ذاكرة أجيال في سورية ذوت بموت سينما الأرياف

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
موظف يُشغّل جهاز العرض في سينما الفردوس بدمشق (5/9/2013 فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت سوريا تدهوراً في مختلف المجالات خلال حكم البعث، حيث تأثرت السينما التي كانت جزءاً مهماً من الحياة الثقافية والاجتماعية، وبدأت عروضها في دمشق منذ عام 1912 وانتشرت في معظم المدن السورية.

- لعبت دور السينما دوراً محورياً في تعزيز التواصل الاجتماعي والثقافي، حيث كانت تعرض أفلاماً متنوعة وتجمع الناس للنقاش، رغم تراجع نشاطها بسبب الضغوط الاقتصادية والرقابية.

- تراجعت أهمية دور السينما بسبب العوامل الاقتصادية والسياسية وظهور وسائل ترفيه جديدة، مما أثر على التواصل بين الأجيال وأضعف الحاسة السينمائية، لكن إرثها يظل جزءاً مهماً من تاريخ سوريا الثقافي.

خسرت سورية الكثير الكثير مما تملك خلال حكم البعث، وتحديداً خلال حكم الأسدين الأب والابن. وتفاقمت خساراتها في سنوات الثورة. ولم تقف خسارات سورية عند موت الناس، وتدمير المدن، وخراب المؤسسات والاقتصاد. بل تعداه لتدمير الذاكرة، الذاكرة الوطنية، وذاكرة الأفراد، وكل الأشياء الجميلة التي يحكيها الآباء اليوم لأبنائهم وكأنها أساطير. أو خرافات عن بلاد أخرى بعيدة، او غير موجودة. 

قبل تأسيس جناق قلعة أول صالة سينما في دمشق عام 1916، كانت دمشق قد شهدت عروضاً في الهواء الطلق في ساحة المرجة منذ العام 1912. ولكن مثلَ كلّ شيء آخر، كانت حلب قد سبقتها بأربع سنوات وشهدت عروضاً سينمائية بدءاً من العام 1908.
ولم تنتشر دور السينما في المدن السورية حتى أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، إذ بدأت صالات السينما في الانتشار، وحملت الدور الأولى غالباً اسم المدينة، مثل سينما حمص وسينما الرقة، وحماة والقامشلي واللاذقية والحسكة وهكذا. 

 في مصياف دار سينما "سينما النور" التي كنا نسميها أيضاً "سينما الشوباصي" وهي عائلة صاحب ومؤسّس أول دار سينما في مصياف

