ذئب الفرات... العواء صدى لصوت أعمق

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 12:12 (توقيت القدس)
طفلة تقف عند شاطئ نهر الفرات المار من الرقة مع غروب الشمس (25/1/2026 عبد الله سعد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يُعتبر الذئب في حوض الفرات رمزًا للذاكرة والوحدة، حيث يعيش قريبًا من الإنسان ويُعرف بألقاب مثل "أبو سرحان". يُحب أهل البادية والريف الذئب لطبيعته الصريحة وقدرته على التحمل.
- في الشعر الشعبي، يُستخدم الذئب كرمز للقوة والدهاء، ويُظهر قدرة على مصالحة الإنسان مع مخاوفه، مما يجعله جزءًا من الحياة اليومية والذاكرة الجماعية.
- العواء في الليل يُوقظ مشاعر الوحدة والخوف، ويُعتبر الذئب رمزًا للصمود في وجه القسوة، مما يجعله جزءًا من الوجدان الشعبي والمخيلة كرمز للأرض الواسعة.

في حوض الفرات، لبعض الكائنات ذاكرة أطول من أعمارها، ‏والذيب أو الذئب واحدٌ منها؛ يمشي في آخر الليل، ويترك وراءه عواءً يعرفه أهل السهوب كما يعرفون أسماءهم.

"يا ذيب ليش تْعَوِي كبودك بعدهن صاغ
‏واني كبودي غدن جلد وعليه دباغ"


‏منذ هذا البيت، يصبح الذئب قريباً من القلب، كأن الشاعر لم يجد في آخر الليل أحداً يصغي إليه، فرفع صوته إلى ذئبٍ بعيد، يعرف الوحدة أكثر مما يعرفها البشر. ‏ذئب يعرفه أهل الشرق، ويشكون له وجعهم، ويسمعون شكواه، يخاطبونه في ليالي الحزن والشوق. 
‏في الجزيرة والفرات، عاش الذئب طويلاً في المسافة القريبة من الإنسان. كانت المراعي الواسعة تمنحه طريقه، وكانت الأغنام تمنحه سبباً للعودة. يعرفه الراعي من أثر قدمه، ومن حركة القطيع حين يشم رائحته، ومن ذلك الصباح الذي ينقص فيه رأسٌ من القطيع، ‏ومع ذلك، بقي للذيب في الكلام الشعبي منزلة خاصة، يسمونه الوحش ويسمّونه أبو سرحان وتخرج من اسمه أسماء وحكايات وأمثال، ‏حين يُقال ''أبو سرحان'' يبدو الاسم كأنه اسم رجل يعرفه الناس، له سيرة في البرية وحكايات في المجالس، ‏هذه الألفة الغريبة جاءت من طبعه. 
‏الذئب حيوان يعيش كما ولد. وحيداً، حذراً، شديد الانتباه، يعرف متى يقترب ومتى يختفي وفي طباعه شيء يحبه أهل البادية والريف: الصراحة. يمشي على سجيته، ويحفظ طريقه، ويحتمل الجوع والبرد والمسافات الطويلة، ‏ربما لهذا أحبوه. ‏وقد يطارد الرجل ذئباً لأنه أخذ شاة من قطيعه، ثم يجلس في الليل نفسه يحكي عن شجاعته.

الذئب والشاعر وحدتان في مكان واحد، ‏لعل الذئب كان قريباً من الشعراء لهذا السبب تحديداً، ‏كلاهما يعرف المسافة، الذيب يمشي في السهوب وحيداً، والشاعر يجلس في الليل وحيداً

حين يصبح الوحش قريباً يصبح أليفاً، ويصبح جزءاً من الذاكرة ومن لغة الحياة اليومية، و‏اللغة الشعبية تعرف كيف تصالح الإنسان مع الأشياء التي تخيفه، تمنحها اسماً، ثم تحكي عنها، ثم تجعلها جزءاً من الحياة، ‏الذئب دخل إلى هذه اللغة من أوسع أبوابها، ‏صار الوحش، وصار أبو سرحان، وصار اسماً يُستعار للرجال، وصورةً للقوة والدهاء والقدرة على احتمال البرية.

