دروس معاوية التي لا تَبهَت... كيف تحكُم دمشق 40 عاماً بكلمة سرّ واحدة؟
استمع إلى الملخص
- التسامح الديني: أظهر مرونة في التعامل مع المجتمعات المتنوعة، واحتفظ بعلاقات جيدة مع المسيحيين، مما ساهم في استقرار حكمه، حيث سمح لهم بممارسة شعائرهم بحرية.
- التحديات والإنجازات: رغم التحديات من بعض الصحابة، نجح معاوية في بناء أسطول بحري قوي وتوسيع نفوذ الدولة، مما أدى إلى ازدهار اقتصادي وتجاري.
دَرَجت ثقافتنا المتناقلة على اعتبار معاوية بن أبي سفيان مُعلّماً معيارياً لكل من يريد حكم بلاد الشام، أو بعضٍ منها. واعتادت تقييماتنا الأولى على تصنيف الحكّام إلى "ناجحين" فهموا معاوية ولبسوه، و"فاشلين" جهلوه أو تجاهلوه. ... وفي اللحظة الراهنة من تاريخ سورية، كما في كل اللحظات المفصليّة والحسّاسة، ربما نحتاج لاستعادة شيءٍ من ملامح الحكم في فترتي معاوية (الوالي 20 عاماً ثم الخليفة 20 أخرى) والتي أدار بها حكماً إسلامياً ناجحاً في بلادٍ يشكّل فيها المسلمون أقلية صغيرة. ونجح في إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمعات المتنوعة في المدينة ثم الولاية ثم الإمبراطورية.
يبحث كاتب هذه المطالعة، تيسير خلف، في المصادر المسيحية والإسلامية عن طبيعة الحكم، ومدرسته، في تلك الفترة، ويعرض لملامح وحوادث صالحة لتكون درس معاوية الأبدي.
وصل معاوية بن أبي سفيان إلى حكم دمشق بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان، أحد أكبر قادة جيوش الفتح الإسلامي، وصاحب الانتصار الأول على البيزنطيين في معركة الداثنة أواخر العام 12 للهجرة. اكتسب شهرته بسبب فتحه قيسارية، أكثر مدن بلاد الشام تحصيناً، عاصمة فلسطين الرومانية والبيزنطية، بطريقة غير تقليدية زاوج فيها بين القبضة العسكرية الثقيلة، والحصار، والخدعة ومفاجأة العدو، الأمر الذي جعله الخيار الأنسب أمام الخليفة عمر بن الخطاب حين استعرض الأسماء المرشحة لحكم دمشق بوصفها عاصمة بلاد الشام. والظاهر أن معاوية، منذ اللحظة التي جلس فيها على كرسي الحكم في دمشق، قرّر أن يعمل لكي يبقى على ذلك الكرسي حتى مماته، ولذلك درس واقع دمشق وبلاد الشام دراسة المتمعّن، وقرّر التعامل معه كما هو، من دون إشغال نفسه بتغييره.
احتفظ معاوية بالبيروقراطية البيزنطية، وضم القوات العربية التي كانت منخرطة ضمن الجيوش البيزنطية
عرب الشام
لافتٌ على هذا الصعيد احتفاظ معاوية بالبيروقراطية البيزنطية، ممثلة بمنصور بن سرجون وعائلته، وضم القوات العربية الشامية التي كانت منخرطةً في الجيوش البيزنطية لتصبح عماد قواته.
مؤكّد أن منصور بن سرجون، وهو وكيل الإمبراطور هرقل في سورية ومعتمده المالي، عقد صفقةً ما مع المسلمين في أثناء الفتح الأول لدمشق سنة 13 هجرية، ثم كان له الدور الأبرز في حسم معركة اليرموك المفصلية سنة 15 هجرية، حيث تتهمه المصادر المسيحية بالخيانة، وتتحدّث عن المكيدة التي دبرها للجيوش البيزنطية المتحصّنة في موقع الواقوصة في جنوب الجولان، وأدّت إلى مقتل 50 ألف جندي بيزنطي، وما تلا ذلك من نهاية المقاومة والانسحاب من سورية.