وفي المناطق الأصغر مثل البلدات والنواحي، لم تفتتح صالات سينما بالمعنى التقليدي، بل كانت تشهد عروضاً متقطّعة في المدارس أو الأماكن المفتوحة أو صالات ثقافية أو اجتماعية، باستخدام شاشات عرض متنقلة، وخصوصاً في المناسبات الوطنية أو الثقافية، وبمبادرات من وزارة الثقافة أو مؤسّسة السينما بعد تأسيسها عام 1963.  حكت لي أمي، وهي مدرِّسةٌ تخرّجت من بين يديها أجيالٌ وأجيال من السوريين الأكفاء. حكت لي كيف كانت وأصدقاؤها، في أوائل السبعينيات وأواسطها، ينشطون ثقافياً ومعرفياً وسياسياً، كضربٍ من ضروب المغامرة والمقامرة على المستقبل، بالتوازي مع الواجب المهني، وكيف كان الكوكب حينها يغلي بالأيديولوجيا والفكر والجمال، وكم كان الجيل شغوفاً بالجمال ومشاربه.
قالت: كان لدينا في مصياف دار سينما "سينما النور" التي كنا نسميها أيضاً "سينما الشوباصي" وهي عائلة صاحب ومؤسّس أول دار سينما في مصياف، كانت تعرض الأفلام العربية، وخاصةً المصريَّة منها، وبعض الأفلام الأجنبية، ونتيجةً لوجودها في البلدة، انتشرت الثقافة السينمائية بين جيل الشباب، فشكلنا نادياً سينمائياً، تعقد فيه الندوات والحوارات حول السينما، ويُستضاف فيه خيرة المخرجين الشباب آنذاك، ومنهم: محمد ملص، عمر أميرلاي، هيثم حقي، وغيرهم. وقد استمر النادي بنشاطه بعد إغلاق سينما النور، التي تآكلت لتراجع جدواها الاقتصادية، وغياب الدعم عنها وعن صالات الأرياف عموماً. 
كان النادي متنقلاً، لكنني دوماً كنت أحبُّ أن أصل إليه من "حارة البلاط"، والبلاط هنا هو قطع حجرية كانت تكسو دروب الحي، لا الإسفلت، أسمع إلى الآن وقع خطواتنا عليه، وكيف كانت تلك الحجارة النظيفة المتساوية المتناظرة تلمع تحت ضوء الشارع بعد المطر، معلنةً نظافةَ كلِّ شيء؛ الريح والروح والحياة. أُغلق النادي بعدها نتيجة انقضاض الحياة علينا، وبعض التضييق الرقابي على الأفلام، التي كنّا نستميت للحصول عليها، وانصراف الناس لإدراك شكل التواؤم مع الحياة، في بلدٍ أوشكت على أن تكون أحاديَّة اللون والرائحة. ما أفضى إلى تلاشي النادي، ومعه "حارة البلاط".
على مدار نصف قرن، شكّلت دور السينما المحلية في سورية قلب الحياة الثقافية والاجتماعية للمدن والبلدات الصغيرة. من دمشق وحلب إلى بلدات مثل سلمية ومصياف وحماة وحمص، مروراً بمدن الجنوب والشمال والمناطق الشرقية مع أريافها مثل إدلب، ودرعا، ودير الزور. لم تكن هذه الصالات مجرَّد أماكن للعرض، بل فضاءات يلتقي فيها السكان يوميَّاً لمتابعة الأفلام العربية والعالمية، ولتبادل الحديث حول القصص والشخصيات، وللتواصل بين الأجيال المختلفة، لقد كانت فعاليات اجتماعية وثقافية حضارية حية، ونموذجاً للتواصل الاجتماعي حقيقياً لا يشوبه سعار التكنولوجيا والسياسة. واستطاعت هذه الدور أن تُحدث تغييرات في البنية الثقافية للمجتمعات المحلية، وتدخل مفاهيم وأسئلة جديدة إلى مجتمعات صغيرة محدودة، وتخلق نوعاً جديداً من العلاقات الاجتماعية والروابط بين الناس. 
