لا وطن للنشيد... أي شعر وموسيقى لهذا الخراب؟

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:00 (توقيت القدس)
لاعبو منتخب سورية يرددون النشيد الوطني خلال مباراة في كأس العرب بالدوحة، 4/12/2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعيش سوريا حالة من الانقسام المجتمعي، حيث أعلنت وزارة الثقافة عن مسابقة لنشيد وطني جديد في محاولة لإحياء الروح الوطنية، لكن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول قدرتها على توحيد الشعب.

- تغيير النشيد الوطني قد يؤدي إلى انقسامات إذا لم يكن شاملاً لكل فئات المجتمع، كما تظهر تجارب دول مثل روسيا وإيرلندا، مما يثير مخاوف في سوريا من تعميق الانقسامات.

- يجب أن يكون النشيد الجديد خالياً من الإشارات العسكرية والطائفية، ويركز على المواطنة الجامعة، مع لجنة تحكيم متنوعة لضمان أن يكون النشيد أداة للتعافي والمصالحة.

لا يزال من العسير التكهن بالقادم على هذه الجغرافيا المنهكة، فالخوف لم يغادر أرجائها، ووطأة الجوع ما زالت تخيم على معظم المنازل. لسورية اليوم تأويلات متغيرة، ولم تعد تحمل الوهج الجامع الذي انتفض في صدور السوريين يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فالألم الذي كان مشتركاً يبدو أنه تلاشى أو تحوّل إلى آلام شخصية متفرّقة وتشرذم مجتمعي. وفي غياب أي بادرة جادّة لترميم ذلك الروح السوري الآخذ بالتشظي، تأتي وزارة الثقافة وفي ذكرى التحرير لتعلن عن مسابقة لنشيد وطني لسورية، والمبتغى نشيد بديل عن "حماة الديار" الذي كتب كلماته الشاعر السوري خليل مردم بك عام 1936، وقام الأخوان محمد وأحمد فليفل بتلحينه في العام ذاته. كان "حماة الديار" قد اعتُمد نشيداً وطنياً للجمهورية العربية السورية عام 1938، بعد توحيد خمس دويلات، وعُزف لأول مرة كنشيد وطني رسمي لسورية في 17 إبريل/نيسان 1946، وهو يوم الجلاء واستقلال سورية عن الاحتلال الفرنسي.   
سورية اليوم خرجت إلى شكل سياسي مرتجل وغير واضح المعالم، وهي موحّدة نظرياً فقط. وفي الصميم تكمن الحاجة لإعادة دمج الفئات المهجرة، واحتواء الانقسام الاجتماعي والطائفي العميق، وبناء الثقة ومعالجة ملفات المعتقلين والمفقودين. 
على ضوء هذا الواقع المعقد والهش، يصبح التساؤل حول النشيد الوطني الجديد مثيراً للتفكير العميق: هل سيكون لهذا النشيد، أياً كان، وقعٌ موحدٌ لدى كل شرائح الشعب السوري ليصبح فعلاً لحظة وطنية جامعة؟

ليس هناك أي مؤشر إيجابي بأن النشيد الجديد سيكون ذا جدوى بتأجيج روح سورية جامعة، بل قد يدفع باتجاه أن يكون هناك أكثر من نشيد في آن

