فلسطين الحيّة أبداً

09 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:00 (توقيت القدس)
(نذير نبعة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عام 1917، أثار إعلان بلفور جدلاً في مجلس العموم البريطاني حول إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، حيث شكّل اليهود 4% فقط من السكان، مما أثار تساؤلات حول مصير السكان الأصليين.
- أظهر استبيان المؤشر العربي أن 69% من السوريين يعتبرون فلسطين قضية العرب الأولى، و88% يرون إسرائيل كأكبر تهديد لوحدة واستقرار سوريا، بينما يرفض 74% الاعتراف بها.
- النتائج تعكس رفض السوريين للطائفية والعرقية، وتؤكد على الانتماء الوطني ووحدة البلاد، مما يعيد الاعتبار لعبارة "فلسطين هي البوصلة".

في عام 1917 عقدت جلسة عاصفة في مجلس العموم البريطاني لمناقشة البيان الذي أعلنته حكومة ديفيد لويد جورج، والذي اشتهر لاحقاً باسم وزير الخارجية فيها، آرثر بلفور. والذي وقّع رسالة تعلن التزام بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في بلد يشكّلون 4% من سكانه آنذاك. 
لم يكن كل النواب موافقين على هذا المشروع، وكان لدى كل واحد منهم أسباب للاعتراض عليه، ومن بين هؤلاء خرج اللورد كروزون بمداخلة نارية ختمها قائلاً: وماذا سنفعل بالنصف مليون سوري الموجودين هناك؟ 
ضاعت الجملة وتاهت في الفضاء لـ 108 سنوات، وبعد أن جرت في النهر مياه كثيرة، وظنَّ الظانّون بسوريي الما تبقى أنهم كفروا بكل القضايا، واستسلموا لكل الأقدار، جاء من يسألهم عن فلسطين. وقد فعل ذلك في لحظة ضعف وطني، وفي قاع وجداني أوصلتهم إليه سنوات القمع والديكتاتورية، آلام الحرب والقتل والتهجير، ضغوط المعيشة وظروف الحياة. 
وقفوا أمام السؤال، وأجابوا: فلسطين ليست قضية الفلسطينيين، إنها قضيتنا جميعاً. إسرائيل هي أكبر عدو لنا، ومهدد لوجودنا واستقرارنا. لا اعتراف ولا صلح معها إلا بإعادة الحقوق والأرض. 
من بين كل النتائج التي خلص إليها استبيان المؤشّر العربي، في الجزء المتعلق بسورية منه، تستحق الأسئلة المتعلقة بفلسطين وبإسرائيل وقفة أطول للتأمل. ففيه قال 69% من المستجيبين إن فلسطين قضية العرب الأولى، وقال 88% أن إسرائيل هي الخطر الأكبر على وحدة واستقرار سورية، و74% يرفضون الاعتراف بها. 
قبل نشر نتائج الاستبيان، والذي أنجز بمعايير قياسية تمنحه مصداقية عالية، كانت القراءة السطحية للمجتمع السوري تصل لاستنتاجات مخيفة ومحبطة، وكانت تشير إلى مجتمع يائس منغلق. منطوٍ على نفسه وطائفته ومنطقته وقوميته، رافض للآخر، كافر بالقضايا الكبرى، مشغول بأحقاده الصغيرة، وبلقمة العيش التي يريد انتزاعها من أفواه الآخرين. 
لذلك جاءت هذه النتائج لتقول لنا نحن المتسرّعين المتشائمين: أيها الحمقى، أنتم لا تعرفون شيئاً.  تسمعون ضجيج القلة، فتنخدعون بعلو أصواتهم، وتظنونهم الجميع. 
فما ظهر في موضوع إسرائيل والجولان وفلسطين، ظهر في "المؤشّر" في مواضع أخرى، مثل الهوية الوطنية، والطائفية. 
حيث حمّل 17% فقط المسؤولية عن حالة التوتر الطائفي للناس والمجتمعات وتعاملهم مع بعضهم، بينما أحالها 24% لعوامل خارجية تعبث بالمجتمع، و18% لوسائل الإعلام التي تصب الزيت على النار، و14% حمّلوها للنخب الحاكمة ورجال الدين. 
وقال 66% إنه لا فرق لديهم في التعامل مع الناس أياً كانت طوائفهم وأديانهم، سواءً في التجاور بالسكن أو بالتعامل اليومي في العمل، وقال 25% إنهم يفضلون التجاور والتعامل مع أبناء طوائفهم. 
قديماً كان الساسة والإعلام يستخدمون تعبيراً جديراً بالتأمل: فلسطين هي البوصلة. ومن كانت بوصلته فلسطين فهو في الطريق الصحيح في جميع القضايا. وقد استخدموا العبارة في مكانها وغير مكانها، كرّروها حتى ابتذلت، وفقدت معناها، وبدت لنا أنها واحدة من الشعارات الكاذبة التي تطلقها الأنظمة لخداعنا. 
تستعيد العبارة طزاجتها وصحّتها، عندما تجد أن من يهتدون بفلسطين، تأخذهم البوصلة نفسها إلى الانتماء الوطني، وإلى رفض الطائفية والعرقية، وإلى الحرص على وحدة واستقرار البلاد، وإلى معرفة من هو العدو حقاً.

المساهمون