نجد هذه القصة بتفاصيل مشابهة في المصادر العربية الإسلامية، ولكنها تسمّي البطل العربي المسيحي الذي خدع الروم باسم أبي الجعيد، وهذا اسمُه المعروف عند العرب في ذلك الوقت، فلمنصور بن سرجون كنية عربية إذن، هي "أبو الجعيد"، وهو، بحسب بعض المصادر من "متنصرة غسّان". لم يعتنق منصور الإسلام، ولا ابنُه سرجون أشهر وزراء الدولة الأموية حتى عهد عبد الملك بن مروان، وكذلك حفيده الذي سيعرف باسم القدّيس يوحنا الدمشقي. وبقيت العائلة على إيمانها، رغم الدور الكبير الذي لعبته في إدارة دولة دمشق، ثم الإمبراطورية العربية التي امتدّت على ثلاث قارّات.
تسترسل المصادر العربية الإسلامية بالحديث عن دور بني كلب، القبيلة القضاعية التي استوطنت بلاد الشام قبل الإسلام بقرون طويلة، وكانت من جملة القوات العسكرية العربية في الجيوش البيزنطية، وقد رصدت لنا المصادر العربية ذلك التنافس بين قضاعة المسيحية و"غسّان" المتنصّرة حديثاً، والوافدة إلى بلاد الشام في القرن الرابع الميلادي، وكيف أن "غسّان" انتزعت السيادة منها ونالت الحظوة عند البيزنطيين.
ولا مبالغة في القول إن المصادر البيزنطية والسريانية لم تجد أمامها عند حديثها عن الحروب البيزنطية - الساسانية سوى العرب على الجبهتين المتقاتلتين، وقد وصل الأمر إلى طلب المساعدة العاجلة من القبائل العربية المقاتلة في بلاد الشام للدفاع عن العاصمة القسطنطينية في عهد الإمبراطور فالنس (328 - 378) ضد البرابرة الجرمان.
إذن؛ هذه هي القوة المزدوجة: البيروقراطية الإدارية، والعسكرية المختلطة، التي اعتمد عليها معاوية في بناء دولته وتوسّعها الإمبراطوري من حدود الصين إلى أسوار القسطنطينية، معتمداً على جيوش جرّارة ذات خبرة قتالية عالية، وأسطول بحري كان الأكبر في زمنه بني وأدير بقوة البحارة المصريين الأقباط، والمقاتلين المسيحيين من عرب الشام والجزيرة الفراتية، مع من انضاف إليهم من العرب المسلمين القادمين من نجد والحجاز.
أبو ذر الغفاري وأهل الذمّة وكنز المال
في سنوات خلافة عمر بن الخطاب، التزم معاوية جانب الحذر، ولم يُقدم على خطواتٍ قد تستفز الخليفة وتُفضي إلى عزله. ومن ذلك تأجيله فكرة بناء أسطول بحري يحمي سواحل الشام من الهجمات المتكرّرة للبيزنطيين، والتي وصلت إحداها إلى استعادة إحدى مدن الساحل المهمة، طرابلس الشام. كان رأي الخليفة عمر المتصلّب، مستنداً إلى غرق إحدى الحملات البحرية التي أرسلها إلى سواحل البحر الأحمر من جهة الحبشة، إذ حمَّل نفسه المسؤولية عن أرواح المسلمين الغرقى، فحسم أمرَه بعدم إرسال مسلمين آخرين في حملاتٍ بحريةٍ أخرى.