ولم تكن الأفلام المعروضة مقتصرة على نوع معين، بل كانت تحتوي على أفلام مصرية ولبنانية، وأفلام القطاع الخاص السوري، ثم واعتباراً من منتصف الستينات شملت أيضاً السينما السوفيتية، وأفلام الحرب العالمية الثانية، وأفلام أوربا الشرقية، وغيرها. ولم يكن تعلّق الذاكرة بها مرتبطاً بالأفلام ذاتها، او موضوعاتها وتوجهاتها، بل الطقس المرتبط بها، والشكل الاجتماعي الذي تخلقه، ونوع اللقاء الثقافي بين الناس في مناطق قليلة الاحتكاك بالعالم، أصبح الفيلم بالنسبة لها نافذتها شبه الوحيدة للإطلال على هذا العالم. 
ولا أدلَّ على أهميتها من حضورها في الذاكرة الجماعية للأجيال التي عاشت تلك المرحلة، وارتباطها بذكرياتٍ كثيرة شخصية وعامة، حميمة وسياسية. وكثيراً ما ارتبطت حكايات عن زيجات وقصص حب بحضور فيلم معين، وكثيراً ما اطلق الآباء على بناتهم أسماء بطلات الأفلام التي شاهدوها.  ففي دمشق، التي عرض فيها حبيب الشماس عام 1912 صوراً متحركة في مقهى بساحة المرجة باستخدام آلة يدوية تعمل بغاز الأسيتيلين، والتي افتُتحت فيها أول صالة رسمية باسم "جناق قلعة" في شارع الصالحية، واحترقت بعد حوالى شهرٍ من الافتتاح. كانت صالة اليرموك (1960) وهي من أقدم الصالات، وقدمت لعقود عروضاً متنوعةً من الإنتاج المحلي والعالمي، وتراجع نشاطها تدريجيَّاً في أواخر التسعينيات بسبب ضغوط اقتصادية ورقابية. وصالة النصر (أوائل الستينيات، حي الميدان) وقد كانت وجهة رئيسية لأهالي حي الميدان، تجمع العائلات لمتابعة الأفلام المصرية والهندية، واستمرت لعقود عدّة قبل تراجع نشاطها واندثارها.
كذلك في المناطق الريفية مثل داريا، وبلودان، والزبداني، وبقين، وعين الخضراء، كانت هناك صالات عرض لفعاليات السينما والمسرح، وحتّى الغناء والموسيقى.
وفي حلب، التي شهدت عام 1896 عرض الصور المتحركة بواسطة آلة متنقلة، ما يجعلها أول مدينة سورية تعرف فن السينما، فكانت صالة النجمة (1963) مركزاً فنيَّاً واجتماعيَّاً مهماً، أغلقت أبوابها بعد عقدين أو ثلاثة، وصالة النور (حي العزيزية، 1970)، وقد كانت مكاناً شعبيَّاً للأطفال والشباب، يقدم عروضاً أسبوعيةً متنوعة، لكن النشاط انحسر تدريجياً، حتى تلاشى. وكذلك في الريف الحلبي، كانت صالة "الأمل" في الباب (1973) من الصالات الأساسية للأطفال والشباب حينها، وأغلقت تدريجياً بسبب ضعف الإقبال وارتفاع التكاليف.
وفي حماه، كانت صالة النجمة (1965) التي لعبت دوراً محورياً في الحياة الثقافية للمدينة، لكن العروض قلّت تدريجياً، حتى انعدمت. وفي الريف الحموي، كانت صالة اليرموك في السلمية (أوائل السبعينيات) وصالة النور في مصياف (1975) شهدتا تقلص النشاط تدريجياً حتى التلاشي.
وفي حمص، كانت "الأوبرا" أول صالة مطلع الأربعينيات. وصالة سينما الريف أيضاً (1972)، التي قدمت عروضاً أسبوعية، حتى أغلقت أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة.
وفي اللاذقية، صالة سينما البحر (منتصف الثمانينيات): كانت رمزاً للقاء الجماعي حول الفن، وظلت نشطة حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية.
وفي إدلب، افتُتحت عام 1942 أول صالة سينمائية داخل مقهى "البازار"، وبعدها جاءت صالة التحرير (1975)، التي قدّمت عروضاً محلية وعربية، لكنها توقفت منتصف التسعينيات. في درعا، صالة الوحدة (1972)، التي كانت نقطة التقاء المدينة والريف المحيط، لكنها أغلقت تدريجياً. في دير الزور، كانت صالة السينما الشرقية (1974): عرضت أفلاماً أسبوعية لعقود، لكن نشاطها انحسر حتّى تلاشى.