يتجاوز النشيد الوطني كونه مجرد انعكاس للهوية، بل هو أداة فاعلة تُستخدم لكشف حالة جديدة من الوحدة الوطنية، وتكريس التحول التاريخي المصاحب للتموضعات الأيديولوجية، بل ويعد النشيد أحد أقوى التقنيات اللازمة لمحو الأيديولوجيات الوطنية الماضية، وتعزيز البدائل الحديثة، عبر استخدام الكلمة والموسيقى قوة دافعة للشعور الوطني. يصف عالم الأنثروبولوجيا ستيفن فلد الموسيقى بأنها "تكنولوجيا تعمل على الكشف عن عالم"، أي أن الموسيقى تعمل على خلق شعور ثقافي بالمكان من خلال تنسيق العواطف والمشاعر. بالنسبة لفلد، فإن الموسيقى هي في حد ذاتها عملية فعالة تُنتج الهوية وتُشكلها. ... ولكن لا يمكن لأي مقطوعة موسيقية أن تجبر المواطنين على الانخراط في أيديولوجيا جديدة لا يُمَثّلون ضمنها ويجهلون طابعها المستقبلي. هذه الحقيقة تجلت بوضوح في روسيا، ففي ديسمبر/ كانون الأول 2000، أدّت الاحتجاجات واسعة النطاق التي اندلعت كرد فعل على قرار مجلس الدوما الروسي (البرلمان) بقيادة الرئيس بوتين إعادة لحن الحقبة السوفيتية، مدعوماً باستطلاعات رأي تشير إلى تأييد الأغلبية الشعبية. عارض القرار بشدة الليبراليون، والرئيس السابق بوريس يلتسين، والنخبة المثقفة الثقافية بأكملها تقريباً، الذين رأوا فيه عودة خطيرة إلى الاستبداد والانتقام على النمط السوفيتي وإهانة لضحايا القمع، هنا كان للنشيد تأثير سلبي معاكسً لجدواه الوحدوية المفترضة.
وفي حالة أخرى، كان النشيد الوطني الإيرلندي مصدراً لبعض التوتر والارتباك، فعلى مدى المائة عاماً الماضية، وبفترات متقاربة تعرض نصه لهجوم باعتباره غير مناسب، وقد تكرّرت الاعتراضات نفسها: أن موضوعه ومشاعرَه العسكرية لا تتناسب مع دولة حديثة ومستقلة ومحايدة، أو أن النص يكرس مواقف تشكل عائقاً أمام المصالحة. والمثير للاهتمام أن النشيد الإيرلندي يشبه النشيد السوري من حيث الإعلان، حيث أعلنت صحيفة دبلن إيفنينغ ميل عن مسابقة لـ "ترنيمة وطنية"، لكنها فشلت في العثور على نص مناسب. وفي النهاية، اتخذ المجلس التنفيذي قراراً بسيطاً باعتماد "أغنية الجندي" نشيداً وطنياً في 20 يوليو/ تموز 1926، من دون ضجة إعلامية.

على النشيد أن يتخلى عن لغة الماضي الأيديولوجية ليصبح "تقنية كاشفة" لمستقبل سورية، ينسّق المشاعر نحو التعافي والمصالحة

في الحالة السورية، قد تتكرّر النتيجة الروسية والإيرلندية نفسها، بل والمتوقع أن يكون التأثير أكثر سلبيًة، إذ ليس هناك أي مؤشر إيجابي بأن النشيد الجديد سيكون ذا جدوى بتأجيج روح سورية جامعة، بل قد يدفع باتجاه أن يكون هناك أكثر من نشيد في آن، وذلك وفقا للانقسامات السائدة، أو بمعنى آخر قد يقتصر على كونه نشيداً لفئة محدّدة أو جزء من الشعب السوري، ناهيك عن تساؤلاتٍ تفرض نفسها بقوة حول لجنة التحكيم متخذة القرار: هل ستستمر الحكومة المؤقتة في النهج نفسه معيّنة لجنة تقييم منها، من دون تمثيل حقيقي للتحولات الفنية والثقافية؟  أم أن اللجنة ستضم فنانين وموسيقيي سورية متصدري مسارح النظام السابق، ومدشني عهد النظام الحالي، ما يثير مشاعر الاقصاء والاصطفاف؟ 
محاولة الدفع باتجاه تبني نشيد وطني سوري في هذه المرحلة الحساسة، التي فيها الوطنية السورية على محك خطير، ينطوي على تأجيج روح اللامبالاة أكثر من الحرص على التمثيل الوطني المحق لكل أطياف المجتمع السوري، وهي عملية تحرق لحظات تاريخية كان من الممكن أن تستثمر لتعميق مشاعر الوحدة السورية، بدلاً من أن تثير مشاعر الاصطفاف والتخندق أكثر فأكثر. كما يجدر الوعي إلى أن اختيار وتبني النشيد الوطني ليس مجرد مسألة فنية، بل هو قرار سياسي واجتماعي بامتياز، ولكي يتجنب هذا النشيد مصير التهميش والانقسام، يجب أن يستوفي معايير دقيقة: أولاً، يجب أن تكون كلماته وموسيقاه خاليتين تماماً من الإشارات العسكرية أو الدعوات الطائفية، وأن تركز على المواطنة الجامعة وتضحيات كل السوريين. ثانياً، يجب أن تعكس اللجنة المُحكمة طيفاً وطنياً متنوعاً وواسعاً، يضم فنانين ومثقفين لم يُدنّسوا بالانخراط في أجهزة القمع.
على النشيد أن يتخلى عن لغة الماضي الأيديولوجية ليصبح "تقنية كاشفة" لمستقبل سورية، ينسّق المشاعر نحو التعافي والمصالحة. إن المبادرة في هذا التوقيت، وبتلك المعايير الغائبة، تظل مجرد محاولة لإصدار قرار فوقي لن يزيد الوطنية السورية إلا تشرذماً وشكلاً زائداً لا روح فيه.

المساهمون