عام من التبرّعات... فجوة تمويلية تاريخية أمام حجم الدمار
استمع إلى الملخص
- ظهرت حملات تبرع محلية جمعت 600 مليون دولار، مما يعكس "صحوة مجتمعية" ونموذجاً تنموياً جديداً يعتمد على المبادرات المحلية والشفافية، بدأت من حمص وانتشرت في جميع المحافظات.
- أُطلق صندوق التنمية السوري في 2025 لتوحيد الجهود التمويلية، ويواجه تحديات في الحفاظ على ديناميكية العمل الأهلي وضمان الشفافية، مع التركيز على بناء الثقة وتوجيه التمويل نحو القطاعات الأساسية.
بعد أكثر من عقد ونصف على الحرب التي مزّقت الجغرافيا السورية وأتت على بنيتها التحتية، تفيد تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي بأن تكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 400 و500 مليار دولار، في وقت يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج أكثر من 16.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة. هذه مؤشرات على حجم التحدّي الذي يواجه بلداً يحاول أن ينهض من تحت الركام.
وسط هذا المشهد القاتم، برزت ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ سورية الحديث، حيث جمعت حملات تبرّع محلية أكثر من 600 مليون دولار خلال أشهر قليلة، في مشهد يصفه خبراء التنمية بأنه "صحوة مجتمعية" تتحدّى منطق الانتظار، وتكسر معادلة الاعتماد الكامل على الدولة أو المانحين الدوليين. لم تكن هذه الصحوة مجرّد رد فعل عاطفي عابر، بل كانت تعبيراً عن إرادة عميقة للتغيير، ورغبة جامحة في المشاركة في صنع المستقبل، ورفضا واضحا للبقاء في دائرة الانتظار. لقد أصبح المجتمع السوري شريكا فاعلا في عملية البناء، يدرك حجم التحدي ويعرف حدود إمكاناته، لكنه يرفض أن يكون مجرّد متفرج على مشهد الدمار.
بدأت الشرارة من حمص في 13 أغسطس، حين أطلق مؤتمر "أربعاء حمص" حملة جمعت نحو 13 مليون دولار، قبل أن تتحوّل المبادرة إلى موجة اجتاحت المحافظات السورية
تبرّعات تعبر المحافظات
شهدت الأشهر الماضية حملات تبرّع شعبية واسعة في مختلف المحافظات السورية، تميزت بمشاركة "الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء"، في إحياء واضح لروح التضامن والتكافل الاجتماعي. وقد نجحت هذه الحملات في جمع مبالغ كبيرة، وإنْ تكن قطرة في بحر الدمار. لقد تجاوزت هذه الحملات في مفهومها العمل الخيري التقليدي، لتصبح مشاريع تنموية مصغرة، تدار بكفاءة محلية، وتستجيب لاحتياجات حقيقية، وتُدار بشفافية ملحوظة. هذا التحول في النموذج الفكري للعمل الأهلي هو الأهم في قراءة هذه الظاهرة، فهو يشير إلى نضج مجتمعي، وإلى ظهور نموذج تنموي جديد، قائم على المبادرة المحلية، والمساءلة المجتمعية، والشفافية في الإدارة.
بدأت الشرارة من حمص في 13 أغسطس/ آب، حين أطلق مؤتمر "أربعاء حمص" حملة جمعت نحو 13 مليون دولار، قبل أن تتحوّل المبادرة إلى موجة اجتاحت المحافظات السورية. ففي حماة، جمعت حملة "الوفاء لحماة" أكثر من 210 ملايين دولار، بينما جمعت إدلب عبر حملة "الوفاء لإدلب" حوالي 208 ملايين دولار. وفي ريف دمشق، حملت حملة "ريفنا بيستاهل" شعار إعادة الحياة إلى التعليم، فجمعت 76 مليون دولار. أما درعا، فقد أطلقت حملة "أبشري حوران" التي حصدت 44.3 مليون دولار، فيما جمعت دير الزور 30 مليونا عبر حملة "دير العز". وحتى المناطق محدودة الموارد، كمنبج والباب، دخلتا السباق بمبالغ بلغت 11 مليونا للأولى و1.2 مليونا للثانية. وهذه الأرقام ليست مجرّد إحصائيات جافة، بل هي قصة شعب يرفض الاستسلام، ومجتمع يصر على المشاركة في كتابة مستقبله، وجماعات محلية تثبت أن التغيير يبدأ من القاعدة. لم يكن هذا النموذج في العمل استثناء، بل جزء من تحوّل أعمق في فكر العمل الأهلي، من النموذج الخيري التقليدي إلى النموذج التنموي المستدام، من ثقافة "العطاء" إلى ثقافة "الاستثمار في المستقبل"، من منطق "الإغاثة" إلى منطق "التمكين".
