جوبر... الحي الذي ينتظر أهله

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:48 (توقيت القدس)
السوري خالد ياسين مع ابنه يتجوّلان في حي جوبر بعد العودة من لجوء في تركيا (عبد الله السعد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الدمار والذاكرة المفقودة: حي جوبر الدمشقي تحول إلى ركام بعد القصف والقتال، مما جعل العودة والاستقرار شبه مستحيلين بسبب فقدان أوراق الملكية ومنع الترميم بحجة التنظيم العمراني.

- التحديات والعقبات أمام إعادة الإعمار: الأنفاق والمخلفات الحربية تعرقل إعادة الإعمار، مع منع الترميم وغياب التمويل، مما يثير تساؤلات حول نوايا السلطات ويعمق شعور السكان بالتهميش.

- الأمل والحلول المستقبلية: دعوات لإعادة النظر في التنظيم وفتح حلول استثمارية، مع وعود رسمية بإزالة المخلفات وتوثيق الملكيات، لكن دون جدول زمني، مما يترك السكان في حالة انتظار.

لم يكن خالد ياسين، ابن حيّ جوبر الدمشقي، يتخيّل يوماً أنّ الحي الذي خرج منه عام 2018 هرباً من ضغط القصف المتواصل من الأرض والجو سيبقى على حاله: مساحة من الركام تمتدّ على مرمى النظر، تتشابك فيها الأنفاق القديمة مع الأزقّة الضيّقة، ويغيب عنها كل ما يدلّ على أنّها كانت يوماً جزءاً نابضاً بالحياة شرقي دمشق، تدمير نهائي لذاكرة مكان وشعب وجيل كامل.

عاد خالد قبل أشهر بعد تهجير إلى إدلب، بحث عن بيته فلم يجده، بل لم يستطع حتى تحديد مكانه، إذ "تحوّل الحي إلى مساحة من كتل الركام والخراب، بلا ملامح ولا حدود"، كما قال لـ "سورية الجديدة".
جوبر، الذي كان يسكنه قبل الحرب ما يقارب ربع مليون نسمة، تحوّل خلال سنوات القتال إلى أكثر مناطق العاصمة دمارا. اليوم، وبعد سنين طويلة على خروج العائلات من الحي، صار من المسموح عودة الأهالي إلى الحي، سيما بعد سقوط النظام، لكن أيّ شكل من أشكال الترميم ممنوع بالكامل، ما يجعل العودة شبه شكلية، بلا قدرة على الاستقرار أو إصلاح المنازل.
هنا محاولة الإصغاء إلى صوت هؤلاء الأهالي وفهم تعقيدات ملف جوبر، الذي أصبح واحداً من أكثر ملفات دمشق حساسية.

قبل عام 2011، كانت جوبر من أكثر أحياء دمشق الشرقية حيوية وحركة. الأزقّة الضيقة كانت تمتلئ بأصوات الأطفال، وروائح الخبز الطازج تفوح من الأفران الصغيرة

خارج الذاكرة العمرانية

لا يحتاج الزائر وقتاً طويلاً ليكتشف أنّ الدمار في جوبر ليس مجرّد انهيار أبنية، بل انهيار كامل لبنية الحياة. شهدت معظم الأحياء الأخرى التي تضرّرت في دمشق أعمال ترميم جزئية أو إزالة ركام، بينما بقي جوبر استثناءً: حي مغلق أمام السكن، ومحظور ترميمه، ولا يسمح لسكانه باتخاذ أي إجراءات لإعادة ما دمرته الحرب الطاحنة.
يقول خالد لـ "سورية الجديدة": "الحي مدمّر بطريقة لا يمكن إصلاحها بسهولة. دمّره النظام البائد بشكل كامل. نحن اليوم نتحدّث عن شوارع غابت من الخرائط وبيوت اختفت. لا يعرف بعضهم حرفياً أين كان منزله". كثيرون فقدوا أوراق الملكية، وفقد آخرون القدرة على التعرّف إلى مواقع بيوتهم بسبب محو المعالم. ورغم حديث المحافظة المتكرّر عن "عودة آمنة ومنظمة"، فإن العودة المتاحة اليوم "عودة مراقبة" لا تتجاوز حدود التفقد، فيما يبقى الترميم ممنوعاً بحجّة التنظيم العمراني.
قبل عام 2011، كانت جوبر من أكثر أحياء دمشق الشرقية حيوية وحركة. الأزقّة الضيقة كانت تمتلئ بأصوات الأطفال، وروائح الخبز الطازج تفوح من الأفران الصغيرة، وباعة الفواكه والخضار ينادون على منتجاتهم بألوانها الزاهية. الأسواق القديمة كانت تعج بالحركة، والحرفيون يعرضون أعمالهم اليدوية على الأرصفة.
اليوم، يحل الركام والحجارة محل الأطفال والباعة، والصمت يملأ الأزقّة بدل ضحكات الجيران. هذه الفجوة بين الماضي والحاضر تجعل العودة أصعب، ليس فقط على المستوى المادي، بل على مستوى الانتماء النفسي والاجتماعي.

