خلدون المالح... رائد التلفزيون ومتعدّد المواهب

25 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:12 (توقيت القدس)
المخرج والمنتج خلدون المالح (1938 - 2016 صفحته في فيسبوك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بدأ خلدون المالح مسيرته الإعلامية في دمشق في الخمسينيات، حيث عمل في إذاعة دمشق وقدم برامج شهيرة مثل "فَكِر تربح"، وساهم في تأسيس التلفزيون السوري عام 1960.
- يُعتبر من رواد الإخراج التلفزيوني في سوريا، حيث أسس مدرسة كوميدية وقدم أعمالاً بارزة مثل "مقالب غوار"، وأسس شركة إنتاج "شمرا" لكسر احتكار الإنتاج الحكومي.
- ابتكر أدوات إعلامية خاصة وعاد إلى الفنون التشكيلية في بداية القرن الحالي، حيث أقام معرضاً في دمشق عام 2008، وترك إرثاً فنياً خالداً حتى وفاته في 2016.

كان إعلامياً، مُراسلاً، مُذيعاً، مُنتجاً، مُعِداً ومُقدماً للبرامج، ومُخرجاً لروائع الأعمال الدرامية التي حَفرت في الذاكرة السورية، وساهمت في تصدير الفن السوري إلى العالم العربي.

ولد خلدون المالح في دمشق عام 1938، بدأ مسيرته الفنية إعلاميّاً، في منتصف الخمسينيات، من خلال تقديم فقراتٍ إذاعية في أحد أجنحة معرض دمشق الدولي، قبل أن ينضم إلى إذاعة دمشق، ليعمل فيها مذيعاً ومُعدّاً ومُقدماً برامج مُنوعة، وكان أولها برنامج "فَكِر تربح"، الذي حَظي بمتابعةٍ جماهيرية كبيرة، وحقق المالح من خلاله شهرة واسعة، ليُصبح من أهم الإعلاميين السوريين في تلك المرحلة وأبرزهم. وبعد النجاح الذي حَققه، أوفدته الإذاعة إلى القاهرة للانتظام في دورة في التقديم الإعلامي، ثم أُوفِد بعدها، نهاية الخمسينيات، إلى إيطاليا، حيث تابع دورة في تأسيس التلفزيون، ودَرَس فنون التقديم والإخراج في مؤسسة التلفزيون الإيطالي. وفي عام 1968 سافر إلى تشيكوسلوفاكيا، ودرس في تلفزيونها الرسمي إخراج المُنوعات، وانضم في العام ذاته إلى نقابة الفنانين السوريين، وكان واحداً من أبرز مؤسسيها.
ساهم المالح في تأسيس التلفزيون السوري، عام 1960، وهو من أعلن نبأ تأسيسه من إذاعة القاهرة، وكان من واضعي خطط البرامج التلفزيونية خلال فترة الافتتاح، إلى جانب عمله مذيعاً ومديراً لقسم المنوعات، كذلك كان من أعضاء اللجنة التي قررت تعيين الفنان نهاد قلعي موظفاً في التلفزيون. وخلال مرحلة الستينيات، أعَدَّ وقَدَّم العديد من البرامج الترفيهية وبرامج المنوعات والمسابقات، التي ساهمت في تطوير صناعة الإعلام السوري، وأصبحت مرجعاً قيّماً لكثير من الإعلاميين والمُعدين، ومن أبرزها: برنامج "الإجازة السعيدة" و"سهرة دمشق"، اللذان شكلا البداية الحقيقية لبرامج المُنوعات، وقد قدَّم من خلالهما عدداً من مُمثلي المسرح الجامعي، وساهم في صناعة شهرتهم، من بينهم دريد لحام ونهاد قلعي، اللذان شجعهما المالح على تشكيل ثنائية كوميدية، شكَّلت النواة الأولى للكوميديا التلفزيونية في سورية.

أخرج المالح للتلفزيون أبرز المسرحيات الهامة التي جمعت الكاتب محمد الماغوط مع الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، وأبرز نجوم المسرح السوري

