- ترفض إسرائيل أي تواجد دولي في غزة، مفضلة استراتيجية "إدارة الصراع" لتجنب الالتزامات الدولية التي قد تقيد حريتها الميدانية، مما يعكس عقيدتها الأمنية والسياسية.
- رغم الرفض، يسعى نتنياهو لتجنب الرفض المطلق بسبب التركيز الأميركي على تهدئة الجبهات، مع احتمال تغير الموقف الإسرائيلي بعد الانتخابات، مما يجعل الخطة أداة لإدارة الأزمة.
كما كان مُتوقَّعاً، أعلن رئيس الوزراء الصهيوني؛ بنيامين نتنياهو، رفضه خطة رئيس ما يُسمّى "مجلس السلام" نيكولاي ميلادينوف (ذات الخمسة عشر نقطة)، وذلك عقب أيامٍ معدودةٍ من التوصل إلى اتّفاقٍ بشأنها خِلال مفاوضاتٍ مُضنية عُقدت بين الفصائل الفلسطينية و"مجلس السلام" والوسطاء، وبإشرافٍ مباشر من الإدارة الأميركية. تذرّع الرفض الصهيوني بأنه لا يمكن المضيّ قدماً في أيّ خطوةٍ قبل التسليم الكامل لكافة أنواع السلاح في قطاع غزّة؛ الثقيل منه والمتوسط والخفيف، سواءً أكان بحوزة الفصائل أم العائلات، ويتزامن هذا الموقف مع تسريباتٍ إعلامية صهيونية متواترة تدّعي تعزيز المقاومة لقدراتها البشرية والتسليحية، وتنفيذ عناصرها عمليات استطلاع في محيط "الخط الأصفر"، وفي هذا الصدد، يندرج الرفض الصهيوني ضمن سياقاتٍ عدّة:
الأول: السياق الانتخابي، ستُجرى انتخاباتٌ في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ويُقدّر بأنها ستكون الأخطر منذ نشأة الكيان عام 1948، في ظلّ التنافس الشديد بين أقطاب معسكر اليمين نفسه (حزب الليكود وتيار الصهيونية القومية الدينية)، واليمين القومي مع التيارات الدينية الحريدية، والمعارضة من يمين الوسط وبقايا اليسار، خصوصاً أن نتنياهو يقاتل على مستقبله السياسي، وعلى حياته الشخصية، وعلى تمسك الائتلاف اليميني الفاشي بالبقاء في الحكم لاستكمال ما يسمّيه "تخليص الكيان من الدولة العميقة اليسارية"، وتنفيذ مخطط التهجير وضمّ الضفّة الغربية، وفي ظل التنافس الشديد ستتحول أي خطوات تهدئةٍ في قطاع غزّة إلى مجالٍ واسع للمزايدات الانتخابية، واتهاماتٍ بالخضوع أو التراجع أمام المقاومة في غزّة.
يبدو أن المعطيات على أرض الواقع تستبعد نجاح الخطة نجاحاً كاملاً؛ فالرفض الصهيوني يتجاوز التكتيك إلى رفض جوهر الوثيقة
الثاني: عقيدة الكيان الأمنية والسياسية، الّتي ترفض رفضاً قاطعاً منح أي مظلةٍ أممية أو إقليمية، أو قبول أي تواجدٍ دولي في قطاع غزّة؛ لما يُضفيه ذلك على القطاع من بُعدٍ دولي يُضيّق الخناق على جرائم الاحتلال، ويفرض شبكةً من الرقابة الدولية الّتي لطالما دأب على التملص منها، كما يُفضّل الكيان اعتماد استراتيجية "إدارة الصراع"، وتوظيف التسهيلات أداةً للضغط الإنساني والابتزاز السياسي، متجنباً الخضوع لأي التزاماتٍ دولية مُلزمةٍ تحت مظلة الأمم المتّحدة، من شأنها أن تُقيّد حرية تحركه الميداني، أو تُكرهه على تقديم تنازلاتٍ جوهرية.
الثالث: السياق النفسي والاجتماعي الجمعي للصهاينة، بعد صدمة السابع من أُكتوبر، والّتي على إثرها لا تُقبل أي خططٍ أو مبادرات سياسية أو أمنية قد تهيئ الظروف لسابع من أُكتوبر جديد، طبعاً هذه السردية غير واقعية، ولا يمكن أن تتكرر في قطاع غزّة في ظل الظروف الحالية، وتداعيات حرب الإبادة على جميع مناحي الحياة فيه، ولكن صدمة السابع من أكتوبر كانت كافيةً لترسيخ الشعور بأن الدولة نفسها لا تزال تواجه تهديداً وجودياً.
لكن رغم هذه الدوافع الّتي تفسر الرفض الصهيوني لخطة ميلادينوف، إلا أن هناك أسباباً أخرى تدفع نتنياهو إلى تجنب الرفض المطلق، فهو غير متأكّد من تقبل الإدارة الأميركية لرفضها كلياً، لأن التوجه الأميركي العام يركز على تهدئة الجبهات في الشرق الأوسط، على الأقل حتّى انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لكن قد يتغير التعاطي الصهيوني مع الخطة بعد الانتخابات، الّتي ترجح فوز المعارضة مع فرصة أكبر لتشكيل الحكومة القادمة، لكن حتّى لو تشكلت حكومة برئاسة غادي غادي إيزنكوت فإنه من المبكر التكهن بمضيها قدماً بخطة ميلادينوف.
يبدو أن المعطيات على أرض الواقع تستبعد نجاح الخطة نجاحاً كاملاً؛ فالرفض الصهيوني يتجاوز التكتيك إلى رفض جوهر الوثيقة. إنّ إصرار الحكومة الإسرائيلية على اشتراط "نزع السلاح"، الذي هو ذريعةٌ أكثر منه معطى حقيقي على الأرض، والتجرد من عوامل القوّة قبل التقدم في أي خطوات يفرغ خطة ميلادينوف من جوهرها السياسي، كما أن غياب الإرادة الدولية لفرض ضغوطٍ حقيقية على الكيان يجعل تنفيذ الخطة خاضعاً للمزاج السياسي الداخلي والاعتبارات الحزبية في تل أبيب.
عقيدة الكيان الأمنية والسياسية، الّتي ترفض رفضاً قاطعاً منح أي مظلةٍ أممية أو إقليمية، أو قبول أي تواجدٍ دولي في قطاع غزّة؛ لما يُضفيه ذلك على القطاع من بُعدٍ دولي يُضيّق الخناق على جرائم الاحتلال
في المحصلة، إن فرص نجاح خطة ميلادينوف في ظل الرفض الصهيوني الرسمي لا تكمن في اعتمادها وثيقةً ملزمةً أو اتّفاقيةً شاملةً، بل في قدرتها على التحول إلى "مرجعية مُبتكرة" تُنتزع منها تفاهمات تكتيكية عند كل أزمة، إذ ستظل الخطة تُطبَّق بأسلوب التقطير في بعض جوانبها الإنسانية، في حين تبقى نقاطها السياسية والهيكلية معطلة بفعل الفيتو الصهيوني، ما يجعلها أداةً أخرى لإدارة الأزمة وتقليص تداعياتها، وليس حلها جذرياً، أو تقديم مقترحات حقيقية.