يحاول إيجاد شارع لم يعد موجوداً

من بين من عادوا في زيارات قصيرة كان عبد الله الحمود (أبو فؤاد)، الستيني الذي خرج من جوبر عام 2013. كان يعتقد أنه يعرف شوارع الحي مثل كفّ يده، لكنه عندما دخل المنطقة المدمرة وقف مذهولا. يقول لـ "سورية الجديدة": "مشيت كثيراً، ولم أستطع أن أعرف أين كان منزلي… لا مسجد، لا مدرسة، لا زقاق أعرفه. شعرت وكأنني في مكان جديدة لا علاقة له بطفولتي".
يحمل أبو فؤاد مفتاح منزله دائماً في جيبه، لكنه يعرف أن هذا المفتاح، في ظل منع الترميم وعدم وجود بنية تنظيمية واضحة، لا يفتح سوى ذاكرة بعيدة. قال: "يسمحون لنا بالدخول والعودة إلى حينا… لكن ماذا نفعل بالدخول إذا كان البيت تحت الركام؟".
في زقاق ضيق من زوايا ذاكرة جوبر، يمشي عمر القبلاني مع ابنه أسامة، الذي لم يتجاوز السابعة بعد. الطفل يدهش من الحجارة والركام، يلمس الحوائط المهدمة بعينين فضوليتين لا تعرفان الحرب. الأب  الأربعيني، الذي قضى طفولته في هذا الحي، يروي له بين خطواتهما: "هنا كنت ألعب كرة القدم مع أصدقائي… وهنا بيتنا، كان يطل على الشارع الكبير… كل زاوية تحمل ذكرى".
يضع  الأب عمر يده على كتف طفله أسامة ويعده: "سأعيد كل شيء، سأبني ما دمّره القصف… يوماً ما ستعرف أن هذا المكان كان وطننا، وسنملؤه بالضحك واللعب مرة أخرى". و يكمل حديثه لـ " سورية الجديدة" : "الأطفال هنا لا يعرفون الماضي، لكنني أحمل لهم ذاكرة الحي كله… لا أريد أن ينسى علي أصوات أصدقائه، وروائح الأسواق، والمباني التي علمتنا كيف نحلم، وسأفعل كل ما أستطيع لأعيد له وطنه".
يمشي الأب والابن ببطء بين الأطلال، والطفل يسأل عن كل ركن وكأن الأرض نفسها تهمس له بقصص الماضي، والأب المفجوع يعد بأن يكون اليوم الذي يعود فيه الحي إلى الحياة حقيقياً، لا مجرد حلم بعيد.

تحمل أم غسان خوفاً أكبر من الدمار نفسه: ضياع ملكية البيت بسبب فقدان الوثائق، أو بسبب تغيّر المخطط التنظيمي في المستقبل

