دير الزور... جوهرة منسيّة بين باديةٍ وفرات

15 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 09:30 (توقيت القدس)
رجال يعبرون نهر الفرات في دير الزور، 24 ديسمبر 2024 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعرضت دير الزور لدمار واسع بسبب القصف من نظام الأسد، حيث دُمرت أكثر من نصف أحيائها وقتل عشرات الآلاف، مع تدمير الجسر المعلق، رمز المدينة.
- شهدت المدينة مراحل متعددة من السيطرة منذ 2011، من نظام الأسد إلى الفصائل الثورية و"داعش"، ثم انقسامها بين ميليشيات إيرانية وقوات "سوريا الديمقراطية"، مع محاولات إيرانية لتغيير الهوية الثقافية.
- تحتوي دير الزور على حقول نفطية وغازية مهمة، وتتميز ببنية عشائرية قوية، حيث لعبت شخصياتها أدواراً وطنية بارزة في التاريخ السوري.

أكثر من نصف أحيائها دمّرتها براميل الأسد المخلوع، وآلته التدميرية المتوحشة، فقتلت عشرات الآلاف من أهلها وسكانها وهجّرتهم. جسرها الذي ظل معلقاً على نهر الفرات نحو مائة عام، لم يسلم من حقد وتشفٍ. كان الجسر المعلق الثاني في العالم، والمعْلم البارز الذي قُتل عدد من أبناء المدينة في أثناء تشييده، فسقط بقذيفةٍ واحدة. كان الشريان المعلق بنياط القلوب ويربط بين ضفتين.

إنها مدينة دير الزور، تلك الجوهرة المرمية والمنسية ما بين بادية الشام ونهر الفرات. كثيرون من أهلها الذين عادوا إليها حاديهم الشوق وحرقته، بعد تحرير سورية، وقفوا على أطلال أحيائها المدمّرة، مشدوهين تجتاحهم الحسرات وتخنقهم العبرات، من هول الكارثة التي حلّت بمدينتهم. وبحسب مصادر محلية، نحو 80% من أبنية دير الزور مدمّرة، فأغلب الأحياء غير صالحة للسكن، مثل: الرشدية، والجبيلة، والعرضي، والعرفي، والتكايا، والشيخ ياسين، والحميدية، والحويقة، والمطار القديم، والصناعة، والشارع العام، وسواها.

لعبت شخصياتٌ من محافظة دير الزور أدواراً وطنيةً مشهودة منذ تشكل الدولة السورية في عشرينيات القرن المنصرم

ما تزال ذاكرة هذه المدينة التي تبعد عن العاصمة دمشق نحو 500 كيلومتر شرقاً، تئنّ تحت وطأة المذابح التي ارتكبها نظام الأسد المخلوع بأهلها. في سبتمبر/ أيلول من عام 2012، ارتكب النظام أقسى مجازره في مدينة دير الزور وأبشعها، بعد مقتل واحد من مجرميه الذين درجوا من أعشاش التاريخ المظلمة وهو علي خزام الذي ارتكب مذابح في كل أنحاء سورية. قتل نحو 400 مدني بأحطّ الطرق من قبل جلاوزة الأسد الذي كان في حينه غير مصدّق أن الشعب السوري كسر قيده. قالت العرب: "احذر ضربة الجبان"، فهي تأتي غادرةً. وهكذا كانت ضربات النظام البائد الذي ما تردّد في ارتكاب المذابح وتدمير المدن وتهجير الناس، فالتاريخ لم يعرف يوماً بطشاً وقسوةً ووحشيةً كالتي حدثت في سورية بين عامي 2011 و2024.
اقتحمت فرق الموت حيي الجورة والقصور في دير الزور، وارتكبت المذبحة حرقاً وذبحاً وتصفية بالرصاص بحق أبناء الحيين من رجال ونساء وأطفال. أحصت المراكز الحقوقية مئات القتلى في المساجد والمدارس والأفران والمستوصفات. تحدّث ناجون عن أهوال ما جرى لكسر إرادة مدينة كانت سبّاقة في إعلان الثورة ضد نظام الأسد. ولكن المدن الحيّة لا تموت. كانت دير الزور لنحو 50 سنة من المحافظات المهملة، وكانت تذهب مواردها النفطية إلى حسابات سرية لعائلة الأسد في الخارج. لم يعرها النظام إلا النزر اليسير من الاهتمام، فلا مشروعات اقتصادية كبرى ولا خدمات تعادل الثروات النفطية والنفطية التي تخرج من أرضها، فهي: "كالعير في الصحراء يقتلها العطش/ والماء فوق ظهورها محمول".

