- الدعم العسكري والسياسي للمستوطنين: يشكل الدعم العسكري والسياسي للمستوطنين محدداً رئيسياً في السياسة الإسرائيلية، حيث يتم نقل مسؤولية التعامل معهم إلى الشرطة ووزارة الأمن الداخلي، مما يعكس تواطؤاً سياسياً وانزياحاً نحو اليمين المتطرف وتقليص الديمقراطية.
- العزلة الدولية المتزايدة: تواجه إسرائيل عزلة دولية متزايدة نتيجة سياساتها المتطرفة، مع انتقادات وعقوبات من المجتمع الدولي، ودعوات لفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية، ومقاطعة بضائع المستوطنات، مما يزيد من الضغوط عليها لتغيير سياساتها.
لا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية في الضفّة الغربية، وحتّى في قطاع غزّة وفلسطين والمنطقة عامةً، بعيداً عن ثلاثة محدِّداتٍ أساسية هي؛ خطة الحسم لوزير المالية ونائب وزير الدفاع بتسلئيل سموتريتش، وهيمنته التامة على القرار الاستيطاني في الضفّة، والمحدد الثاني، قيادةٌ عسكرية- أمنية متماثلة، خرج معظمها من صفوف المستوطنين المتطرفين، وقيادةٌ سياسية متواطئة، بل داعمة، رغم التحذيرات من التداعيات السلبية على مستقبل الدولة العبرية في المديين المتوسط والبعيد، بل وحتى القصير أيضاً، في ظلّ انزياح الدولة نحو اليمين المتطرف، والانغلاق على نفسها، إذ باتت أكثر تديناً، وأقل ديموقراطيةً، بالمعيار الإسرائيلي طبعاً، ولم تعد "فيلا في الغابة" وفق التوصيف العنصري الدارج. أما المحدِّد الثالث فمرتبطٌ مباشرةً بالسابقين، ويتعلّق بعزلة الدولة العبرية الدولية المتفاقمة، وتآكل مظلة الحماية الغربية في أوروبا وأميركا على حدٍّ سواء، وعدم اكتراث المتطرفين المهووسين بهذه الأخطار، بما يتناقض مع العقيدة الأمنية لرئيس الوزراء المؤسِّس دافيد بن غوريون، الّتي لا تزال سارية المفعول.
قبل ما سبق وبعده، لا بدّ من الإشارة إلى أنه رغم أوضاع الفلسطينيين الكارثية في الضفّة الغربية، المتروكين لوحدهم في مواجهة آلة القمع والقهر الإسرائيلية، إلّا أنّهم صامدون على أرضهم ولن يذهبوا إلى أي مكان، وسيصبحون مع الوقت أكثريةً في فلسطين التاريخية، ما بين البحر والنهر، مع تحولاتٍ إقليمية ودولية لصالحهم، ولو أنها لا تزال بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الوقت والعمل، كما رأينا في الاتّفاق الدفاعي التاريخي الأخير في مكّة، الذي تعتبر إسرائيل أنه يستهدفها، ولو على المدى البعيد، أو بالحدّ الأدنى، ما يؤكّد أن الأمور تسير بدونها، وبمعزلٍ عنها، بعيداً عن الرواية الّتي حاولت ترويجها، والقاضية بمركزيتها في تطورات المنطقة وتحولاتها.
