عن حركة حماس واللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزّة

26 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:00 (توقيت القدس)
يواصل الاحتلال استهدافه المدنين وخصوصا الأطفال، غزة 2026/1/15 (حسن جدي/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دعمت حماس تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي في غزة، رغم تحفظاتها، للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع المعيشية، وأبدت مرونة بشأن نزع السلاح ضمن إطار وطني مدعوم.
- وافقت حماس على التنازل عن قيادة الأجهزة الأمنية بعد ضغوط ووعود أمريكية، وقدمت أسماء للجنة الإدارية ضمن خطة ترامب، مع تحفظات على بعض الأسماء.
- تخشى حماس من تأبيد الانقسام بين غزة والضفة، لكنها تدرك أهمية التنازل للحفاظ على القضية الفلسطينية وتجنب تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل خطة ترامب.

دعمت حركة حماس فكرة اللجنة الإدارية من حيث المبدأ، عندما كان اسمها لجنة الإسناد المجتمعي، ولكن وفق منطقها الخاص لما يسمى اليوم التالي للحرب، والسعي إلى الحفاظ على سيطرتها الفعلية في السياقات الأمنية والإدارية والمالية، ضمن تصور عام لدورها حركةً مركزيةً، بل قائدةً للمشهد الفلسطيني. كما رحبت حماس بإعلان تشكيلة اللجنة الإدارية الجديدة، لكن في سياق إعلامي فقط، حيث تحفظّت فعليًا على التشكيلة المعلنة، خصوصًا بعد عدم الأخذ سوى باسمين فقط من عشرات الترشيحات التّي قدمتها، إضافةً إلى ذلك تتوجس حماس من إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، المتزامن مع تشكيل اللجنة الانتقال فعليًا إلى المرحلة الثانية من اتّفاق وقف إطلاق النار، وهو ما ترحّب به الحركة أيضًا من حيث المبدأ، مع المطالبة "المحقّة" باستكمال استحقاقات المرحلة الأولى، المتعلقة بوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وفتح معبر رفح بالاتجاهين، وإدخال مستلزمات التعافي المبكر، والإيواء العاجل قبل مناقشة قصة نزع السلاح المعقدة، التّي وافقت عليها حماس شرط أن تتم من دون ضغوط قهرية، وبسيرورة وطنية فلسطينية مدعومة عربيًا ودوليًا، وضمن تطبيق نزيه وعادل لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على علّاتها، واتّفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها، بما في ذلك إصلاح السلطة، والشراكة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وشق المسار السياسي وأفقه نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.

إذن، دعمت حماس، وإثر ممانعة لشهور طويلة بعد بداية الحرب، والإصرار على شروطها الأربعة الشهيرة، وقف إطلاق النار التام، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين، وإدخال المساعدات للتعافي وإعادة الإعمار، التّي (أي ممانعة حماس) استبطنت العودة إلى مساء السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واعتبار اليوم التالي شأنًا فلسطينيًا خالصًا، لا دخل لأيّ طرف خارجي فيه، وهو أمر صحيح طبعًا، لكنه بات غير منطقي أو واقعي بعدما تحولت الحرب إلى حرب إقليمية، بل حتّى عالمية بامتياز، كما تقول الحركة نفسها، بدليل موافقتها على خطة ترامب، وشروط اتّفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها ومراحله، وتسمية الدبلوماسي البلغاري، والوسيط الأممي السابق  نيكولاي ميلادينوف مندوبًا ساميًا لتنفيذ الاتّفاق.

إذًا؛ دعمت حركة حماس، من حيث المبدأ، فكرة تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي في قطاع غزّة، كما كان اسمها الأول، التّي كانت فكرة مصرية أساسًا، ضمن ترتيبات فلسطينية عربية متفق عليها، اليوم التالي للحرب، من أجل الضغط على إسرائيل للقبول بوقف إطلاق النار، والانسحاب التام، والتخلي عن أحلام وأوهام التهجير والضمّ والاستيطان في قطاع غزّة، وجاء دعم الحركة للفكرة ضمن حساباتها الخاصّة للاحتفاظ بالسلطة فعليًا وأمنيًا وإداريًا، عبر جيش من الموظفين، قوامه عشرون ألفًا، مع الإصرار على أنّ يكون أعضاء اللجنة من اختيار الحركة والفصائل ومن قطاع غزّة حصرًا، والمقيمين فيها حاليًا، ولم يغادروها قبل أو خلال الحرب، لضمان عدم معارضتهم لها.