تعوم محافظة دير الزور على بحر أسود، فكبريات حقول النفط داخل حدودها الإدارية، وخاصة شمال نهر الفرات

مرّت دير الزور منذ عام 2011 وحتى يوم التحرير في 8 ديسمبر (2024) بمنعرجات متضادّة. فمن سيطرة نظام الأسد إلى سيطرة فصائل ثورية وإسلامية معتدلة، وصولاً إلى عام 2014 حيث فرض تنظيم "داعش" سيطرة كاملة على الجانب الأكبر من المدينة وكل ريفها مترامي الأطراف، بعد ارتكاب مذابح لا تقل وحشية عن مذابح الأسد، لعل أكثره سواداً مجزرة "الشعيطات" الشهيرة التي راح ضحيتها مئاتٌ من أبناء هذا الريف. حافظ نظام الأسد على سيطرته على مطار دير الزور وأحياء قريبة منه، عانت الكثير نتيجة الاقتتال المستمر والقصف، إلى أن اندحر التنظيم بدءاً من عام 2017 وانشطرت المحافظة التي تعد ثاني أكبر المحافظات السورية لجهة المساحة (أكثر من 30 ألف كيلومتر مربع)، إلى قسمين؛ الأول جنوب النهر سيطرت عليه ميلشيات إيرانية طائفية، والثاني شمال النهر ذهب لقوات "سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. تحوّلت دير الزور إلى ميدان واسع لتبادل الرسائل الدامية ما بين طهران وواشنطن زمناً ليس بالقصير. لم ينتظر الإيرانيون طويلاً قبل البدء بمحاولات العبث بمدن المحافظة الثلاث وهي: دير الزور، والميادين، والبوكمال. نشروا عشرات المليشيات الطائفية القادمة من وراء الحديد، من "فاطميون" إلى "زينبيون" وسواهما من المليشيات، وبدّلوا أسماء الشوارع، وخاصة في الميادين، إلى أخرى ذات أبعاد طائفية واضحة، فشارع "الجيش" صار اسمه شارع "الإمام العباس"، وشارع "أبو غروب" أصبح شارع "الشهيد قاسم سليماني"، وشارع "ساقية الري" إلى شارع "فاطميون". وفي المدن الثلاث افتتحوا مراكز تعلّم الأطفال اللغة الفارسية وتعاليم المذهب الشيعي، مستغلين الأوضاع المعيشية الكارثية للسكان. كانت دير الزور في قلب المشروع الإيراني في سورية، لذا أقام الحرس الثوري قواعد عسكرية تحت عناوين طائفية، أبرزها قاعدة "الإمام علي"، في سياق مشروع هدفه فرض سيطرة كاملة على دير الزور من النواحي كافة. ولكن الثامن من ديسمبر من العام الفائت كان الفيصل بين مرحلتين: مرحلة تبعية وارتهان وعبث بالهوية، ومرحلة استرداد الكرامة والهوية. لم يبق للإيرانيين أي وجود اليوم في محافظة دير الزور التي دخلت مرحلة التعافي والنهوض من جديد.

ثمة عدد من الديريين الذين تركوا بصمات خاصة في التاريخ السوري المعاصر

تعوم محافظة دير الزور على بحر أسود، فكبريات حقول النفط داخل حدودها الإدارية، وخاصة شمال نهر الفرات، حيث حقل "العمر" الشهير الذي تحوّل إلى مقر للتحالف الدولي وقاعدة كبيرة له. وإلى جانبه، حقل "كونيكو" للغاز، وحقول وآبار لا تقل أهمية تضع اليوم قوات سورية يدها عليها، بعد أن كانت أحد أهم مصادر تمويل "داعش" في سورية. في محافظة دير الزور بنية عشائرية قوية، فكل سكانها مدينة وريفاً هم من العرب الذين ينحدرون من قبائل ذات تاريخ وصيت، ولعل أبرزها: العقيدات، والبكّارة، وتتفرع عنهما العشرات من العشائر الموزّعة على جانبي النهر. لعبت شخصياتٌ من محافظة دير الزور أدواراً وطنيةً مشهودة منذ تشكل الدولة السورية بحدودها المعروفة اليوم في عشرينيات القرن المنصرم. وعندما تُذكر دير الزور يُذكر واحدٌ من أبنائها المعروفين أصحاب التاريخ والمجد الوطني، وهو رمضان شلاش الذي كان له دور كبير في محاربة الإنكليز أولاً والفرنسيين تالياً في المنطقة الشرقية من سورية، وهزمهم في أكثر من معركة. وكان له دور عسكري بارز في الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين (1925 - 1927). وتذكر مصادر تاريخية أن ونستون تشرشل الذي كان وزير المستعمرات البريطانية آنذاك ورئيس الوزراء البريطاني سابقاً، قال إن لبريطانيا العظمى عدوين، لينين في الشمال (قائد الثورة البلشفية في روسيا)، ورمضان شلاش في الجنوب. وكان إعلام النظام البائد يتجاهل ثورة رمضان شلاش ويركّز على ما هو أدنى من ثورات قامت ضد الفرنسيين، للتقليل من شأنه في الذاكرة السورية. وإلى جانب شلاش، ثمة عدد من الديريين الذين تركوا بصمات خاصة في التاريخ السوري المعاصر، منهم جلال السيد (1913 - 1992)، أحد مؤسسي حزب "البعث" في أربعينيات القرن الفائت، والذي انسحب منه لاحقاً بسبب خلافاته مع قادة الحزب في الخمسينيات. ويبرز المفكر القومي العربي ياسين الحافظ (1930 - 1978)، كواحد من أهم أبناء محافظة دير الزور الذي لم تمهله الحياة طويلاً. أنجبت دير الزور العديد من الشعراء الذين يذوبون عشقاً بها وبفراتها. يقول أحدهم بعد أن اكتوى بنار الغربة زمناً:
يذوب القلب عشقا واضطرابا      وهذا البعد يكويني اغترابا
ويحملني حنين الدير طيرا       على الشطآن أرتشف العُبابا
ففي حب الفرات صرفت عمري  وفي عشق الفرات صبا وشابا

المساهمون