لؤي كيالي... علامة في المحترف السوري

28 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:51 (توقيت القدس)
التشكيلي السوري الراحل لؤي كيالي في مرسمه بحلب (الموقع الرسمي للفنان معدلة بالذكاء الصنعي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تأثر لؤي كيالي، الفنان السوري، بفان غوغ في أسلوبه ومسيرته الحياتية المليئة بالاضطرابات النفسية، حيث اختار فان غوغ كموضوع لأطروحته في أكاديمية الفنون بروما، وانتهت حياته بشكل مأساوي مشابه.
- تميزت أعمال كيالي بتنوعها بين الواقعية والتعبيرية، مع استكشاف مواضيع جديدة مثل حياة الصيادين، لكنه لم يستطع الهروب من عذاباته الشخصية، حيث شُخص بمرض الفصام.
- رغم التحديات النفسية، ترك كيالي بصمة لا تُمحى في الفن السوري، وأصبحت لوحاته تُعرض في المزادات العالمية، مما يعكس قيمتها الفنية العالية.

لم يكن اختيار لؤي كيالي (1934 - 1978) شخصية فان غوغ وأعماله موضوعاً لأطروحته في أكاديمية الفنون في روما عبثاً. هناك تقاطعات كثيرة تجمعهما معاً، عدا تأثره به رسّاماً من طراز خاص، عاش لؤي كيالي مكابدات حياتية لا تختلف كثيراً عن حياة صاحب "زهور عباد الشمس". انتحر فان غوغ برصاصة في دماغه بعد نوبة جنون طويلة، وانتهى لؤي كيالي محترقاً في سريره، بعقب سيجارة، إثر غفوة مباغتة بتأثير حبوب الفاليوم التي كانت نوعاً من الانتحار البطيء.

على الأرجح، كان هذا التشكيلي السوري منذوراً للفجيعة والجنون والمحن المتعاقبة. في معرضه الأول "ثم ماذا؟" (1965) طرح سؤال الهزيمة قبل أن تقع، وإذا بها تباغته خلال معرضه "في سبيل القضية" (1967)، الذي خصصه لمأساة اللاجئين الفلسطينيين بالأبيض والأسود، فما كان منه إلا أن أتلف لوحاته ولجأ إلى الصمت، لينتهي بعد أشهر في مشفى الأمراض العقلية. صُدم أولاً بآراء النقّاد العنيفة في تلقّي أعمال معرضه الأول، فأُصيب هذا التشكيلي المتفرّد بأزمة نفسية حادّة، وعاد إلى مدينته حلب ليعيش عزلة طويلة وسوداوية بلا ضفاف.

أعماله في رسم الزهور والطبيعة الميتة اتخذت صياغات أخرى تتسم بصرامة الخطوط المتوازنة والمتناغمة التي تذهب إلى منحى تجريدي

خرج بعد سنوات من عزلته مستكشفاً شخوص الشارع، وإذا به يوثّق حياة البسطاء في أعمالٍ لافتة يظللها حزن أبدي. لقد هُزم من الداخل إذاً، وما بصيص الأمل اللاحق إلا محاولة لترميم العطب الذي تسلل إلى الشرايين. مكانه الأثير في "مقهى القصر" الحلبي، كان شاشته الأولى إلى الشارع. ما أن يعود إلى مرسمه حتى يستعيد الوجوه البائسة والأرواح المعذّبة التي كانت تعبر زجاج المقهى إلى شؤون العيش، لتأخذ مكانها لاحقاً على جدران المكان نفسه في ما يشبه المعرض الدائم. لعل هذه المرحلة هي الأكثر رسوخاً وخصوصية وألقاً في تجربته. بائع اليانصيب، ماسح الأحذية، قارئ الصحيفة، بائع الذّرة. بورتريهات عن العذاب الإنساني وأحوال البؤس، تبدو كما لو أنها ترجيع لعبارة فان غوغ التي كان يرددها على الدوام "لن يفنى الشقاء من العالم أبداً". في هذه الأعمال لن نخطئ بصمة لؤي كيالي الخاصة، تلك التي تراوح بين الواقعية والتعبيرية، بالإضافة إلى قوة التشريح، ومتانة التكوين. خطوط ليّنة ومرنة تلخّص التفاصيل. أما أعماله في رسم الزهور والطبيعة الميتة فقد اتخذت صياغات أخرى تتسم بصرامة الخطوط المتوازنة والمتناغمة التي تذهب إلى منحى تجريدي، على خلفية من نثار الخشب المضغوط الذي كان يستعمله بدلاً من القماش. ما بين الألوان القاتمة والمتقشّفة في أعماله الأولى، وشفافية الضوء في أعماله اللاحقة، تبرز مهارة لؤي كيالي وتحديقته المختلفة في أرشفة موضوعاته، فهو علامة فارقة في المحترف السوري، سواء لجهة الدمغة الشخصية في تأصيل الهوية المحليّة، أم لجهة الحس العالي والمتأجج في التقاط ما يعتمل في داخليات شخوصه. هذه النبرة الشعرية المشبعة بحزن عميق هي البوصلة التي تقودنا إلى توقيع لؤي كيالي من دون عناء. اليوم ونحن نسترجع أعماله، سنكتشف حجم المسافة التي قطعها هذا التشكيلي المحزون، في مغامرته النوعية، ففيما كانت معظم تجارب مجايليه ترزح تحت وطأة ريح الحداثة الوافدة، كان هو يتلمّس تضاريس التراب المحلّي بهارموني لوني آخر، كما في أعماله عن قرية معلولا مثلاً.

