في حلّ "قسد"

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 11:30 (توقيت القدس)
مظلوم عبدي يعلن حل "قسد" ودمجها بمؤسسات الدولة في قصر الشعب بدمشق (25/8/2026 Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إعلان مظلوم عبدي عن حلّ "قوات سوريا الديمقراطية" و"الإدارة الذاتية" يهدف إلى دمج الكيان العسكري والإداري في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، مما يعزز الوحدة الوطنية ويعيد بناء الدولة.
- يشمل الإعلان دمج التشكيلات العسكرية والمدنية مع ضمانات سياسية وثقافية للكرد، مما يتيح لهم الحفاظ على مكاسبهم ضمن الدولة الجديدة، مع التركيز على حقوق السكان المحليين والقضايا الحقوقية.
- حلّ "قسد" يمثل نموذجاً لتحول مناطق شمال شرقي سوريا من صراع إلى توافق، مما يعزز وحدة سوريا ويتيح للقوى الكردية المشاركة السياسية الفعالة.

يشكّل إعلان مظلوم عبدي حلّ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) و"الإدارة الذاتية" خطوةً مفصليةً ومهمة في مسار استعادة الدولة السورية سيادتها على كل أراضيها، والسير في طريق تعافيها وإعادة إعمار ما هدمه نظام الأسد البائد خلال العقود الماضية. ويكمن معناه في إنهاء الكيان العسكري والإداري المنفصل شمال شرقي سورية، والاندماج الكامل داخل مفاصل الدولة السورية. لذلك، لا ينبغي فهمه نهاية القوى الكردية أو خروج الكرد من المشهد السوري، بل بوصفه نهاية نموذج عسكري وإداري غير دولتي، استمر أكثر من عقد في ظروف دولية وإقليمية مساعدة وداعمة له.
لا يقتصر الإعلان على نهاية "قسد" قوة عسكرية، وإنما يشمل كذلك نهاية "الإدارة الذاتية" والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها ودمجها في مؤسّسات الدولة، باتجاه توحيد الجسد السوري وإنهاء الانقسام. ما يعني أن هذه الخطوة تمثل تحولاً في طبيعة الإدارة والسيطرة على شمال شرقي سورية، وهي المنطقة التي ظلّت سنواتٍ خارج سلطة الدولة، ومستقلة عن مؤسّساتها المركزية. وبالتالي، لا يجسّد الإعلان تحولاً سهلاً، لأنه يعني التخلي عن نموذج الحكم الذاتي الذي بُني سنوات، وعن وجود قوة عسكرية سيطرت على المنطقة خلالها، وكانت تمثّل الضمان الأساسي لنفوذ الإدارة الذاتية. وفي المقابل، تمنح هذه الخطوة القوى الكردية ممكنات الحفاظ على وجودها داخل مؤسّسات الدولة، والمشاركة في المرحلة السياسية الجديدة.
يطوي حلّ "قسد" ملفاً شائكاً كان يهدد وحدة الدولة السورية الجديدة، وجاء بعد سلسلة لقاءات واتفاقات متعثرة بين الإدارة الجديدة و"قسد"، ولن تتجسّد أهميته الحقيقية فقط في إنهاء تشكيل عسكري، بل في الطريقة التي ستُبنى وفقها العلاقة الجديدة بين الدولة السورية والمواطنين الكرد السوريين، خصوصاً أن الاتفاق على الدمج العسكري والإداري ترافق مع ضمانات سياسية وثقافية حقيقية، جسّدها المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير/ كانون الثاني 2026. وبات الرهان معقوداً على حل الملفات العالقة، واستكمال دمج العناصر التي كانت تعمل تحت قيادة "قسد" في الجيش، وانخراط كل المؤسسات المدنية والأمنية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الازدواج بين مؤسّسات الدولة ومؤسسات "الإدارة الذاتية"، إضافة إلى نقل الموارد الاقتصادية والمعابر إلى سيطرة الحكومة السورية.
إذاً، تدخل مناطق شمال شرقي سورية مرحلةً مختلفةً جذرياً عن السنوات السابقة، تحكمها معادلة جديدة، فالدولة السورية تستعيد جزءاً واسعاً من سلطتها العسكرية والإدارية والاقتصادية، بينما تحاول القوى الكردية الحفاظ على مكاسبها السياسية والثقافية ضمن الدولة الجديدة. وسيتوقف نجاح هذه المعادلة على قدرة الطرفين على إتمام عملية الدمج بصورة متوازنة، عبر الترسيخ الفعلي على الأرض، وبما يمنع ازدواجية القرار أو الهياكل الموازية، مع ضمان حقوق السكان المحليين، من خلال معالجة الملفات الحقوقية واللغوية والقضايا المتعلقة بالملكية وعودة النازحين لضمان استدامة الاتفاق، لذلك يتمحور الاختبار الذي سيواجه الحكومة السورية وقيادة "قسد" حول كيفية حماية الحقوق الثقافية والسياسية لجميع أبناء المنطقة، ومدى مشاركتهم في مؤسّسات الدولة. 
يشكل حلّ "قسد" نموذجاً، انتقلت فيه مناطق شمال شرقي سورية من صراع على الجغرافيا والموارد إلى توافق حول الحقوق والمشاركة داخل الدولة. وسيكون نجاح هذا النموذج الثمرة الأهم بالنسبة لوحدة سورية وشعبها، لأنه سيقدّم نموذجاً قابلاً للتنفيذ في المناطق المتمردة من محافظة السويداء، وتسيطر عليها مليشيات تابعة للشيخ حكمت الهجري الذي تمادى في ادعاءاته التي وصلت إلى حدّ الزعم الزائف بـ"وحدة العقيدة والتاريخ" مع إسرائيل. 
غير أن قابلية النموذج للتعميم على باقي السويداء تطرح أسئلة عن العامل الخارجي المعرقِل، والمتمثّل في إسرائيل التي تعمل جاهدةً على زعزعة الأوضاع في سورية وضرب استقرارها. إضافة إلى أسئلة عميقة بشأن طبيعة المسار السياسي للاندماج، وعما إذا كان يقوم على إعادة بناء عقد وطني جامع، أم على إدارة توازنات محلية وعقد تفاهمات خارجية.
يبقى أن الخيار السياسي هو الأمثل للقوى المشكِّلة لـ"قسد" وكوادرها، وتجسّده مشاركتهم في مفاصل الدولة ومؤسّساتها، بناء على مبادئ الواطنية السورية، والقطع مع التمترس في خنادق الهويات الفرعية. وقد يجد هذا الخيار صداه لدى بعضهم عبر السعي إلى تأسيس تكتل أو حزب سياسي يضم أطيافاً متعددة، ويمنحهم حضوراً منظماً في الحياة السياسية.