بكل الأحوال ورغم التحفظات والهواجس الخاصة تعاطت حماس  بواقعية وايجاباً مع اللجنة تجاوباً مع واقع الدمار الهائل جداً في غزة ولتحسين أوضاع الناس المأساوية والصعبة

إثر ضغوط من الوسطاء، وواقع النكبة والدمار في قطاع غزّة، ووعود أميركية بالانفتاح على الحركة وافقت أخيرًا على التنازل عن قيادة الأجهزة الأمنية، مع حلّ عادل لملف الموظفين، وإدماج جزء من عناصر الأجهزة الحالية، بحدود 5000، بالمنظومة الأمنية الجديدة. ثمّ تقدمت الحركة والفصائل خطوةً أخرى، بتقديم عشرات الأسماء المقترحة ضمن تصوّر سياسي عام لسيناريو اليوم التالي للحرب، وبعدما باتت اللجنة الإدارية جزءًا من خطة ترامب، ووقف إطلاق النار النهائي.

لكن تبدت الحقيقة كلّها في اجتماعات القاهرة الأخيرة، منتصف الشهر الجاري كانون الثاني/ يناير مع إعلان الوسيط المصري أعضاء اللجنة التي كانت نتيجة توافق أمريكي إسرائيلي دون أن يعني ذلك بالضرورة التشكيك في وطنيتهم وكفاءتهم المهنية وتحفظت حماس بشدة، خاصة بعد الموافقة على اسمين فقط من عشرات الأسماء التي قدمتها، على اسمين - الأمن والأوقاف –  مرشحين لتولي حقائب مركزية ومؤثرة بالواقع الغزاوي، اعتبرتهم معادين جداً لها كما لم تكن الحركة مرتاحة لاختيار شخصيات من غزة مقيمة بالخارج، ولما اعتبرته تأثيراً واضحاً للقيادي الفتحاوي المنشق محمد دحلان باللجنة خاصة مع تغير لهجة التيار تجاه الحركة وسردية الحرب بعد مسايرتها لأسباب فئوية ومصلحية خلال العامين الماضيين استعداداً لليوم التالي الذي يطمع التيار للعب دور مركزي فيه، وهو ما تبدي أصلاً في تركيبة اللجنة وحصول مقربيه على ثلاثة أعضاء بمن فيهم الرئيس وفي حقائب اقتصادية واجتماعية مهمة –الإعمار والتعليم والعشائر- كما ذهبت حقيبة الأمن لمسؤول ، أمني فتحاوي حتى النخاع ومعادٍ فكريًا وسياسيًا للتيار الإسلامي تمامًا كما قادة التيار في جلساتهم وأحاديثهم غير العلنية.

بحسب مصادر مطلعة بالقاهرة وكما قال علناً أحد قيادات الفصائل كانت اللجنة نتيجة توافقات أمريكية إسرائيلية مع عدم التشكيك في وطنية أعضائها وهي كانت ولا تزال فكرة مهمة جداً بوصفها نقطة تقاطع فلسطيني عربي إسلامي ودولي ضمن سيناريو اليوم التالي المفتوح على إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وشق المسار والأفق السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير كما قال عن حق مبلادينوف الممثل  "المندوب"  السامي رئيس المكتب التنفيذي لمجلس السلام الذى سيتولى الاشراف على عمل اللجنة الادارية لكن مع تحفظات وضغوط  فلسطينية وعربية وإسلامية كي لا يتحول الى وصي على اللجنة وغزة .

إلى الهواجس والحسابات الفئوية الحزبية وخشية فقدان مصادر نفوذها الأمني والمالي والتنظيمي ثمة حسابات وطنية واستراتيجية لحماس تتعلق بالخشية من تأبيد الانقسام وتكريس انفصال غزة عن الضفة الغربية، خاصّةً مع غياب الغطاء المرجعي السياسي الواضح للجنة التي ستتولى ملفات التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة بغزة.

بكل الأحوال ورغم التحفظات والهواجس الخاصة تعاطت حماس  بواقعية وايجاباً مع اللجنة تجاوباً مع واقع الدمار الهائل جداً في غزة ولتحسين أوضاع الناس المأساوية والصعبة كما أبدت انفتاحاً ومرونة في قصة نزع السلاح لكن بشروط ومتطلبات وطنية مدعومة عربيًا وإسلاميًا ودوليًا ولعدم منح إسرائيل  الذرائع وتحميل  الضحية مسؤولية فشل خطة ترامب التي باتت وحدها على الطاولة والبديل عنها قد لا يتمثل بالضرورة بالعودة إلى الحرب وإنما تأبيد الواقع الراهن وتحويل الخط الأصفر إلى حدود دائمة؛ حسب تعبير رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير، مع سيطرة الاحتلال على ثلثي مساحة قطاع غزة تقريبًا وحشر مليوني فلسطيني في ثلث القطاع مع سيروم البقاء على قيد الحياة وإبقاء مشاريع التهجير الضمّ والاستيطان على الطاولة، ومن هنا تقع مسؤولية مضاعفة على عاتق حماس للتنازل من أجل غزة وبقاء القضية الفلسطينية العادلة حيّة حتى لو تراجعت الحركة وخسرت تنظيميًا وحزبيًا وفئويًا، وكي لا تذهب هدرًا التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب العنيد خلال حرب السنتين وقرن من الصمود في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.