها واختصاصها وإجراءاتها وحدود ولايتها، مع إخضاعها لرقابة القضاء، وفق ما يقول. ويعتقد أنه من الأفضل أن تدرج ضمن منظومة "الوسائل البديلة لتسوية المنازعات"، بحيث تبقى مكملة للقضاء لا بديلاً عنه مع النص صراحة على عدم اختصاصها بالنظر في الجرائم الجسيمة أو المسائل المتعلقة بالحقوق الدستورية أو القضايا الجزائية التي تمس الحق العام.
وعن منافسة تلك المجالس القضاء الرسمي يجيب كيلاني بأن هذا يعتمد على كيفية تنظيمها. فإذا عملت وفق إطار قانوني واضح، وبالتنسيق مع السلطة القضائية، فإنها تمثل أداة مساندة للقضاء وتسهم في تحقيق السلم الأهلي وتسريع تسوية النزاعات. أما إذا توسعت اختصاصاتها دون سند قانوني، أو مارست وظائف القضاء بصورة مستقلة، أو أصبحت بديلاً عن المحاكم، فإن ذلك قد يؤدي، وفق كيلاني، إلى إضعاف هيبة القضاء، وإيجاد ازدواجية في المرجعية القانونية، وتهديد مبدأ سيادة القانون والمساواة أمام العدالة.
يبقى التحدي الحقيقي في المرحلة الانتقالية السورية كما يرى كيلاني، ليس في وجود مجالس الصلح بحد ذاته، وإنما في إيجاد توازن بين دورها الاجتماعي في تحقيق المصالحة المجتمعية، والحفاظ على اختصاص القضاء باعتباره الضامن النهائي للحقوق والحريات وتطبيق القانون.