رغم الإغلاق، يظل إرث السينما المحلية السورية ذا قيمة كبيرة. يروي تاريخُها قصص تطور المجتمع، ويكشف كيف شكلت هذه الصالات الذائقة الفنية

وفي الحسكة افتتحت صالات محلية، مثل صالة "دجلة" عام 1964، وصالة "الوحدة". وصالة "الرقة" في الرقة (منتصف السبعينيات)، استمرت كلها لسنوات، لكنها أغلقت تدريجياً. ناهيك عن صالات سينما في القامشلي، كانت موجودةً قبل الاستقلال، وعفا عنها الزمن. وفي السويداء، أنشأ اللبناني عبدو سعادة أول صالة سينما في أوائل الثلاثينيات.
يمكننا حصر سنوات الازدهار الذهبية ما بين عامَي 1940 و1970، إذ تزايد عدد الصالات والدور السينمائية المحلية، وشهدت توسعاً وفعلاً مجتمعياً وثقافياً كبيرَين، فبلغ عددها حوالى 60 صالة عام 1957، وارتفع إلى 112 بحلول عام 1963،
كانت حوالى 48% من هذه الصالات في دمشق وحلب، أما باقي المحافظات فاستحوذت على النسبة المتبقية.
هذه الصالات أصبحت فضاءً ثقافيَّاً حيويَّاً، عرَّفت سكان المناطق الصغيرة على أعمال سينمائية عربية وعالمية، ما شكّل ذائقةً ووعياً سينمائيَّاً عند الجمهور المحلي.
رغم الإغلاق، يظل إرث السينما المحلية السورية ذا قيمة كبيرة. يروي تاريخُها قصص تطور المجتمع، ويكشف كيف شكلت هذه الصالات الذائقة الفنية، وكيف كانت نقطة التقاء بين الثقافة المحلية والإنتاج العالمي. المدن والبلدات والأرياف السورية كانت شاهدة على هذا التفاعل الثقافي والاجتماعي، الذي يعكس تجربة فريدة في تاريخ سورية المعاصر، ويظل جزءاً من الذاكرة الجمعية للسوريين، التي لعبت الدور المهم في تكوين الشخصية السورية، اجتماعياً وثقافياً.
نعم، انتهت هذه الدور والصالات وتآكلت نتيجة تداخل عوامل عدّة، منها الاقتصادية كارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، وإحجام رأس المال، ما أدى إلى تقليص العروض أو الإغلاق الكامل للصالات الصغيرة، بالإضافة إلى ولادة وسائل جديدة للفرجة، على سبيل النمو التقني للبشرية، إذ غزا التلفزيون البيوت، ومعه أشرطة وأجهزة الفيديو، فصار الفيلم يأتي إليك، ولا داعيَ لذهابك إليه، لا أنت ولا حبيبتك، ولا أسرتك ولا عائلتك، ولا جيرانك وأصدقائك، والحديث هنا عن مجتمعٍ كاملٍ يتفاعل مع بعضه البعض، ناهيك عمّا استُقدم بعدها من تطوُّرٍ لتِقْنية الفُرجة الكسولة، من فلاشات وأقراص تحتوي على مئات الأفلام، وبحر الإنترنت الذي فتح أمام الناس، ما زاد من عزلتهم، وهم لا يشعرون. 
منها السياسي أيضاً، فمع قدوم حزب البعث إلى السلطة، استُثمرت مجموعة جديدة من القيم، ذات عناوين تبدو رهيفة، لكنها حقيقةً كانت في خدمة ترسيخ الأيديولوجية الأحادية الحاكمة، ما كان له الأثر المباشر على الحياة الثقافية والسينمائية، فمن رقابةٍ صارمةٍ على الأفلام، إلى الحد من التجمّع الفيزيائي والفكري، وضغوطٍ لمراقبة النَّشاط الثَّقافي، أدَّت كلُّها إلى حصر العروض بموادَّ متوافقةٍ مع الرؤية الرسمية، ما قلَّل من قُدرة الصالات على جذب جمهورٍ متنوع. إضافةً إلى فرض الضرائب الكبيرة على استيراد وعرض الأفلام، ما شكَّل عبئاً ماليَّاً كبيراً على أصحاب الصالات في أغلب المحافظات السورية، الأمر الذي أفضى إلى توقف آخر الدور الخاصة عام 1982.
لنا في استوديو تشيتا تشيتا، الذي كان رحم الواقعية الإيطالية الجديدة، أسوةٌ حسنة، إن أردنا. وهذا بالإضافة إلى ما كان يسمى حينها التأميم، أي استحواذ الدولة على الخاص بذريعة أنه ملك للجميع، الأمر الذي كسر رونق العائلات والبرجوازيات السورية، التي أنتجت يوماً ما نُخَبَ الشارع الثقافيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ السوري، فكيف لهذا أن ينطبق على مواطن ومباعث مخاطبة الناس فنياً، وفق مزاجها، سطحياً كان ذلك أم عميقاً، تجارياً كان أم فكرياً، والحديث هنا ينسحب من السينما. 
مع إغلاق الصالات، فقدت المدن والبلدات الصغيرة والأرياف مساحة أساسية للتلاقي الثقافي والاجتماعي، لم يعد هناك مكان يجمع الأطفال والشباب والعائلات حول الفن، وتحولت متابعة الأفلام إلى تجربة فردية منزلية، ما أضعف التواصل بين الأجيال وفرص التفاعل المجتمعي الذي كانت توفره الصالات عقوداً.
فقدان هذه الصالات حرم المجتمعات الصغيرةَ من الفضاء الاجتماعيِّ واللقاء الثقافيِّ الجماليِّ مع الآخر، وأخَّر الحاسَّة السينمائية لدى الأجيال الجديدة، خاصَّة في المدن التي غابت عنها الصالات منذ أواخر الثمانينيات. 
اختفى التبادُل الثقافي والتواصل الاجتماعي الحقيقي، الذي كانت توفِّره الصالات، وأصبح الجمهور يعتمد على المنصات الرقمية والترفيه الفردي، زيادةً في عزلته وتضخم أناه، على امتلائها وفراغها.
اليوم، أمي، التي لا يسعفها قلبُها المتعب للوصول إلى "حارة البلاط" المفضي إلى سينما "النور" المنقرضة في مصياف، والمشي عبر دروب ذاك الحي المعبد الآن بالإسفلت والأسى والكثير من الذكريات. تقول لي، بعد أن ترمقني بعينَي ملكةٍ تفقد عرشها، وهي تضع نظارتها على نهاية أنفها المدبّب الأمير، وتتابع عبر هاتفها المحمول أخبار البلاد وفضائحها، علَّها تستشفُّ شكلاً ما لما تبقى من العمر:
«هاتِ شرشفي الوردي، ودثِّرني، علِّي أستطيع النوم».
مع أننا في نهايات الصيف، ومن المفروض، أنَّ الجوَّ حارٌّ جداً.

المساهمون