قبل نحو شهرين أو أكثر، دعا إمام مسجد في دمشق، في خطبة أثارت عاصفة من الجدل، إلى قتل أصحاب الدرّاجات النارية القادمين من ريف دمشق. ربما كانت هذه الدعوة هي أكثر ما عكس حجم الغضب والاستياء في صدور الناس من ظاهرة فوضى انتشار الدرّاجات النارية. كانت كلماته صادمة، ومستفزة، ومرفوضة أخلاقياً وقانونياً، لكنها كانت أيضاً مرآة لمدينة دمشق وأهل دمشق، وربما غالبية المدن، وغالبية السوريين، الذين أنهكهم الضجيج، وأرهقتهم الفوضى.
وفي حقيقة الأمر، ليست المشكلة في الدراجة النارّية نفسها، فهي، في النهاية، مجرّد آلة اخترعها الإنسان لتختصر الوقت والمسافة. لكنها في سورية تحولت في الأعوام القليلة الماضية إلى شيء آخر تماماً، ولا مبالغة في القول إنها أصبحت رمزاً لبلاد فقدت قدرتها على تنظيم أبسط تفاصيل حياتها، حتى صار مجرد السير في شارع، أي شارع، عملية محفوفة بالمخاطر. ولم يعد المشاة يخافون السيارات بقدر ما يخشون تلك الدراجات التي تظهر فجأة من كل الجهات. تأتي من الخلف بلا صوت أحياناً، أو بصوت يشبه إطلاق الرصاص في أحياناً أخرى، تعبر الرصيف كما تعبر الشارع، وتسير بين السيارات، وأحيانا بعكس السير، وبين المشاة والناس أنفسهم في أحيان أخرى.
ربما كان أكثر ما يوجع في هذه الظاهرة أنها لم تولد من الترف، بل من الفقر. فحين أصبح امتلاك سيارة حلماً بعيداً، وتحولت الحافلات إلى وسيلة نقل لا يمكن الركون إليها، وجد عشرات الآلاف من السوريين في الدراجة النارية وسيلة عملية وغير مكلفة للتنقل. لكن المشكلة لم تكن فقط في انتشار الدرّاجات، بل في أن عادات أكثر خطورة انتشرت معها، مثل أن يقودها أطفال ومراهقون، قبل أن يعرفوا معنى الإشارة المرورية، وشبان يتباهون بإزالة كواتم صوتها، كأن ارتفاع الضجيج دليل رجولة، فيما آخرون يحملون ثلاثة أو أربعة أشخاص عليها، أما الخوذة الواقية فهي مجرد قطعة زينة لا يراها السوري إلا في الأفلام الأجنبية.
وبعد كل هذا الانتشار السرطاني للدرجات النارية في المدن السورية، لم يعد الضجيج مجرد إزعاج عابر، بل صار جزءاً من الحياة والمشهد اليوميين، مثل الحفر في الطرقات، وانقطاع الكهرباء، حتى صارت الأحياء تستيقظ على هدير المحركات، وتنام على أصوات العوادم المعدلة التي تتردد بين الأبنية كأنها إطلاق نار متواصل، حتى الليل، الذي كان ملاذ مدننا المتعبة، لم يعد قادراً على حماية الناس من هذا الصخب والزعيق.
المدينة التي يعجز سكانها عن النوم بسبب صوت درّاجة نارية، أو يخشون عبور الطريق خوفاً من سائق مراهق، ليست مدينة تعاني أزمة مرور فقط، بل مدينة تبحث عن معنى الدولة، ولديها رجاء أن تكون هذه الدولة حاضرة في كل التفاصيل. واليوم فإن فوضى انتشار الدراجات النارية لم يعد مجرد تفصيل صغير.
وعدا عن الإزعاج والضجيج والمخالفات، تأتي الحوادث لتذكر الجميع بأن المسألة ليست مجرد ضوضاء. الكثير من التقارير الميدانية أشارت إلى أن الدراجات النارية باتت مسؤولة عن نسبة كبيرة من حوادث السير والإصابات، بينما تمتلئ أقسام الإسعاف بشبان لم يتجاوزوا العشرين، دفعوا ثمن لحظة تهور، أو طريق متهالك، أو غياب رقابة كان يفترض أن تمنع الكارثة قبل وقوعها.
من الأخبار الجيدة أن السلطات بدأت أخيراً بتشديد إجراءات استيراد الدرّاجات، وأعادت حملات الترخيص، وصادرت آلاف الدراجات المخالفة. لكن السؤال هو: هل هذه الإجراءات كفيلة بحل المشكلة؟ ربما جوهر المشكلة يكمن في البيئة والثقافة التي تجعل من أب ما يسمح لابنه المراهق أن يقود دراجة نارية ويتباهى بها، ويجرى تعديلاً عليها بحيث تصبح أكثر قدرة على الزعيق والهدير وإزعاج وإخافة الناس العاديين الذين لا يملكون سوى أقدامهم.