- تشير التفجيرات إلى احتمالية تزايد الأحداث المماثلة في ظل التوترات السياسية والاقتصادية، وتبرز الحاجة لتعزيز الأمن والاستقرار في مواجهة العناصر الخفية والمكونات الاجتماعية المتضررة.
- تعافي سوريا يتطلب توافقًا دوليًا وإصلاحات داخلية جادة، مع انخراط جميع مكونات المجتمع، حيث تشير زيارة الرئيس الفرنسي إلى استراتيجية دولية لدعم سوريا، لكن الإصلاحات ضرورية لضمان الاستقرار والتنمية.
بلغة المعايير الأمنية، لم يحقّق التفجيران اللذين ضربا وسط العاصمة السورية دمشق في 7 يوليو/ تموز الجاري أهدافهما، لا من حيث حجم الدمار ولا من حيث الخسائر البشرية، ولا من حيث الاختراق الأمني. ... مكان التفجير عام، يستطيع أي أحد أن يرمي فيه قنبلة مصنوعة يدوياً بسهولة، وهو أمر قد يحدُث في أكثر الدول تقدماً، مع فارق أن لدى تلك الدول تقنيات متطورة، مثل كاميرات المراقبة الموزّعة في كل الأماكن، ما يجعل عملية القبض على الفاعلين سهلة، فضلاً عن أنها تمنع، أو تجعل عملية رمي قنبلة مسألة صعبة.
في الحالة السورية، وبسبب غياب هذه التقنيات، عكس التفجيران حالة الضعف لدى الفاعلين من ناحية اختيار مكان عام، ومن ناحية طبيعة العبوة البدائية، وربما عكس هذا في المقابل حالة السيطرة للأجهزة الأمنية، وعدم قدرة الفاعلين على صنع قنبلة قوية ووضعها في مكان خطر.
بلغة السياسة، تؤكد بدائية تصنيع العبوتين والمكان المستهدف أن غرض الفاعلين الرئيس لم يكن تحقيق اختراق أمني، أو ضربة أمنية موجعة، بقدر ما كان سياسياً في المقام الأول، سواء على مستوى الداخل بتوجيه رسالة أن الساحة الأمنية السورية رخوة، وأن ثمة أطرافاً بدأت التحرّك عملياً لتوجيه ضربات للحكم القائم، من شأنه أن يدفع جهات داخلية معادية للحكم بالتحرّك، أو على مستوى الخارج عبر رسالة أن سورية لا تزال غير مستقرّة أمنياً، ولم تحقق بعد بيئة آمنة من شأنها أن تكون وعاءً لبدء عملية الإعمار والبناء الاقتصادي.
وتزداد الرسائل السياسية وضوحاً في أن التفجيرين لم يتزامنا فحسب مع زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لسورية، بل وقعا أيضاً على بعد مئات قليلة من الأمتار عن محل إقامته. وليس مهماً هنا التساؤل عما إذا كان التفجيران قد رُتّبا بطريقة مسبقة ليتزامنا مع وجود الرئيس الفرنسي، كما رُتب المكان، فمثل هذا التساؤلات يصعب الإجابة عنها، فالمهم أن التفجيرين وقعا فعلاً في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي دمشق.
وعلى الرغم من أن التفجيرين حملا طابعاً سياسياً دعائياً في جوهرهما، إلا أن الاستخفاف بهما غير ممكن، ولا سيما أنهما جاءا بعد أيام من تفجير وقع قرب قصر العدل في شارع النصر قرب سوق الحميدية، وسط دمشق، وخلف نحو عشرة قتلى. وهذا يعني أن التفجيرات من هذا النوع قد تتزايد في المرحلة المقبلة، دون أن يقلل ذلك من دور الأجهزة الأمنية، فإذا ما قيست البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتوترة في سورية من جهة، وضعف الإمكانات التقنية من جهة أخرى، مع التفجيرات التي وقعت أخيراً في دمشق، تظهر هذه التفجيرات أقل كثيراً مما هو متوقع، في وجود فلول مخبأة تنتهز الفرصة لتوجيه ضربتها، ومكوّنات اجتماعية لديها مصلحة في حدوث توتر أمني، وشخوص خسرت امتيازات كبيرة في ظل نظام الأسد.
مع ذلك، سلّط التفجيران الضوء على نقطتين مهمتين جداً: الأولى، أن قرار تعافي سورية محلياً وإقليمياً ودولياً استراتيجي، تتفق عليه الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وليست تأكيدات الرئيس الفرنسي باستمرار زيارته سورية أولاً، ثم الاتفاقيات التي وقعها ثانياً، ثم دعوة الرئيس السوري إلى حضور قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة ثالثاً، ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش القمة رابعاً، وقرار ترامب رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب خامساً، ليست هذه كلها إلا تأكيداً لهذه الاستراتيجية الدولية حيال سورية، مع ما تحمله من رسائل سياسية إلى الأطراف الداخلية الرافضة للوضع الحالي في سورية.
النقطة الثانية، أن تعافي سورية يتطلب إصلاحات داخلية أكثر جدّية مما جرى، خصوصاً الإصلاحات السياسية الضامنة انخراط كل مكونات المجتمع السوري في صناعة القرار السياسي، ومن دون مشروع سياسي حقيقي لبناء الدول وفق المعايير المعاصرة، سيبقى الضعف يعتري مؤسّسات الدولة، وهو ما سلطت الضوء عليه مجلة الإيكونوميست أخيراً، حين تحدث عن اهتراء المؤسّسات وعدم قدرتها على مواكبة الالتزامات التي تحتاجها سورية للتعافي الاقتصادي.
لا يمكن فصل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية بعضها عن بعض، ولعل مطالبة وفد الكونغرس الأميركي من الرئيس الشرع في تركيا، بتحسين الأوضاع الداخلية والانفتاح على الأقليات، خطوة ضرورية للانتقال إلى بيئة اجتماعية ـ سياسية مغايرة.