استمع إلى الملخص
- دور العقلاء في توحيد سوريا: لعب القادة مثل صالح العلي وسلطان الأطرش دورًا مهمًا في توحيد البلاد وتهدئة الأوضاع، رغم أن التدخل العسكري المبكر أعاق الوحدة الكاملة.
- الوعي التاريخي والانفصال عن المركز: السوريون يخطئون عندما يتحدثون عن الانفصال، حيث أن الانفصال عن أي جزء يعني فقدان الهوية السورية، والمشكلة تكمن في تسلط المركز وليس في فكرة الوطن.
الجيد الوحيد في سورية أن لا شيء يحصل فيها لم يحصل سابقاً. فهي بلاد تُكرّر نفسها بطريقة تجعل التنبؤ بأفعالها سهلاً. تأخذ أحياناً وقتاً طويلاً لتكرّر فعلاً ما، وأحياناً تكرّره مرّات متتالية متقاربة من دون كلَل.
الرغبة الشعبوية بالانفصال عن سورية، مثلاً، يعبَّر عنها اليوم بطرق مختلفة، بيانات، خطابات، مقالات، وأخيراً مظاهرات في الساحل وقبلها في السويداء. ومن معالم خفّة ظل سورية أن القامشلي لا تُشارك بقولها.
أسباب ذلك مفهومة، فهو شعور تصاعد بعد مجزرتين كبيرتين، ذُبح فيهما آلاف السوريين على يد مئات آلاف السوريين الآخرين. فالطبيعي أن يصبح الخوف من سورية نفسها، بوصفها أم القتلة، التي لم تعد أمّاً للقتلى. لكن ما يفترض أن يكون مفهوماً أكثر أن سورية تُكرّر ذلك للمرة الثانية خلال قرن واحد. وقد فعلته هكذا، وعاشت هذا الشعور عشرة أعوام أو خمسة عشر، ثم تراجعت عنه، وعادت إلى رُشدها، واختارت "أن ترف أمانيها" و"تخفق أفئدتها" على "علمٍ يضم شمل البلاد".
في تلك الأيام صدرت بيانات، وكان اسمُها عرائض آنذاك، استنجد عبرها بعضهم بالإنكليز، وناشد آخرون الفرنسيين، ومالت قلوب بعض للألمان، كما يفعل الآن من يرفعون علم إسرائيل، أو يستنجدون بفرنسا، أو تميل قلوبهم لتركيا.
كل ما احتاج إليه الأمر وقتها عقلاء من أمثال صالح العلي، عزيز الهواش، سليمان الخيّر، وديع سعادة، إلياس عبيد، صقر خير بك، سلطان وحسن وعبد الغفار الأطرش، رشيد طليع، صديق إلياس، منير عبّاس، محيي الدين أحمد، محمد العايش، تركي الخرشان، محمد نوري الفتيح، تركي النجرس وجابر العاني... وبالطبع، رجالات الكتلة الوطنية من أبناء المدن مثل: هاشم الأتاسي وشكري القوتلي وسعد الله الجابري وفارس الخوري وجميل مردم بك.
حين رفع هؤلاء أصواتهم، خفتت الأصوات الأخرى، لا لأن أصواتهم أعلى، ولا لأن مدافعهم أضخم، بل لأنهم تحسّسوا المستقبل، ولمسوا نبض الناس، وعرفوا أن لا معنى لهم، ولا لأقاليمهم الضئيلة إلا ضمن وطنٍ أكبر يتشاركون بناءَه من الصفر ويصعدون به إلى "عالي السما". وهذا ما فعلوه، وكادوا ينجحون في إنجازه حتى النهاية، لولا انقضاض العسكر باكراً على الوطن الوليد.
في هذه الأيام، نرتكب، نحن السوريين، خطأً لغوياً مفاهيمياً، لم يرتكبه أجدادنا، إذ إننا نقول: الانفصال عن سورية. وهذا تعبير بلا معنى، لأنها بانفصال أي جزء منها لا تعود سورية، تصبح شيئاً آخر، أي شيء.
يمكنك القول: الانفصال عن دمشق. بوصفها المركز وبوصفها العاصمة. وهذا ما كان يقوله أجدادُنا الغاضبون بين عامي 1920 و1936. ليس فقط في المناطق التي تغلب عليها صفة طائفية محدّدة، مثل الساحل أو السويداء، بل في حلب أيضاً، وفي دير الزور. لأنهم كانوا أكثر وعياً منّا، وأكثر قرباً للتجربة نفسها التي كرّروها عن أزمنة سابقة لهم، حين كانت هذه المناطق نفسها تتنقل في تبعيّتها (السياسية أو الإدارية لا فرق) بين أنطاكية وطرابلس وبغداد ودمشق وأستانة والقاهرة...
لذلك كانوا يفهمون أنهم غاضبون الآن من تسلّط هذا المركز، وليس من فكرة سورية، ففكرة سورية أساساً لا يمكن أن يكون لها وجود إلا حين يخفت غضبهم، أو حين يتغيّر الشخص الجالس في قلعة دمشق. والأمران تكرّرا كثيراً أيضاً.
المشكلة أن المنتبهين لتكرار سورية أفعالَها هم أعداؤها، بينما يندهش أبناؤها في كل مرّة.