العقبة الكبرى أمام العودة

"الأنفاق" هي التفسير الرسمي الأول لتأخر إعادة الإعمار. أوضح عضو مجلس أمناء بلدية جوبر، محمد عوّاطة، لـ "سورية الجديدة" أنّ الحي مليء بأنفاق تمتد على كيلومترات تحت الأرض، بعضها ضيّق لا يتّسع إلا لشخص واحد، وبعضها عريض كان يُستخدم لعبور سيارات وبضائع. يقول: "يحتاج التعامل مع هذه الأنفاق دراسة هندسية وعسكرية دقيقة، بسبب احتمال وجود مخلفات لم تنفجر"، مشيراً إلى أن "الردم خطوة أولى لا يمكن تجاوزها". ولكن الأهالي يتساءلون: "إذا كانت الأنفاق موجودة في مناطق قريبة كحيي برزة والقابون وعولجت تدريجيا، فلماذا بقيت جوبر معلّقة؟".
في المقابل، تعتبر محافظة ريف دمشق أن المشكلة ليست في إزالة الركام، بل في تمشيط الأرض من مخلفات الحرب، معتبرة أن العودة "مسموح بها مؤقتا للتأكد من المواقع"، لكنها ليست عودة سكن، لأن ذلك "قد يخلق عشوائيات". لكن الأهالي يرون أن هذا التبرير يُستخدم منذ سبع سنوات، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب أي خطوة تنفيذية.

مفتاح لا يجد باباً

"هذا المفتاح كل ما بقي لي"، بهذه الجملة بدأت خلود عبد القادر (أم غسان) حديثها بعد زيارتها الحي في إحدى الفترات التي سُمح فيها بالدخول. تقول لـ "سورية الجديدة" إنها مشت فوق الركام تبحث عن باب منزلها لتضع فيه المفتاح. "لم أجد الباب… ولا حتى المكان. لم يبق شيء أعرفه". ... تحمل أم غسان خوفاً أكبر من الدمار نفسه: ضياع ملكية البيت بسبب فقدان الوثائق، أو بسبب تغيّر المخطط التنظيمي في المستقبل. "إذا لم نثبت الملكية الآن، قد نعود يوماً فلا نجد حتى أرض البيت".
أما رضوان الخالدي (50 عاماً) من أهالي جوبر، الذي عاد إلى سورية بعد التحرير، فيقول لـ "سورية الجديدة": "وجدت منزلي متضرّراً جزئياً. حاولت إصلاح الحمام والمطبخ، لكن البلدية منعت إدخال المواد بحجّة أن المنطقة ستدخل في تنظيم جديد. حتى لو جمعت المال، لا يسمح لنا بالبناء، لا أحد يشرح لنا لماذا. هذه ليست حياة، بل انتظار دائم للمجهول".

أرقام تكشف حجم الدمار

الغوطة الشرقية، بما فيها دوما وحرستا وزملكا وسقبا وعربين، تعد من أكثر المناطق تضرّراً في محيط دمشق، إذ تفيد بيانات معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR) بأن نحو 35 ألف مبنى فيها تعرّض للدمار الكلي أو الجزئي، بما يعادل آلاف الأسر المتضرّرة. وعلى مستوى سورية، تفيد التقديرات بأن أكثر من 64 ألف منزل دمر بالكامل، فيما تضرّر نحو 71 ألف منزل جزئيّاً، وحوالي 43 ألف منزل بشكل طفيف. في ريف دمشق، تنتشر كميات هائلة من الأنقاض الخرسانية، تصل إلى نحو 6.9 ملايين طن، ما يجعل المنطقة من أكثر المناطق السورية تلوثاً بالركام، ويصعّب أي جهود لإعادة الإعمار أو الترميم الذاتيّ.