بعد وفاة الخليفة عمر وتسلم الخليفة عثمان قيادة دولة المسلمين، عاد مشروع الأسطول البحري إلى الظهور، وكان الهدف الأول جزيرة قبرص التي كانت محطّة للهجمات البحرية على سواحل الشام. وبعد هذه الحملة، ظهر الخلاف الأول بين معاوية والصحابي أبي ذر الغفاري الذي رفض توزيع حصّة من الغنائم على الجنود المسيحيين السوريين والمصريين المشاركين في الحملة، رغم إصرار معاوية على ذلك، إضافة إلى رفضه تخصيص مبالغ لصيانة السفن، لأن المسيحيين بنظره كانوا "خولاً لنا" (أتباعاً)، ولا تجوز معاملتهم على قدم المساواة مع المسلمين.. ونتيجة ضغوط كبار الصحابة المشاركين في حملة قبرص، رضخ معاوية لهم مُكرهاً، غير أنه عاد لتجاوزهم في الحملات اللاحقة، حيث أكد المؤرخ الماروني ثيوفيلوس الرهاوي (695–785م) أن غنائم الحرب كانت توزّع بالتساوي بين الجنود المسلمين والمسيحيين.
اصطدم معاوية مع أبي ذر الغفاري مرّتين، إحداهما من أجل المسيحيين
وثمّة حادثة أخرى مشهورة، وجيرت عبر التاريخ لذمّ معاوية والتشهير به بسبب الفتنة السياسية التي تلت اغتيال الخليفة عثمان، وقد وقعت بين أبي ذر الغفاري ومعاوية مجدّداً، وهي مشكلة كنز الأموال، حين اعترض أبو ذرّ على كنز الأموال. لم يكن الغفاري يدرك أهمية وجود خزينة للدولة مخصّصة للبنى التحتية وتمويل البيروقراطية الإدارية، والعطاءات (الرواتب) المنتظمة للجنود، فشنّ حملة شعواء في دمشق، وراح يحرّض الناس ضد معاوية. ورغم محاولات الأخير إقناعه بأن الآية التي نزلت في كنز الأموال تخصّ أهل الكتاب ولا علاقة لها بالمسلمين، إلا أن أبا ذر واصل حربه ضد معاوية، الأمر الذي اضطرّه لأن يطلب من الخليفة عثمان إعادته إلى المدينة، وهذا ما حصل.
عبادة بن الصامت ومشكلة بيع الخمر
بدأت مشكلات الصحابي عبادة بن الصامت مع معاوية فور وصوله إلى دمشق، بناء على طلبٍ من الخليفة عمر ليعلّم المسلمين الجدد القرآن، فقد أنكر على معاوية بعض المسائل، وقال له "لا أساكنك بأرض"، وغادر دمشق غاضباً، فقال له عمر: "ارحل إلى مكانك، فقبّح الله أرضا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك". وهذا الدعم من الخليفة عمر منح عبادة بن الصامت سلطةً كان يرى أنها تخوّله التدخّل في شؤون الدولة، ففي إحدى المرّات كان عُبادة مع معاوية، فقام خطيب يمدح معاوية، ويثني عليه، فقام عبادة بترابٍ في يده، فحشاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عُبادة: إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومكسلنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحقّ حيث كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا في أفواههم التراب".
ووصلت المشكلات بين عُبادة ومعاوية إلى أوجها، حين مزّق عبادة قطارة (أي عربة مقطورة) لأحد تجّار الخمر في دمشق، حيث مزّق بشفرته أزقاق الخمر المحمولة فيها على مرأى من الناس في سوق دمشق. فأرسل معاوية إلى أبي هريرة يقول له: "ألا تُمسك عنا أخاك عُبادة، أما بالغدوات، فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي، فيقعُد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا". فأتاه أبو هريرة، فقال: يا عُبادة، ما لك ولمعاوية؟ ذرْه وما حمل، فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة. وكتب معاوية إلى عثمان: إن عُبادة قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك، وإما أن أخلي بينه وبين الشام. فكتب إليه: أن رحِّل عُبادة حتى ترجعه إلى داره بالمدينة".