‏وفي الشعر الشعبي، ازدادت المسافة قرباً: 
"ذيبٍ خمشني وسطا مجروح من نابو
‏لا تلجمون القلب مكوّى على حبابه"


يضع الشاعر يده على جرح الذئب، ثم يكتشف أن قلبه أكثر نزفاً، ناب الذئب يصير صورةً للحب، والخمش يصير ذكرى، والحيوان الذي يهاجم القطيع يصبح شريكاً في حكاية العاشق. وهنا تظهر واحدة من أجمل خصائص الشعر الشرقي: البرية كلها قابلة للكلام. الريح تُسمع، القمر يُسأل، الفرس يُخاطب، والذئب يجلس في الجهة الأخرى من الليل، يسمع.
الذئب والشاعر وحدتان في مكان واحد، ‏لعل الذئب كان قريباً من الشعراء لهذا السبب تحديداً، ‏كلاهما يعرف المسافة، الذيب يمشي في السهوب وحيداً، والشاعر يجلس في الليل وحيداً. واحدٌ يعوي والآخر يغني، واحدٌ يبحث عن فريسته والآخر يبحث عن كلمةٍ تحمل وجعه.
وفي النايل، تصبح هذه القرابة واضحة:
"الذيبه بالكهف عميا وضناها مجيع
‏ينهونا عن الولف عي الدليل يطيع"

‏تظهر الذئبة هنا كأنها امرأة من حكاية قديمة: كهف، عيون فقدت نورها، وصغار جائعة، وحين يدخل العشق إلى البيت، تتغير صورة الذئبة كلها يصبح الفقد واحداً، سواء خرج من قلب إنسان أو من كهف في البرية. الشاعر يرى نفسه فيها، وهذا سرّ آخر من أسرار الذئب في الشعر: يستطيع أن يكون مرآة.
عواء في آخر الليل، فللذئب علاقة خاصة بالليل، ‏في السهوب الشرقية، حين يهبط الظلام وتبتعد أصوات القرى، يصير العواء جزءاً من المشهد،  صوتٌ يأتي من مكان بعيد، ثم يذوب في المسافة، ولهذا ترسخت في المخيال الشعبي صورة الذئب الذي يعوي ولا يجد صدى.

"يا ذيب ياللي تالي الليل عويت
‏زدت المواجع يوم صوتك سمعته"

أهل الشرق رأوا في الذئب شيئاً من أنفسهم، في عناده شيء منهم، في وحدته شيء منهم، في قدرته على احتمال القفر شيء منهم

العواء هنا يوقظ شيئاً في الإنسان ربما ذكرى، ربما خوفاً، وربما وحدةً قديمة ولهذا ارتبط الذئب بالسهر في الشعر الشعبي؛ فالليل مساحته، والعواء لغته، والشاعر أكثر الناس قدرةً على فهم الأصوات التي تأتي من بعيد. ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن الذئب في السهوب الشرقية لا يحتاج إلى جمهور، يعوي للفضاء، والفضاء يكفيه. الذئب يسكن الشعر، و‏تتكرر صورة الذئب في الشعر الشعبي بصور مختلفة؛ مرةً كرفيق، ومرةً كخصم، ومرةً كرمز للقوة، ومرةً ككائنٍ يشبه العاشق في وحدته.

"دزيتلك يا ذيب الحويجة
‏ونريد يا مشذوب البنيجة"


‏وفي مثل هذه الأبيات، يتقدم الذئب خطوة أخرى نحو الإنسان. يُرسل إليه الكلام، وتُطلب منه النجدة، ويصبح حضوره جزءاً من الفروسية والمواجهة. حتى حين يكون الذئب مؤذياً، يبقى في الشعر محتفظاً بهيبته، وهذه الهيبة هي التي حفظته في الذاكرة، فالناس في الشرق عاشوا قريبين من البرية، عرفوا قسوتها، وعرفوا الحيوانات التي تسكنها، وعرفوا أن لكل كائن طريقته في النجاة. لذلك دخل الذئب إلى الوجدان كما دخلت النخلة والنهر والفرس والليل، صار جزءاً من صورة المكان.
بقي الذب حاضراً في المخيلة الشعبية، ‏ربما لأن الذئب يشبه الأرض التي عاش فيها.
‏أرض واسعة، قليلة الكلام، تعرف الجوع وتعرف الانتظار. أرض يستطيع الإنسان فيها أن يمشي ساعات ولا يرى أحداً، ثم يسمع في آخر الليل عواءً يأتي من بعيد.
وربما لأن أهل الشرق رأوا في الذئب شيئاً من أنفسهم، في عناده شيء منهم، في وحدته شيء منهم، في قدرته على احتمال القفر شيء منهم، وفي عوائه الذي يضيع في المسافة شيء من أصواتهم التي حملتها السنوات ولم تجد دائماً من يسمعها.
لهذا بقي أبو سرحان في الكلام، وبقي الوحش في الحكايات، وبقي الذئب في النايل، يخرج من بيتٍ شعري قديم كلما احتاج عاشقٌ إلى أحدٍ يشكو إليه.
‏يمشي الذئب في آخر السهوب وبينه وبين الشاعر ‏ليلٌ طويل وعواء.