ملف الملكية وسياسة منع الترميم

تشتّت السكان بين دمشق وريفها وإدلب ولبنان وتركيا، وفقد كثيرون وثائق ملكيتهم. ويقول عوّاطة لـ "سورية الجديدة" إن بعض الأهالي "لا يعرفون مواقع بيوتهم أصلاً"، وهو ما يجعل توثيق الملكية تحديا معقدا. المحافظة تقول إن الترميم ممنوع "لحين وضع مخطط تنظيمي جديد"، لكن الأهالي يخشون أن تكون الخطط المقبلة سببا لإعادة توزيع الملكيات.
يقول مسؤول العلاقات العامة في محافظة ريف دمشق، قتيبة الحمود، لـ "سورية الجديدة"، إن ترميم الأبنية المتضرّرة ممكن في حال كانت نسبة الدمار جزئية، وكانت الأبنية سليمة من الناحية الإنشائية. وأضاف إن لجنة مختصة تضم مهندسين من مديرية الخدمات الفنيّة ونقابة المهندسين تتولى تقييم الأضرار الإنشائية، وتصنيف الأبنية إلى سليمة، أو متضرّرة قابلة للتأهيل، وغير سليمة تحتاج إزالة، كما في مدينة حرستا.
رغم ذلك، لا يزال التمويل عقبة كبرى. تفيد شهادات السكان بوجود تعليمات شفهية داخل المصارف الحكومية تمنع منح قروض الترميم، حتى لمن يستوفي جميع الشروط القانونية والفنية. يقول صلاح العمري (55 عاماً) من جوبر لـ "سورية الجديدة": "أملك جميع الأوراق المطلوبة للحصول على قرض ترميم، لكن المصرف رفض طلبي شفهياً… هذا الغموض يعمق شعورنا بالتهميش".

مضت سبع سنوات، والحي يسمح لأهله بالدخول مؤقتًا، لكنه يمنعهم من الترميم. هو حي في "الانتظار"، محاصر بين الأنفاق والمخلفات والملكية والمخطط التنظيمي

حلول استثمارية تساعد السكان

يؤكد المهندس محمد العويس، رئيس لجنة المشاريع الهندسية والاقتصادية في نقابة المهندسين بدمشق، لـ "سورية الجديدة" أن إعادة تأهيل الأبنية المتضررة تمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الاستقرار العمراني والاجتماعي، شرط الالتزام بمعايير السلامة الإنشائية، والتنسيق مع الجهات المختصة لضمان جودة التنفيذ. ويرى العويس أن إعادة النظر في بعض البنود التنظيمية، مثل الارتفاعات الطابقية، قد يفتح الباب أمام حلول استثمارية تساعد السكان على إعادة البناء بشكل قانوني وآمن. كما شدّد على أهمية توافق كفاءة الإنفاق في المشاريع مع العائد الاقتصادي المتوقع من خلال ضبط الهدر وإعادة تقييم البنود التعاقدية وإيجاد حلول محلية بديلة. وأضاف: "تحتاج العملية تقييماً دقيقاً للأعمدة والأساسات والبلاطات، مع مراعاة طبيعة التربة والحمولات المستقبلية. غياب الدعم الفني والمالي يجعل الترميم مهمّة صعبة على السكان، رغم أن الأبنية في حالات كثيرة سليمة جزئياً، ويمكن إعادة تأهيلها بوسائل بسيطة".

حي يعيش في الزمن المؤجّل

أكّد لقاء المحافظ ماهر مروان إدلبية مع أهالي من الحي مجدّدا الخطوات التقليدية: إزالة مخلفات الحرب، توثيق الملكيات، ثم إعداد المخطط التنظيمي، لكن من دون أي جدول زمني محدّد. تمنح الوعود الرسمية بعض الأمل، لكنها لا تغيّر حقيقة أن الحي ما زال كما خرجت منه الحرب.
مضت سبع سنوات، والحي يسمح لأهله بالدخول مؤقتًا، لكنه يمنعهم من الترميم. هو حي في "الانتظار"، محاصر بين الأنفاق والمخلفات والملكية والمخطط التنظيمي، فيما يعيش سكانه بين مدن سورية وخارجها، على أمل أن يعودوا يوماً إلى منازل لم تعد موجودة. ... يقول خالد  لـ "سورية الجديدة": "لا نريد شيئاً معقّداً… نريد فقط أن نعود. ولأجل ذلك، نحتاج أن تسمح لنا الدولة أولاً بأن نعيد بناء جدار واحد".
ليست جوبر اليوم مجرّد حي مدمر، بل ملف قد يحدّد مستقبل علاقة السكان مع مدينتهم، وامتحان حقيقي لقدرة دمشق على إدارة مرحلة ما بعد الحرب. بين الركام، والأنفاق، والمخلفات، تبقى المدينة الحية في ذاكرة من عاشوا فيها، بانتظار يوم يسمح لهم بأن يقيموا حياة جديدة على أطلال الماضي.

المساهمون