مسيحيو القدس نظموا احتفالات لتنصيب "الملك" معاوية
أسرار الحكم
وكي نعرف كيف نجح معاوية في حكم مجتمعاتٍ أغلبها من المسيحيين، لا بد من مراجعة المصادر المسيحية المبكّرة، إذ تشير الحوليات المارونية إلى احتفالات جرت في أورشليم (القدس) سنة 971 من التقويم السلوقي، والتي تعادل 660 ميلادية، لتنصيب معاوية ملكاً. ويبدو أن هذه الاحتفالات نظّمها المسيحيون بمناسبة نجاته من محاولة الاغتيال. ويقول المصدر الماروني إن معاوية صعد وجلس على الجلجثة (مكان صلب يسوع) وصلّى هناك، وذهب إلى كنيسة الجثمانية التي يعتقد المسيحيون أن يسوع صلّى وبكى عليها، قبل أن يعتقله الجنود الرومان، ثم نزل إلى قبر مريم المباركة، عند جبل الزيتون ليصلّي فيه.
وقد توهم بعض هواة التاريخ أن هذا المقطع يؤكّد أن معاوية كان مسيحياً، وهو، في حقيقة الأمر، كان سياسياً يراعي أن رعيته تتكوّن في غالبيتها من المسيحيين، ولذلك عليه أن يكسب ثقتهم. ويشير المصدر نفسه في المقطع التالي إلى أن المسلمين اجتمعوا بعد ذلك، وتحديداً في شهر يوليو/ تموز، وأعلنوا ولاءهم لمعاوية، ثم صدر أمرٌ بإعلانه ملكاً في جميع قرى سلطته ومدنها، وأن يهتفوا باسمه ويدعوا له. وثمّة مصدر لاتيني معاصر لمعاوية، هو الأسقف أركولف الحاج من بلاد الغال، يذكر في نصّ رحلته قصة سمعها من مسيحيي أورشليم (القدس) عن خلاف وقع بين طائفتين مسيحيتين في المدينة المقدّسة حول كفن السيد المسيح، وأن معاوية حلّ المشكلة بطريقة إعجازية.
ومن المؤشرات الهامة على قضية التسامح والمساواة في سياسات معاوية الداخلية نقشٌ مؤرّخٌ في السنة السادسة لمعاوية، وهي 42 لتاريخ العرب (الهجري) التي تعادل 663 ميلادية، بمناسبة ترميم حمامات جدارا، (في الجولان السوري المحتل حالياً)، حيث وضع عامل الإقليم، وهو مسيحي يُدعى يوأنس، علامة الصليب في مفتتح حجر التدشين، وذكر بالحروف اليونانية اسم معاوية أمير المؤمنين.
وللتدليل على قوة المسيحية في بلاد الشام في زمن معاوية، نقرأ معلومة فريدة غاية في الأهمية عن سكّه نقوداً من الذهب والفضة من دون علامة الصليب، وهو ما أدّى إلى الإعراض عنها وعدم تداولها من السكان المسيحيين، الأمر الذي أدّى إلى فشل التجربة والعودة إلى العملات التي تحمل علامة الصليب، وقد أكّد هذا الخبر اكتشاف دينار ذهبي أموي مبكّر من عهد معاوية بلا صلبان، وعليه عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
بمثل هذه العقلية المنفتحة والمرنة، حكم معاوية أكثر من 40 عاماً، نقل دولة المسلمين من حيّزٍ جغرافيٍّ محدود إلى إمبراطورية مترامية الأطراف، سيطرت على أهم طريق تجاري في ذلك الوقت، وهو طريق الحرير العابر من الصين إلى البحر الأسود، فعمّ الرخاء جميع سكان هذه الإمبراطورية، وبدأت من الناحية العملية دولة راسخة توسّعت غرباً في فترات لاحقة، وصنعت أمثولةً في التسامح على مر العصور، حيث قال الصحابي أبي الدرداء نزيل دمشق: "لا مدينة بعد عثمان، ولا رخاء بعد معاوية".