استمع إلى الملخص
- يهدف المشروع لتوفير مساكن وفرص عمل للاجئين، مع التركيز على الزراعة العضوية والاكتفاء الذاتي. دكدوك يقيم معارض فنية لتمويل المشروع، ويعود إلى سوريا لتوسيع نشاطه في مناطق متعددة.
- يساهم الأهالي بتبرعات الأراضي، ويعمل دكدوك على ترميم المدارس ودعم التعليم، مؤكدًا على أهمية الكرامة والتضامن في مواجهة التحديات الطائفية والسياسية.
"نحن مهملون"... قال أهالي الرويحينة بأسىً. هم المتروكون في عراء الفقر، وتحت رحمة الصهاينة المحتلّين على الحدود التي رسموها حديثاً. خلال العام المنصرم هجّروا الأهالي في بعض القرى، ودمّروا منازلهم. وبقي الأهالي في بعض القرى الحدوديّة وحدهم يقاومون الاحتلال بأسلحتهم البسيطة. "هنا أيضاً التراب مدمّى" قال سليمان دكدوك في نفسه بينما الغصّة في صدره ترنو إلى الوجوه الواجمة الصابرة. لا يكاد عملهم في تربية المواشي والرعي يسدّ الرمق. احتلّ الصهاينة قريتهم 1967 وحُرّرت إثر حرب تشرين التحريريّة 1973. نثر دكدوك ورفاقه ما في جعبتهم من بذار، لزراعتها في أرض تبرّع بها صديقه طه كدّو في الرويحينة. "يجب ألّا يبقوا وحدهم" قرّر دكدوك.
وسط المشهديّة السوريّة المخزية يمضي التشكيليّ سليمان دكدوك الملقّب بكاسترو، في ترسيخ مشروعه المسمّى "حقول التضامن والكرامة"، أسّسه 2016 في اليونان حيث يقيم منذ 1989، لإنقاذ اللاجئين الهاربين من بطش الأسد الديكتاتور، واستعادة كرامتهم المهدورة. فعمل على تأمين مساكن لهم ولقمة عيشهم وأرض واسعة لاستثمارها في تربية بعض الحيوانات، وزراعتها ببذار عضويّة، للاكتفاء الذاتيّ. ثمّ سعى لتأمين فرص عمل لهم، فساعدهم في بيع منتجاتهم في الأسواق، واعتماد أسلوب المقايضة أحياناً.
يقيم سليمان معارض للوحاته في أوروبا لبيعها مقابل أدوات ومعدّات زراعيّة. دفعه نجاح مشروعه إلى العودة إلى بلاده المدمّرة بعد زوال الشرّ الأسديّ، وإلى مدينته طرطوس يحدوه الأمل بنجاح مشروعه وسط أهلها وفقر غالبيّتهم المزمن. حاجته الملحّة الأساسيّة هي لأراض يتبرّع بها أصحابها. آنذاك وبالمقابل كان يتزايد القتل الطائفيّ، افتعال الحرائق، خطف النساء، فصل موظّفين.
وشرع الأهالي بمؤازرة سليمان، وتبرّع بعضهم بأراض في مناطق عدّة. وكانت االبداية من مدينة أشرفيّة صحنايا في ريف دمشق. وينطلق إلى مناطق أخرى عديدة: اللاذقيّة، جبلة، القنيطرة، إدلب وغيرها. هاله في مدينة سراقب مشهد تلاميذ إحدى المدارس المدمّرة يقتعدون الأرض بين جدران بلا نوافذ لها أو أبواب، فأطلق حملة للتبرّعات لم يتردّد السوريّون في الاستجابة لها، وسرعان ما تمّ ترميم المدرسة وإعادة الشعور الإنسانيّ لتلاميذها. يرى دكدوك أنّ الكرامة تخصّ السوريّين جميعاً. بينما كانت الأراضي المزروعة تثمر ثمارها النقيّة، كانت الحكومة الانتقاليّة تصخب برحلاتها المكوكيّة بعيداً عن شوارع البلاد وأزقّتها، ولجان تحقيقاتها تدبّج تقاريرها الناقصة والمعيبة لرصد آثار مجازرها في الساحل وفي السويداء. في الحين الذي يزرع فيه كاسترو ضحكة في عينين فقيرتين، يصرخ من يصرخ ليؤكّد ضرورة إصدار قانون يجرّم التجييش الطائفيّ والتهديد بالقتل للآخر المختلف طائفيّاً أو سياسيّاً عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، وتستفحل الكارثة بمشاركة الإعلام الرسميّ هذا التجييش بشكل أو بآخر.
ولا يزال الفنّان دكدوك يطوف في البلاد حاملاً بذور الكرامة والتضامن ليزرعها السوريّون حتّى في الحقول المدمّاة، تلفّ كتفيه الكوفيّة الفلسطينيّة للتذكير والتأكيد على أنّ دم الفلسطينيّين الذي سفحه الاحتلال الصهيونيّ، يسيل من غزّة ويعبر الجولان والقنيطرة، ويتابع مسيله على الأراضي السوريّة قاطبة.