عمران حنان الأحمد

14 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
دمار في مخيم اليرموك في دمشق يبدو من داخل بيت مدمّر (21/1/2026 الاناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- حنان الأحمد، مهندسة معمارية وكاتبة سورية في ألمانيا، تدمج بين العمارة والكتابة لتقديم رؤية نقدية حول العلاقة بين الفضاء والسلطة والذاكرة، وتركز على العدالة المكانية والجندر في المدن.
- منذ 2021، تعمل على مشاريع إعادة تأهيل المدارس في شمال شرق سورية، وتكتب نصوصًا ملهمة تتناول العمارة من منظور إنساني وسياسي، متسائلة عن ملكية المكان وهويته.
- تتجاوز الأدوات التقليدية للمهندسين باستخدام الأدب والفلسفة، وتنتقد هيمنة البصر على العمارة، وتقدم قراءة جديدة لأدب السجون السوري.

ببلاغة واقتضاب، قدم المعماري الفذّ، لويس كان، رؤيته إلى العمارة، ملخصا دورها بـ "الصياغة المتأنية للفراغ". وفي هذا السياق، تحضرني ابنة سورية حنان الأحمد، حيث ثمة معماريون يبنون، ومعماريون يبنون ويكتبون، وقلة نادرة تفعل الاثنين لكن تحوّل العمارة والكتابة إلى رؤية، إلى تنظير ككبار الأساتذة. إلى هذه القلة تنتمي حنان الأحمد، المهندسة المعمارية والكاتبة السورية المقيمة في ألمانيا، والتي راكمت خبرة عملية في مجال التنمية الدولية وإدارة مشاريع إعادة التأهيل والتعافي الحضري، وتحضّر اليوم للماجستير في الإدارة الحضرية، حيث يتركزعملها البحثي والكتابي حول العلاقة بين الفضاء والسلطة والذاكرة. باحثة في أسئلة العدالة المكانية وتمثيلات الجندر في المدينة. تعريف يبدو أكاديمياً صارماً، لكنه يخفي وراءه كاتبة تصغي إلى  حكاية الحجر كما يصغي الموسيقيّ إلى لحظة الصمت، مؤمنة بأن الموات في المدن المدمرة ليس فراغات عمرانية، بل أرشيف مفتوح على ذاكرة جماعية،  وشعارات إعادة الإعمار هي في العمق خطة لإعادة كتابة التاريخ.
منذ عام 2021 وحنان الأحمد تلاحق الأمكنة، تنغمس بمشاريع إعادة تأهيل المدارس في شمال شرق سورية، إذ دخلت أبنية أثقلتها الحرب، ورمّمت أبواباً ونوافذ ابتلعها الشتاء. من هذه التجربة الميدانية وُلدت كاتبة لنصوص ملهمة تقرأ العمارة من وجهها الأعمق، والأغنى، على يدها ولدت عناوين مثل "هذه ليست مدرسة"، "العمارة الإنسانية المُسيَّسة في مخيم الهول"، "إعادة الإعمار باسم الشعب والسياحة"، "تاء المدينة المربوطة"، "فضاء وانتفاضة"، "الاستثناء داخل الاستثناء". عناوين تتقاطع كلها عند سؤال واحد ملحّ: مَن يملك المكان، ومَن يُملي عليه ما يجب أن يكون؟
في مقالاتها عن الجزيرة السورية يتجلى مشروعها في أبهى صوره. في "لعنة الماء والنفط في الجزيرة السورية.. تاريخ كُتب بلا شعب" تتبّعت جذور بنية استغلال وتهميش متجذرة، عابرة للأنظمة ومشتركة بين سلطات مختلفة، كاشفة المفارقة التنموية الصارخة لإقليم ساهم في تشكيل الدخل القومي السوري وبقي من أفقر أقاليمه وأكثرها حرماناً. ثم أصغت في "ذاكرة الماء والهوية الغنائية" إلى الأغنية الفراتية بوصفها علامة على التحولات وصدىً للتقلبات، وتوثيقاً للأحداث الداخلية أكثر منها سجلاً للأحداث الكبرى، مذكّرة بأن المدن ليست متاحف، ولا توجد لها صورة نقية في الذاكرة أو الواقع. أما في "من يكتب المدينة؟" فقد قرأت سياسات إعادة تسمية الشوارع والمدارس في سورية، لتقول إن الاسم عمارة أيضاً وبصمة المنتصر الأوضح.
تقارب حنان الأحمد العمارة  من زاوية قلّ من يجرؤ على الولوج منها: من جهة الإنسان الذي يسكن الفضاء ويُسكِنه الفضاءُ في آن. أدواتها تتجاوز عدّة المهندسين إلى اللغة والأدب والأغنية والفلسفة، وهي التي قدّمت للقارئ العربي في "دفاعاً عن حواسنا المنسيّة" فكر المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما وكتابه "عيون الجلد"، منتقدة معه هيمنة البصر على العمارة الحديثة، ومنتصرة للمس والشم والسمع باعتبارها بوابات إدراك للأمكنة والزمن.
وها هي في نص بديع، تبلغ من يتاح للغتها من ألق، إذ تقرأ أدب السجون السوري، من بسام يوسف إلى مصطفى خليفة وياسين الحاج صالح، قراءة غير مسبوقة، كونها مرويات لا عن المعاناة والظلم فحسب، بل تعاملها بما هي مختبر للعلاقات بين الأفراد والفضاء المحيط. م هكذا تنتقل من الزنزانة التي تتحول فيها الأجساد إلى رؤوس وأقدام تُعَدّ عدّاً، وتمضي بنا إلى سؤال يطاول حياتنا كلها: ماذا يحدث للانتماء داخل فضاء مخنوق، ما الذي يتآكل في المعتقل؟ هكذا تكتب حنان الأحمد: بيد المهندسة التي تعرف المقاييس، وحساسية كاتبة تعرف أن أعمق ما في الأمكنة لا يُقاس بالأمتار.