إطار مؤسّسي
أُطلق في سبتمبر/أيلول 2025 صندوق التنمية السوري كياناً مركزيّاً مستقلاً بموجب مرسوم رئاسي، بهدف توحيد الجهود التمويلية المحلية والدولية لإعادة الإعمار. وقد شهد إطلاقه في قلعة دمشق إعلان تبرّعات وتعهدات أولية بلغت 80 مليون دولار. يمثل الصندوق محاولة مؤسّسية لجمع هذه الطاقات المجتمعية المبعثرة تحت مظلة واحدة، وتحويلها من مبادرات محلية متفرّقة إلى استراتيجية وطنية متكاملة. لكن هذا التحوّل المؤسّسي يواجه تحدّيات كبرى، أبرزها كيفية الحفاظ على ديناميكية العمل الأهلي ومرونته، مع ضمان الشفافية والمحاسبة التي تتطلبها العملية على المستوى الوطني.
ولضمان نجاح الصندوق وتميّزه، لا بد من أن يعتمد على عدة ركائز أساسية، تبدأ بالعدالة المكانية من خلال نهج "البرمجة القائمة على المنطقة"، لضمان توزيع الموارد ليس على أساس المحسوبيات، بل وفق مؤشرات موضوعية مثل مستوى الضرر والحرمان والفرص التنموية. وتمثل هذه الركيزة تحدّياً كبيراً في بيئة مثل سورية، حيث التباين الكبير في مستوى الدمار بين منطقة وأخرى، والتفاوت في القدرات بين محافظةٍ وأخرى. تتمثّل الركيزة الثانية في المشاركة المجتمعية عبر آليات "التخطيط المحلي التشاركي"، حيث تصبح المجالس المحلية والمجتمع المدني شريكاً في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ. وليست هذه المشاركة ترفا، بل هي شرط لنجاح أي مشروع تنموي، فالمجتمعات المحلية هي الأدرى باحتياجاتها، وهي الأقدر على مراقبة تنفيذ المشاريع في بيئتها.
يمثل صندوق التنمية السوري رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والمستدامة، حيث يتخطى دوره مجرد وسيلة تمويلية ليصبح أداة محورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري وتنويع قاعدته الإنتاجية
التحدّي الأكبر
يعد بناء ثقة المانحين والمجتمع التحدّي الأكبر الذي يواجه صندوق التنمية السوري. لقد أكّدت تجربة العراق الكارثة التي يؤدّي إليها غياب الشفافية، بينما أثبت النموذجان، الألماني والياباني، أن الشفافية هي الوقود الذي يغذّي استمرارية التمويل. في سورية، حيث مورست أقسى أشكال الفساد عقوداً أيام النظام البائد، يصبح بناء الثقة مهمة شاقة تتطلب أكثر من مجرد وعود. إنها تتطلّب إنشاء آليات رقابة مستقلة حقيقية، قد تشمل لجان إشراف، تضم ممثلين عن المجتمع المدني، ونشر تقارير دورية علنية عن أداء الصندوق واستخدام الأموال، والتعاقد مع شركات تدقيق محاسبية دولية. وليست هذه الإجراءات كمالية، بل هي ضرورة حتمية في بيئة يشكك فيها الناس بكل شيء، ويتوجّسون من أي مبادرة جديدة.
ومن نافل القول، يجب أن تتجه الرؤية الاستراتيجية إلى الصندوق نحو إيجاد اقتصاد منتج وقادر على النمو المستدام. يعني هذا توجيه التمويل نحو القطاعات الأساسية التي تعيد بناء مقوّمات النشاط الاقتصادي، وليس فقط تقديم الإغاثة. إعادة تأهيل شبكة الكهرباء، على سبيل المثال، ليست مشروعاً خدمياً فحسب، بل هي شرط أساسي لإعادة تشغيل الورش والمصانع والمزارع. كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسّطة، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ينشئ فرص عمل جديدة ويرفع مستوى الدخل الأسري. هذا التوجه الإنتاجي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة عملية إعادة الإعمار، فالإعمار ليس مجرّد إعادة بناء لما تهدم، بل هو عملية إعادة تأهيل للاقتصاد والمجتمع معا.