إذاً لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة في الضفّة الغربية عامةً، وحتّى قرار وزير الحرب؛ يسرائيل كاتس، الأخير بنقل المسؤولية عن المستوطنين في الضفّة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، فيما يشبه الضمّ وفرض السيادة عليها، بعيداً عن ثلاثة محدِّدات أساسية، هي:
يتعلّق المحدِّد الثاني بالبيئة الداعمة للمستوطنين وسط الجيش والأجهزة الأمنية، وبالطبع القيادة السياسية، كما رأينا في قصرة، لجهة التواطؤ الصارخ رغم أفعال المستوطنين البلطجية والإرهابية
أولاً، ما يُعرف بخطة الحسم، لوزير المالية ونائب وزير الدفاع المسؤول عن مديرية الاستيطان بتسلئيل سموتريتش، الّتي وضعها قبل تسع سنواتٍ تقريباً؛ عام 2017، وكما يتّضح من عنوانها فقد اعتقد صاحبها، ولا يزال، قبل حرب غزّة وبعدها، أن الظروف باتت مواتيةً للحسم النهائي في الضفّة، بعيداً عن التسويات، أو الحفاظ على ما يوصف بالواقع الراهن، تحت مسمّياتٍ مختلفةٍ من قبيل السلام الاقتصادي، وإدارة الصراع وتقليصه، مع تحقيق هدف زيادة عدد المستوطنين في الضفّة الغربية إلى مليون مستوطن، الذين يبلغ عددهم الآن قرابة 740 مليوناً، بما في ذلك مستوطنات القدس المحتلة.
عملت الخطة بدايةً على دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام، وسيطرة إسرائيل التامة على الضفّة الغربية، ثمّ جرى تحديثها، مع الاقتناع بصعوبة ذلك، والاكتفاء بتحجيم السلطة، في مربع الحكم الذاتي البلدي المقلَّص الحجم (بنحو 40%، مع سيطرةٍ إسرائيلية كاملة على 60% من أراضي الضفّة، وفق قاعدة الاحتلال- الاستيطان الشهيرة، "ابتلاع أكبر مساحةٍ ممكنة من الأراضي بأقلّ عددٍ ممكن من الفلسطينيين).
في السياق ذاته؛ يدعو سموتريتش علناً إلى تخيير الفلسطينيين في الضفّة الغربية بين الخضوع التام، أو التهجير، أو القتل لمن يقاوم، كي ينجز جيش الاحتلال المهمة الّتي لم ينهِها في عام 1948 "النكبة الأولى"، وذلك حسب التعبير الحرفي لسموتريتش، بمعنى فرض الاستسلام التام على الفلسطينيين سلماً أو حرباً.
من هنا أيضاً يمكن فهم إعادة طرح وزير المالية المتنفِّذ، مشروع إي ون "E1" الاستيطاني، لفصل مدينة القدس عن محيطها الإنساني والجغرافي، وتقسيم الضفّة الغربية إلى قسمين، والتبجُّح علناً بالقضاء التامّ على إمكانية إقامة دولةٍ فلسطينية، والذي يتيح من جهةٍ أخرى تنفيذ البنود السابقة في الخطة.
يتعلّق المحدِّد الثاني بالبيئة الداعمة للمستوطنين وسط الجيش والأجهزة الأمنية، وبالطبع القيادة السياسية، كما رأينا في قصرة، لجهة التواطؤ الصارخ رغم أفعال المستوطنين البلطجية والإرهابية، حسب تعبير السفير الأميركي الصهيوني في تل أبيب مايك هامكابي، ومن هذه الزاوية أيضاً يجب النظر إلى قرار وزير الحرب، كاتس، القاضي بنقل مسؤولية التعاطي مع المستوطنين إلى الشرطة ووزارة الأمن الداخلي، التابعة لإيتمار بن غفير، مع الانتباه إلى طابع القرار السياسي والانتخابي، واستحالة تنفيذه، في ظل الحاجة إلى سيطرة الجيش القهرية على الضفّة الغربية من أجل الدفاع عن المستوطنين والشرطة نفسها مقابل 3.5 مليون فلسطيني.
في موضوعٍ ذي صلة؛ تعبّر البيئة الاستيطانية السياسية العسكرية الأمنية عن انزياح إسرائيل المستمر إلى اليمين المتطرف، بعدما باتت أكثر تديناً، وأقل ديموقراطيةً، ولم تعد "فيلا في غابة الشرق الأوسط" حسب المصطلح العنصري السائد، عازلةً نفسها حتّى عن بيئتها الحاضنة، ومظلة حمايتها التاريخية في الغرب، ومن هنا أيضاً يمكن فهم حديث رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو عن نموذج أسبرطة الّتي تخوض حروباً أبديةً من دون الانتباه إلى مصيرها وزوالها المحتوم.
