خطوات في الاتجاه الصحيح

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:09 (توقيت القدس)
(منير الشعراني)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تسارعت خطوات التقارب بين الحكومة السورية و"قسد" بعد لقاء الرئيس السوري مع قائد "قسد"، برعاية أميركية، حيث تم الاتفاق على دمج "قسد" في المؤسسة العسكرية السورية وحل مشكلة الأكراد بلا جنسية.
- الاتفاق المتوقع يركز على الحل السياسي، مع بقاء "قسد" ككتلة موحدة ودمج قواتها ضمن وزارة الداخلية السورية، وتسليم الدولة السيطرة على المعابر وحقول النفط.
- التفاهمات تهدف لمواجهة الخلافات وضمان حقوق الأقليات، مع الإعلان المرتقب عن الاتفاق النهائي لإنهاء التوتر الاجتماعي والسياسي.

منذ لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، برعاية المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، وقائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تسارعت خطوات التقارب بين الحكومة السورية و"قسد" بشكل ملحوظ، على مستويي الاجتماعات الثنائية والتصريحات: أعلن مظلوم عبدي في العاشر من الشهر الجاري أن "قسد" ستكون جزءاً من المؤسّسة العسكرية السورية، ووزير الخارجية أسعد الشيباني قال إن الحكومة قادرة على حل مشكلة نحو نحو مائتي ألف كردي بلا جنسية. وإلى جانب ذلك، شكل إنهاء التوتر الذي ساد في شرقي حلب، وفتح الطريق الرئيس الذي يصل مدينة حلب بمدينة الطبقة ومنها إلى الرقة ودير الزور، ثم تسليم "قسد" معتقلين من عناصر قوات الحكومة إلى دمشق، خطوة عملية باتجاه تعزيز الثقة بين الجانبين.
بدا واضحا منذ اتفاق 10 مارس (2025) أن التوصل إلى اتفاق "نهائي" مسألة وقت ليس إلا، طالما أقرّ الطرفان منذ البداية أن حل الخلاف بينهما يجب أن يكون محصوراً بالمستوى السياسي لا العسكري، وبالتالي، الاحتكام إلى لغة التفاوض وحدها. وكان طبيعيا أن يأخذ الاتفاق أشهراً عدة، حتى تظهر معالمه بشكل جدّي، فمسألة مصير قوات سوريا الديمقراطية وطبيعة النظام السياسي، وآلية الحكم والسيطرة في محافظات الحسكة ودير الزور والرقّة، مسائل شائكة تتطلّب روية، إضافة إلى محاولة اعتماد كل طرف على لعبة الوقت على أمل حدوث متغيّرات محلية وإقليمية تصبّ في صالحه.
وإذا كان الحضور الأميركي خلال النصف الأول من هذا العام قد لعب دوراً مُحبطاً تجاه أي خطوة عسكرية ضد "قسد" من دمشق أو تركيا، فإن الحضور الأميركي نفسه أخذ، منذ أشهر قليلة، يلعب دورا ضاغطا على "قسد" للقبول باتفاق ضمن وحدة الدولة السورية، ودوراً ضاغطاً على دمشق لتقديم تنازلاتٍ تطمئن الأكراد.
حتى كتابة هذه السطور، لا توجد تصريحات رسمية واضحة ومحدّدة حيال التفاهمات التي خرجت بها الاجتماعات الثنائية، لكن تصريحات مسؤولين في "قسد" لوسائل الإعلام تؤكّد أن الاتفاق تضمّن بقاء "قوات سوريا الديمقراطية" كتلة موحّدة تتألف من ثلاث فرق رئيسية تغطي مناطق الرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب ألوية أخرى، على أن تتبع قوات الأسايش (الأمن الداخلي الكردي) وقوات حماية المرأة وزارة الداخلية ضمن قوات الأمن العام السوري، لتتولى مهام حفظ الأمن شرق البلاد.  كما تضمن الاتفاق تسلم الدولة السورية السيطرة الكاملة على المعابر وحقول النفط والدوائر المدنية من خلال موظفين يتبعون للحكومة، وربما يكون بعضهم من الكوادر السابقة نفسها، وأن يُعاد تشكيل "مجلس سورية الديمقراطية" (مسد) حزباً سياسيّاً يمثل أبناء شرق سورية في العملية السياسية المقبلة.
لا تشكّل هذه البنود حلا وسطا يُرضي الطرفين فحسب، بل والأهم أنها تشكّل قاعدة يمكن البناء عليها لمواجهة أي خلافات ممكنة بين المكوّنات السورية، لأنها تؤكّد على الوحدة ضمن الدولة السورية المرجوّة من جهة، ولأنها تؤكّد على التنوع وضمان حقوق الأقليات ومصالحها من جهة ثانية. وبهذا المعنى، أهمية التفاهمات هذه هي انعكاس لبراغماتية وعقلانية سياسيتين من كلا الطرفين، وخصوصا من الحكومة السورية، المطالبة أكثر من غيرها باعتماد لغة الحوار والتفاهم والتنازلات، باعتبارها آليات أساسية في العمل السياسي خلال عملية بناء الدولة وتشكيل مجال سياسي حيوي يشارك فيه الجميع.
سيكون الإعلان المرتقب عن الاتفاق النهائي بين دمشق و"قسد" خطوة مهمة جدّاً على الصعيد الداخلي، لأنه سينهي حالة التوتر الاجتماعي والسياسي، ولأنه سيضع الخبرات الكردية على المستويات، العسكري والسياسي والاقتصادي، في يد الدولة، ولأنه سيمهد لتفاهمات سياسية ـ قانونية قد تظهر نتائجها قريباً، فإذا كانت التصريحات والتسريبات قد كشفت الجوانب العسكرية والاقتصادية من الاتفاق، فإن المسائل السياسية الكبرى تبقى طي الكتمان حتى يحين وقتها.

المساهمون