استمع إلى الملخص
- عنف المستوطنين جزء من سياسة حكومية إسرائيلية، حيث تشارك القوات الرسمية في الاعتداءات لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم.
- منذ عام 1967، نهبت إسرائيل أكثر من مليوني دونم من أراضي الضفة لتوسيع المستوطنات، مما يعكس سياسة تطهير عرقي طويلة الأمد ضد الفلسطينيين.
تؤكّد تقارير ميدانية عديدة، بما في ذلك لمنظّمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، أنّ الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفّة الغربية، ولا سيّما في مناطق "ج"، والمستمرة منذ أعوام عدّة، تصاعدت على نحو كبير منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبحسب إحدى هذه المنظّمات ("بتسيلم"- مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، أدت الهجمات العسكرية، وعنف المستوطنين، والجيش الإسرائيلي في الضفّة الغربية، خلال هذه الفترة، إلى تهجير سكان على نطاق لم يسبق له مثيل منذ احتلال الضفّة في عام 1967. وفي إطار ذلك تمّ تهجير عشرات التجمّعات الفلسطينية بالقوّة، والتّي يبلغ عدد سكانها أكثر من ألفي شخص، من مواقع إقامتها في مناطق "ج" في الضفّة الغربية نتيجة للعنف. ويواجه آلاف الأشخاص الآخرين، الذين يعيشون في عشرات التجمّعات السكانية الفلسطينية، خطر تهجير حقيقي، نتيجة الهجمات التّي يشنها المستوطنون يوميًا.
يأتي هذا كلّه في نطاق ما يوصف بأنّه أكبر حركة استيطان تشهدها أراضي الضفّة الغربية مع بدء تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مقاليد الحُكم (في نهاية 2022)، وذلك منذ بدايات هذا الاستيطان عام 1974. وهي حركة الاستيطان التّي يعوّل عليها اليمين الإسرائيلي المتطرف لدفن ما يسمى بـ"حلّ الدولتين"، بادعاء أن هذا الحلّ يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وكذلك تمهيداً لضمّ مناطق "ج" في الضفّة إلى إسرائيل، وحصر نفوذ السلطة الفلسطينية التّي تجسّد "الحكم الذاتي الفلسطيني" في مناطق "أ" و "ب".
عُنف المستوطنين هو جزءٌ من سياسة حكوميّة، حيث إن القوّات الرسميّة للدّولة تسمح به وتُتيح تنفيذه وتشارك فيه، وذلك جزءًا من استراتيجيّة نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ
تمثّلت آخر الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة الإسرائيلية في هذا الخصوص في القرار الذي اتخذته في 2025/12/21، وينص على شرعنة 19 مستوطنة جديدة وإقامتها في الضفّة، بما في ذلك مستوطنات جرى تفكيكها إبان خطة فك الارتباط عام 2005، وإعلان وزير المال والوزير الثاني في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن الاستيطان، أن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية قامت، خلال ثلاثة أعوام ولايتها، بشرعنة الأوضاع القانونية لـ69 تجمعًا استيطانيًا في الضفّة الغربية المحتلة وتسويتها، وهي حصيلة وصفها بأنّها قياسية وغير مسبوقة في تاريخ هذا الاستيطان برمته.
وفي ما يتعلّق بآخر مستجدات استهداف إسرائيل الضفّة الغربية، أرضًا وسكانًا، نشير إلى ما يلي:
أولًا؛ بمساعدة دولة الاحتلال أُقيمت حول تلك التجمعات السكانية خلال الأعوام الأخيرة عشرات "البؤر الاستيطانية الرعوية"، التّي يتمثّل هدفها الرئيسي في تهجير التجمعات السكانية والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي. وقد تصاعد عنف المستوطنين الذين يقطنون في البؤر الاستيطانية، حتّى وصل إلى ذروة غير مسبوقة خلال أشهر حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة. هذا العنف أمسى روتينًا يوميًا مرعبًا لسكان التجمعات، يشمل اعتداءات جسدية خطيرة على السكان، واقتحامات المستوطنين للتجمعات ومنازل السكان نهارًا وليلًا، وإشعال حرائق، وطرد الرعاة الفلسطينيين من مناطق الرعي، والمزارعين من حقولهم، وقتل المواشي وسرقتها، وإتلاف المحاصيل، وسرقة المعدات والممتلكات الشخصية، وإغلاق الطرق.
ثانيًا، بموجب آخر التقارير؛ نهبت إسرائيل أكثر من مليوني دونم من أراضي الضفّة الغربيّة منذ عام 1967، وتسخّر الدولة هذه الأراضي المنهوبة لإقامة المستوطنات الجديدة، وتوسيع مسطّحات نفوذها، ولشقّ الشوارع لخدمتها. وقد استولت إسرائيل على بعض هذه الأراضي، وبعضها الآخر استولى عليه مستوطنون بالقوّة المجرّدة بواسطة عُنف يوميّ. ظاهريًّا يبدو وكأنّ هناك مسارين منفصلين لا علاقة بينهما، لكنّه في الواقع مسار واحد: عُنف المستوطنين هو جزءٌ من سياسة حكوميّة، حيث إن القوّات الرسميّة للدّولة تسمح به وتُتيح تنفيذه وتشارك فيه، وذلك جزءًا من استراتيجيّة نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ، السّاعي إلى توسيع عمليّة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية واستكمالها.
ومثلما جرى التشديد مؤخرًا من طرف بعض منظّمات حقوق الإنسان في إسرائيل، لا يوجد شيء اسمه "عنف المستوطنين". والعنف ضدّ الفلسطينيين بكل أشكاله ليس أمرًا استثنائيًا، بل هو تحصيل حاصل إسرائيلي في الضفّة، وفي قطاع غزّة، وفي أي مكان آخر. وهذه الاعتداءات هي تنفيذ لسياسة طويلة الأمد من التطهير العرقي، لا تبدأ بـ"مستوطنين متطرفين"، أو "بحكومة يمين متطرف"، ومن المؤكّد أنّها لن تنتهي بهما.
تمثّلت آخر الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة الإسرائيلية في هذا الخصوص في القرار الذي اتخذته في 2025/12/21، وينص على شرعنة 19 مستوطنة جديدة وإقامتها في الضفّة
ثالثًا، عطفًا على ما تقدّم حول أن عنف المستوطنين مواز لعنف دولة الاحتلال، أكّد المدير العام لـ"منظمة حاخامون من أجل حقوق الإنسان"، أن موسم قطف الزيتون الحالي الذي تحاول منظّمته أن تؤمن فيه حماية للمزارعين الفلسطينيين في أراضي الضفّة الغربيّة كان عنيفًا ومليئًا بالعراقيل؛ ففي ثلاثين يومًا من أيام القطاف، تعرض ناشطو المنظّمة إلى خمس هجمات بمستويات خطورة متفاوتة، وخلال نصف هذه الأيّام توقفت نشاطاتهم بسبب أوامر عسكرية رسمية، صادرة عن قادة الجيش الإسرائيلي. وبحسب ما كتب، فإن هذا الواقع قاسٍ وصادم ومخيف وخطِر، كما أنّه يكشف برأيه الجوانب القبيحة في الجيش الإسرائيلي، الذي يقف غالبًا موقف المتفرج، وأحيانًا يساعد بطريقة مباشرة في جرائم الإرهاب اليهودي، وكذلك يوضح موقف الشرطة الإسرائيلية، التّي لا تفرض القانون، ولا تحقق ولا تعتقل.