استمع إلى الملخص
- التاريخ مليء بأمثال "الإبستينات"، حيث تتجاوز الشرور والشذوذ الأزمنة والأمكنة، وتذكرنا الأحداث المروعة في غزة والسودان وسوريا بفظائع مماثلة في التاريخ.
- المرأة تعد أولى ضحايا الكوارث، حيث تتحمل مسؤوليات كبيرة في المجتمعات الذكورية، وتواجه اضطهادًا مجتمعيًا صارمًا، كما يظهر في مثال النساء السوريات خلال الحرب.
فضيحة جزيرة إبستين غير مفاجئة كلّيّاً إذ سبق أن فتح ملفّها، وسجن عرّابها حيث انتحر. وأخيراً مع نشر صفحات هائلة موثّقة بالصور لفضائحه وفضائح روّاد الجزيرة، من الطبيعيّ أن يتملّك الإنسان الإحساس بالقرف والاشمئزاز، وبالرعب والقهر أيضاً. هؤلاء الذين ينحدرون ببهيميّتهم وتوحّشهم إلى صنف غريب عن الكائنات كلّها، يتحكّمون بالعالم، يتقاسمونه ويديرونه. أصحاب نفوذ وثراء فاحش يزعمون أنّ لهم الحقّ في عيش متعهم الشاذّة المرعبة، في عوالم سرّيّة. يبدو أمر السريّة مضحكاً. فللمصالح الشخصيّة المكتومة وحدها مفتاح السرّ. أحقّاً، فوجئنا بالرؤساء الأميركيّين مرتادي الجزيرة تلك؟ وهم مدمّرو عديد من البلدان في أفريقيا وآسيا، ومصّاصو خيراتها ودماء شعوبها.
لم يخل التاريخ البشري ولن يخلو من مختلف "الإبستينات" والشاذّين من الأثرياء والقادة. فالشذوذ والشرور أمور عابرة للأزمنة والأمكنة. تعجّ مجلّدات تاريخنا العربيّ بسير مشابهة. ولنتأمّل بما يجري حولنا اليوم؛ في غزّة والسودان، في ليبيا وسورية، بمشيئة ومشاركة ومباركة أميركيّة، وغيرها. ألم نشهد ذبح البشر، ولمزيد من المتعة، أُكلت قلوب بعضهم؟ ألم يحدث أن أَطعمت داعش أمّهات اليزيديّين لحم أبنائهن مطبوخاً من دون علمهنّ؟ ثمّ ولمزيد من المتعة، أخبروهنّ بذلك! وللسبب نفسه، يجهّز القتلة آلات التصوير قبل القيام بجرائمهم. ألا تكمن الساديّة في خطف النساء وبيعهنّ بسوق نخاستهم وعلى العلن، وفي أنّ نساء سورية المخطوفات اليوم، لم يعرف لهنّ أثر وسط إنكار السلطة التام لخطفهنّ، بل ووصمهنّ بالعار. أليست ساديّة رمي قلوب أهاليهن وأطفالهنّ في الانتظار اليائس القاتل؟
من نافل القول إنّ المرأة أولى ضحايا الكوارث. فعلى المرأة أن تؤمّن عائلتها ضدّ المخاطر، المحتملة أو الواقعة، حين البقاء في مقرّ سكنهم، أو في نزوحهم وهجرتهم. ففي المجتمعات الذكوريّة الشوفينيّة، يرفع الحظر عن النساء بالحدود التي يمكّنهنّ من إعالة العائلة. وقد شهدنا بأمّ العين وما نزال، استبسال النساء السوريّات وشجاعتهنّ منذ سنوات الحرب، وبشكل خاصّ حيث ذكور البيت، بعيداً في ساحات الحروب. فالحروب هوايتهم وصناعتهم. مهمّات كثيرة حملتها المرأة على عاتقها في الآن ذاته؛ مربّية لأطفالها، وممرّضة لهم، أكانت طبيبة، مهندسة، مدرّسة، موظّفة في مؤسّسة رسميّة أو غير رسميّة، عاملة في البيوت والمطاعم والمقاهي والمحلّات التجاريّة والحقول. وقد يعود أحد ذكور العائلة مصاباً بعاهة مستدامة، فتُضاف رعايته إلى قائمة أشغالها الشاقّة، وقائمة دخلها الذي قد لا يكاد يسدّ الرمق، لكنّها تنهض بالعائلة ببطولة. وعليها أن تكون راضية مرضيّة. تحيط بها أعين الرقابة المجتمعيّة الذكوريّة الصارمة والجاحدة بالضرورة. مجتمع يمارس اضطهاده وعنصريّته على المرأة، مسموح له التحكّم بكامل روحها والجسد، جسدها العورة، هذا الضعيف على حدّ زعمهم، يستباح إلى ما لا نهاية، يغتصب، يخطف، يباع، يحرق ويقتل. هو الخطر القائم أبداً في عار يتربّص بهم، يجب لجمه وحجبه، وحبسه في السواد، واستباحته بفجور في قوائم بذاءاتهم من شتائم واتهامات مبتذلة. والأشدّ إيلاماً، رقابة النساء على بعضهنّ، والأمضى حدّاً من رقابة الذكور. فلا عجب أن تقابل المرأة مهما علا شأنها التعليميّ والعمليّ بالنكران والجحود. ولا عجب أيضاً أن نلقى مؤازرات ومطبّلات للسلطة السياسيّة وخادمات مطيعات لها أو انتهازيّات، من جاهلات ومتعلّمات ومثقّفات، وذلك في المجتمعات المتخلّفة والمتطوّرة على حدّ سواء. فثمّة، سوريّات ذكوريّات في عمائهنّ الطائفيّ، القبليّ، العشائريّ والانتهازيّ: الذكوريّة بكامل لغتها وعارها، وثمّة نساء فاعلات ناشطات في جزيرة إبستين: القباحة البشريّة في اكتمالها.