يُعد المالح من أبرز رواد الإخراج التلفزيوني في سورية، وكان من أوائل من صنعوا، بالشراكة مع  نهاد قلعي ودريد لحام، مدرسة كوميدية تلفزيونية مُختلفة، تَعتمد على كوميديا الموقف، بعيداً عن التهريج والفذلكة، من خلال سلسلة من الأعمال، التي جمعت أبرز النجوم، وحَفرت عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، وساهمت في إدخال اللهجة الدمشقية إلى بيوت كثير من الجماهير العربية. ومن أبرز تلك الأعمال: مسلسل "مقالب غوار" (1967)، "صح النوم" (1972)، وهما من تأليف نهاد قلعي. مسلسل "ملح وسكر" (1979) الذي قَدَّم من خلاله مطربين، ساهم في صناعة شهرتهم، ومنهم: ذياب مشهور وموفق بهجت وطروب. هذا بالإضافة إلى مسلسل "وين الغلط" (1979)، و"وادي المسك" (1982)، وهما من تأليف محمد الماغوط ودريد لحام. 
أخرج المالح للتلفزيون أبرز المسرحيات الهامة التي جمعت الكاتب محمد الماغوط مع الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، وأبرز نجوم المسرح السوري، وأسست لبدايات المسرح الحديث في سورية، وهي: مسرحية "ضيعة تشرين" (1974)، "غربة" (1976)، و"كاسك يا وطن" (1979). وفي 1999 أخرج المالح مسلسل "الجمل"، وكان آخر أعماله الدرامية، وقد حظي بمتابعةٍ جماهيرية كبيرة، وحصل على الجائزة الأولى للدراما في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون. 
ما يُميّز تجربة المالح الإخراجية، ليس في أنه وضع الأُسُس والمعايير الأولى للإخراج التلفزيوني ورَسَّخ القواعد المهنية للدرما في سورية فحسب، بل في حجم الجُهد الكبير الذي كان يَبذله خلال إنتاج الأعمال الدرامية في فترة البدايات. وبحسب ما قاله في إحدى مقابلاته، لم يكن حينها هناك إمكانات تقنية لتصوير الحلقة في مَشاهد مُنفَصلة، بل كانت تُصَوَّر بأكملها، دون توقف، من بدايتها حتى النهاية، وبالتالي إذا ارتُكب أيُّ خطأ لفظي أو حركي أو تقني من قِبل أيّ من الممثلين أو التقنيين، فسيُضطر إلى إيقاف التصوير، وإعادة الحلقة من بدايتها، وهو ما يُحمِّل المُخرج مسؤولية كبيرة ويتطلب مهارةً وحرفية عالية في إدارة الكوادر الفنية.

المالح أول مُخرج سوري يُنتج أعمالاً خاصة، وقد أسس في الثمانينيات شركة إنتاج تلفزيونية حملت اسم "شمرا"، كسر من خلالها احتكار الإنتاج الحكومي للدراما

ابتكر المالح أدواتٍ إعلامية خاصة، صنع من خلالها مدرسة إعلامية رائدة وحداثوية في مجال التقديم وصناعة المحتوى الإعلامي، كانت مُلهمة لكثير من الأجيال الإعلامية التي تأثَّرت بتجربته، وكان صوته يَمتلك قدراتٍ تعبيريةٍ فائقة، ويَتميَّز برخامته وطابعه الدرامي، فكانت طريقة تقديمه للبرامج أو الأخبار، أقرب إلى الأسلوب السردي المسرحي، الذي تَظهر فيه الأحداث بشكلٍ تعبيري مؤثِّر، جَعل الجمهور يستمع إلى الخبر أو المعلومة بطريقةٍ حكائية قصصية، مختلفة عن الطريقة التقريرية الإخبارية، التي كان يستخدمها معظم المذيعين ومُقدمي البرامج. وخلال مسيرته إعلامياً، أجرى لقاءات تاريخية مع العديد من الشخصيات الثقافية والفنية العربية البارزة، مثل الموسيقار محمد عبد الوهاب، والفنان عبد الحليم حافظ. وكان برنامج "على عيني" آخر ما قدّمه المالح خلال مسيرته الإعلامية، عَبر شاشة الفضائية السورية عند انطلاقتها، وهو من أوائل برنامج المنوعات التي بثَّتها القناة.
أسس المالح أول استوديو تلفزيوني خاص في دمشق، سجل وصوّر فيه أعمالاً درامية وغنائية عديدة، وأنتج وأخرج إعلانات تلفزيونية، ليكون من أوائل صُناعها في سورية، ومن أشهرها إعلان "يا نصيب المعرض". إلى هذا، كان المالح أول مُخرج سوري يُنتج أعمالاً خاصة، وقد أسس في الثمانينيات شركة إنتاج تلفزيونية حملت اسم "شمرا"، كسر من خلالها احتكار الإنتاج الحكومي للدراما، وكان من أوائل مُوزعي الأعمال الدرامية ‏للمحطات الخليجية في بداياتها الأولى، كذلك شَغِل منصب ‏مستشار درامي فني للعديد منها. 
مع بداية القرن الحالي، وبعد انقطاعٍ طويل، عاد المالح إلى عالم التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي، الذي كان من أبرز هواياته في بدايات شبابه، وبعد أن استعاد علاقته الوثيقة به، أقام عام 2008 معرضاً تشكيلياً في صالة "مالفا آرت استوديو" في دمشق، لاقى إقبالاً جماهيرياً كبيراً وحظي باهتمام إعلامي بالغ.   
في سنواته الأخيرة، سافر المالح إلى لوس أنجليس وأقام فيها حتى وفاته في إبريل/ نيسان عام 2016 عن 78 عاماً، أمضاه مُخلصاً لرسالة الفن، ليُخلّد في ذاكرة الإبداع السوري والعربي.