عملت الخطة بدايةً على دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام، وسيطرة إسرائيل التامة على الضفّة الغربية، ثمّ جرى تحديثها، مع الاقتناع بصعوبة ذلك، والاكتفاء بتحجيم السلطة، في مربع الحكم الذاتي البلدي
تتجاهل حكومة نتنياهو- سموتريتش- بن غفير ركناً مهماً في عقيدة رئيس الوزراء الأول بن غوريون الأمنية، القائلة إنّ الدولة العبرية لن تستطيع العيش بعيداً عن مظلة حماية الدول الغربية، ولا تستطيع الذهاب إلى حربٍ من دون تفاهمٍ، وضوءٍ أخضر، أو حتّى برتقالي منها، في حين تفعل الحكومة الإسرائيلية الحالية عكس ذلك تماماً، عبر حروبٍ أبدية مفتوحة ومكلفة على الجبهات كافة.
إضافةً إلى العاملين السابقين، أو للدقة نتيجةً لهما، تتصاعد عزلة الدولة العبرية الدولية مع تحقق نبوءة التسونامي الدبلوماسي والسياسي في البيئة الغربية الحاضنة، إذ لم تعد العزلة محض فعلٍ نظري أو خطابي لتسجيل المواقف فقط، ومع الوقت وأمام بشاعة الجرائم الإسرائيلية، تشكّلت أنياب العزلة، مع فرض العقوبات، والمطالبة بمزيدٍ منها، بما في ذلك حظر التعاون العسكري، وإنهاء اتّفاقيات الشراكة الاقتصادية، ومقاطعةٍ فعلية لبضائع المستوطنات في الضفّة الغربية من دولٍ وازنة في الاتّحاد الأوروبي، وفرض عقوباتٍ شخصية غير مسبوقة على وزراء ومسؤولين إسرائيليين رسميين، وقادة المشروع الاستيطاني.
في سياق العزلة الدولية، وتشديد مقاطعة الدولة العبرية، يجب عدم تجاهل أهمّية قضية الإبادة الجماعية المرفوعة بحقها أمام محكمة العدل الدولية، ولا الرأي الاستشاري، والفتوى بتجريم الاستيطان والاحتلال في الضفّة الغربية، وأيضاً مذكرات الاعتقال الشخصية، الصادرة عن المحكمة الجنائية الأممية بحقّ المسؤولين الإسرائيليين ولا الاستخفاف بها.
وكي يكتمل رسم المشهد الدولي لا بدّ من التذكير بالمعارضة القوية لمشروع "E1"، والاستعداد لفرض عقوباتٍ جديدة بعد الانتخابات الإسرائيلية، كما أشير في رسالة أكثر من مئة سفير ودبلوماسي بريطاني وفرنسي سابقين، ومطالبتهم بفرض مزيدٍ من العقوبات والعزلة على الدولة العبرية، بما في ذلك حظر التعاون العسكري، والشراكات الاقتصادية.
في الأخير، لا يمكن النظر إلى المحددات السابقة من دون التطرق إلى المشهد الفلسطيني، لجهة العجز الرسمي "سلطة وفصائل" عن بلورة استراتيجيةٍ نضالية وطنية موحدة وتبنيها، وللأسف لم نرَ اصطفافاً فصائلياً لمواجهة الاستيطان والتطهير العرقي في الضفّة الغربية، كما هو حاصلٌ تجاه الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، في حين يقاوم الشعب الصامد وحده في الميدان، حيث تواجه كل قريةٍ وبلدة ومدينة الاستيطان والاحتلال على طريقتها الخاصّة، في غياب استراتيجيةٍ وطنية عامة للمقاومة الشعبية في الضفّة الغربية كلّها.