ويمثل صندوق التنمية السوري رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والمستدامة، حيث يتخطى دوره مجرد وسيلة تمويلية ليصبح أداة محورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري وتنويع قاعدته الإنتاجية. فمن خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإستراتيجية، كالطاقة المتجدّدة والصناعات التحويلية والزراعة الحديثة، يسهم الصندوق في بناء نموذج تنموي قائم على المعرفة والابتكار. كما يلعب دوراً محورياً في تعزيز التكامل بين القطاعين، العام والخاص، وتشجيع ريادة الأعمال، وبناء القدرات المحلية في إدارة المشاريع الكبرى. وباعتباره منصّة وطنية جامعة، يعمل الصندوق على تحقيق التكامل بين المشاريع المحلية الصغيرة والمبادرات التنموية الكبرى، ما يضمن تحقيق أثر تنموي متراكم ومستدام عبر مختلف القطاعات والمحافظات. ويجعل هذا النهج المتكامل من الصندوق أداة فاعلة لتحقيق التنمية المتوازنة، ويسهم في بناء سورية الجديدة القائمة على اقتصاد منتج ومجتمع مشارك وحوكمة رشيدة.
التجارب الدولية والدورس المستفادة
لعل من أبرز الدروس المستفادة تنوع النماذج وعدم وجود وصفة واحدة تناسب الجميع، حيث يتوقف النجاح على السياق الوطني والقدرة على التعلم من الآخرين. ففي النموذجين، الألماني والياباني، لم تكن إعادة البناء الشامل بعد الحرب العالمية الثانية، إعادة إعمار ألمانيا واليابان مجرّد ترميم للبنى التحتية المدمّرة. لقد ارتكزت على خطّة مارشال التي وفرت الدعمين، المالي والفني، ولكن الأهم كان تبنّي حوكمة رشيدة وإدارة شفافة للموارد. لم يقتصر الأمر على إعادة بناء المصانع والجسور، بل جرى استثمار كبير في بناء رأس المال البشري عبر التعليم والتكنولوجيا، ما مهد الطريق لتحولهما إلى قوتين صناعيتين عالميتين. يُبرز هذا النموذج أهمية وجود خطة وطنية شاملة وضرورة الجمع بين الدعم الخارجي والإرادة المحلية لتحقيق تعاف سريع ومستدام. أما رواندا فقدّمت نموذج المصالحة الوطنية أساساً للتنمية بعد الإبادة الجماعية المروّعة عام 1994. لم يكن التركيز على البناء المادي فحسب، بل انطلق النهوض من المصالحة الوطنية حجر أساس. اعتمدت رواندا على الاستثمار في الزراعة والتعليم، وعملت بقوة على تعزيز الحوكمة الرشيدة لضمان استدامة التنمية. انتقلت رواندا من دولة تمزّقها الصراعات إلى واحدة من أكثر اقتصادات أفريقيا ديناميكية، ما يثبت أن إعادة البناء الحقيقية تبدأ بإصلاح النسيج الاجتماعي وبناء الثقة بين أفراد المجتمع.
وفي تجربة البوسنة والهرسك، كان التنسيق الدولي بعد الحرب الأهلية، استفادت البوسنة والهرسك من صندوق ائتماني دولي بلغ رأسماله 150 مليون دولار، أنشئ بالتعاون الوثيق مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأهيل البنى التحتية الحيوية، مثل الطرق وشبكات المياه والطاقة. رغم نجاحه في إطلاق عملية الإعمار، إلا أن هذه التجربة أظهرت تحدّياً كبيراً يتمثل في الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية، ما قد يحد من القدرة على قيادة الأولويات التنموية محليا. يذكّر هذا الدرس بأهمية التنسيق مع المجتمع الدولي، لكنه يحذّر من تحوّل هذا الدعم إلى إعاقة للاستقلالية الاقتصادية.