يصعب تجاهل اسم لؤي كيالي بين روّاد المحترف السوري، أو إنكار تأثر الأجيال اللاحقة بأسلوبه إذ تقتحم لوحاته المزادات العالمية بوصفها أعمالاً نفيسة

هكذا ذهب في مغامرة أخيرة قبل رحيله، إلى جزيرة أرواد على الساحل السوري، لينجز أعمالاً لافتة عن حياة الصيادين وحركة القوارب. سنلحظ في هذه الأعمال بهجة لونية، لم نألفها في مراحله السابقة، وكأن معرضه الأخير في روما (1978)، قبل رحيله بأشهر، منحه طاقة أكبر في اكتشاف ثيمات جديدة، إذ وجد في حركة الصيادين وشباك الصيد فضاءات أوسع للتعبير الدرامي المحتدم، وذلك عبر حجوم كبيرة نسبياً بالمقارنة مع ما أنجزه قبلاً. أعمال مشغولة بتطريز دقيق، لجهة التفاصيل وإيقاع الخطوط، وحركة الأعضاء. لكن هذه التحولات لم تنقذه من عذاباته الشخصية. سيشخّص بعض الأطباء حالته الصحية بأنه يعاني من مرض الفصام، ليُحجر بعدها في مستشفى الأمراض العقلية في حلب تحت رقابة طبية، نظراً لخطورته على محيطه، فيما سينكر جنونه في لحظات صحوه، لكن تتبع عناوين معارضه اللاحقة يشير إلى روح احتجاجية، وحساسية عالية في تفسير ما يحدث من حوله، مثل "من تحت الأنقاض"، وتالياً، فإنه لم يغادر منطقة الكآبة التي كانت تتسرب إلى تضاريس لوحاته، ترجيعاً لسلوكه المضطرب. حينها أنكر كثيرون جنون لؤي كيالي دفاعاً عن سمعته، لكن ممدوح عدوان سيكتب عنه من ضفة مضادة، محتفلاً بالجنون، من دون مواربة قائلاً "لؤي كيالي كان مجنوناً سبعة أعوام: من 1967 حتى 1973، يجب ألا نخفي هذه الحقيقة من حياته، بل يجب أن نعلن عنها ونشير إليها باعتزاز. يجب أن نقول إن لؤي كيالي من بقايا المستحاثات البشرية التي ما يزال لديها أعصاب وحساسية وكرامة. وأن هذه المميزات هي التي جعلته غير قادر على التواؤم مع عالمنا اللامعقول فجنّ وأربكنا". ويضيف في حفريات أخرى "لقد تعكّر عالمه الداخلي واضطرب قبل جنونه.. منذ أن انتقل ذلك الانتقال الفجائي من عالم الدعة والترف والمجد إلى عالم البؤساء والقضايا الملحة وحاول أن يعيش هذا العالم ويكتشفه وينفعل به ويعبر عنه".
لعل أهم حدث في حياة لؤي كيالي لجهة الأذى، ما كان يتهامس به الوسط الثقافي في أواسط الستينيات أنه: انتقل من رسم كلب زوجة السفير إلى رسم الفقراء. لكن هذا التأرجح بين الجنون والعافية وضعه أمام اختبار أقسى، فانصرف إلى حياة اللهو والكحول واللامبالاة، مكتفياً برسم الزهور بما يليق بجدران صالونات الأغنياء، ما منح جنونه بعداً تراجيدياً جامحاً، منتهياً تحت رماد المعاناة، في كابوس جهنمي يصعب الشفاء منه. في ملف لؤي كيالي المرضي يكتب الدكتور حسان المالح في تقريره الطبي "يبدو لؤي كيالي من خلال سيرته الذاتية المطروحة وما كتب عنه من تفاصيل وسلوكيات والمراحل التي قدّمها في فنه، أنه كان يمرّ بنوبات مرضية وفيها أعراض اكتئابية وذهانية، ثم تتحسن حالته ويعاود نشاطه وحيويته وإنتاجه في فترات أخرى. وربما يرجح ذلك تشخيص اضطراب المزاج الثنائي القطب، حيث تحدُث فيه نوبات كآبة ونوبات أخرى فيها نشاط وحيوية وأيضا نوبات مختلطة بينهما". اليوم وغداً، يصعب تجاهل اسم لؤي كيالي بين روّاد المحترف السوري، أو إنكار تأثر الأجيال اللاحقة بأسلوبه إذ تقتحم لوحاته المزادات العالمية بوصفها أعمالاً نفيسة (بيعت لوحته "ثم ماذا" بـ900 ألف دولار في مزاد عالمي).