الطاقة المجتمعية الهائلة تواجه خطر التبدّد إذا لم تُحفظ في قنوات مؤسّسية واضحة، فالمبادرات الأهلية، رغم أهميتها، تبقى محدودة بمكانيّتها وزمانيّتها
أما الدروس من التجارب المتنوعة في أوغندا وهايتي والعراق فتقدم نماذج متنوعة؛ ففي أوغندا (NUSAF) ركز صندوق أوغندا على التنمية بقيادة المجتمع المحلي في شمال البلاد بعد الحرب، مع إشراك قوي للسكان في تحديد الأولويات، ما عزّز ملكيتهم للعملية التنموية.
توضح التجارب الدولية أن إعادة الإعمار الناجحة تتطلب أكثر من مجرد تمويل. فالنجاح مرهون ببناء مؤسّسات شفافة وخاضعة للمساءلة، واعتماد رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في صلب العملية، وتحقيق مشاركة مجتمعية حقيقية. البيئة السياسية والقانونية المستقرة هي الحاضنة الأساسية التي تتيح للصناديق التنموية تحقيق أهدافها، وإلا تتحوّل إلى قنوات جديدة لهدر الموارد وإعادة إنتاج الأزمات.
لعل الدرس الأهم الذي تقدّمه التجربة السورية في إعادة الإعمار هو ذلك التحول النوعي في دور المجتمع الأهلي، من مجرّد رد فعل عاطفي على كارثة ما، أو ما يُعرف محليا بـ"الفزعة"، إلى شريك استراتيجي في عملية التعافي. لقد أثبتت حملات التبرع المحلية التي انتشرت في موجة وطنية عابرة للمحافظات أن المجتمع لم يعد مجرّد متلقٍ للمساعدات، بل أصبح فاعلا أساسيا في رسم ملامح المستقبل. لم يحدُث هذا التحوّل بين ليلة وضحاها، بل نما من رحم المعاناة والإحباط من بطء الخطط الرسمية وتعقيد المسارات الدولية، فحين تجاوزت التبرّعات الشعبية 600 مليون دولار، لم تكن هذه الأرقام مجرّد مؤشّر على القدرة المالية للمجتمع، بل كانت رسالة واضحة أن الشعب السوري يمتلك إرادة البناء، وأنه مستعدٌّ لتحمّل مسؤولية مستقبله.
غير أن هذه الطاقة المجتمعية الهائلة تواجه خطر التبدّد إذا لم تُحفظ في قنوات مؤسّسية واضحة، فالمبادرات الأهلية، رغم أهميتها، تبقى محدودة بمكانيّتها وزمانيّتها، وعرضة للتشتت في غياب رؤية وطنية موحّدة. هنا تبرز الحاجة إلى نموذج تكاملي يجمع بين مرونة العمل الأهلي وشمولية التخطيط المركزي، بين حماسة المجتمع واحترافية المؤسسة. هذا النموذج التكاملي هو الضمانة لتحويل هذه الطاقات من مجرّد ومضات عابرة إلى استراتيجية دائمة للتغيير والبناء.
تحويل هذه الطاقات من مبادرات متفرّقة إلى استراتيجية وطنية يتطلب بناء جسور الثقة عبر الشفافية الرقمية، حيث تصبح كل عملية تبرّع مرئية، وكل مشروع قابلا للمتابعة، وكل قرار خاضعاً للمساءلة. كما يتطلّب إرساء آليات رقابة مجتمعية حقيقية تتيح للمواطن العادي أن يكون رقيباً على أداء المؤسّسات، وشريكاً في تصحيح المسار. ليست هذه الآليات ترفا في مرحلة إعادة الإعمار، بل هي ضرورة حتمية، فالشكوك حول نزاهة إدارة الموارد كانت دائماً أحد أهم معوقات التنمية في سورية. فإعادة بناء الحجر، رغم تكلفتها الباهظة، تبقى أهون من إعادة بناء الثقة، فالحجر ينهض بوفرة الأموال. أما الثقة فتبنى بشق الأنفس، عبر مسار طويل من الوضوح والمحاسبة والشفافية. وهي المعركة الأصعب التي ستحدّد مصير سورية الجديدة، سورية التي يتشارك في بنائها كل أبنائها، من خلال عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة الحقيقية والمسؤولية المتبادلة. إنها معركة تستحقّ أن نخوضها، لأن مستقبل سورية يستحق البناء.