استمع إلى الملخص
- مصادرة الأراضي وهدم المنازل: تواجه المجتمعات الفلسطينية مصادرة الأراضي وهدم المنازل، خاصة في النقب، حيث تستخدم الحكومة قوانين مثل قانون هدم المنازل للضغط على الفلسطينيين، مما يدفعهم لبناء منازل دون ترخيص.
- التحريض والعنف المجتمعي: يتصاعد التحريض ضد الفلسطينيين مع انتشار العنف والجريمة، حيث تتهم الحكومة بالتقاعس عن معالجة هذه الظواهر، مما يؤدي لتفكيك النسيج الاجتماعي وزيادة الهجرة، مع قمع حرية التعبير عبر سياسات مثل الاعتقال الإداري.
يتعرّض فلسطينيو 48، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى موجة واسعة من السياسات القمعية، التّي تنفّذها حكومة اليمين الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود، وائتلافه الحكومي المؤلّـف من مجموعة أحزاب يمينية ودينية مُتشدِّدة ومتطرّفة جدًّا، من بينها حزبا الصهيونية الدينية، والقوة اليهودية بزعامتي بتسلئيل سموتريتش للأول، وإيتمار بن غفير للثاني. لذا كان لِزَامًا على فلسطينيي 48 تبنّي أدوات وسياسات التصدّي لهذه الحكومة وتحدّيها حفاظًا على وجودهم وبقائهم في وطنهم، والسعي إلى التقليل من الأضرار التّي لحقت وستلحق بهم. هذا لا يعني أنّه منذ عام النكبة 1948 لم يتعرّض فلسطينيو الداخل إلى سياسات مُتشدِّدة وقمعية، بالعكس فقد عانوا الأمرين على مدى عقود من الزمن، لكن، كما يبدو جليًّا فإنّ أشدُّها ما يحدث حاليًا.
ويمكننا تلخيص هذه التحديات من خلال المواضيع التي يتصدّى لها فلسطينيو 48، إذ سنتطرّق إلى أهمّها، وخصوصًا ما يمكن اعتباره مُلِحًّا.
• سياسات التمييز في القوانين والسياسة الحكومية: اعتمدت حكومات إسرائيل المتعاقبة عمومًا، واليمينية خصوصًا سياسات التمييز العنصري من خلال سن قوانين تحُدّ من حقوق فلسطينيي 48، وتحُول دون مساواتهم قانونيًا مع اليهود، عِلمًا أنّ حكومة إسرائيل الأولى، التّي ترأّسها ديفيد بن غوريون، قد منحت فلسطينيي 48 هويات، اعترافًا بمواطنتهم المحدودة، أيّ مواطنة منقوصة، إلّا أنّ قوانين عدّة قلّصت الحيّز الحقوقي شرعيًا، ومن أبرز هذه القوانين (ولن نأتي على كلِّها) قانون منع لم الشّمل لفلسطينيي 48 المتزوجين من فلسطينيات من الضفّة الغربية وقطاع غزّة، كذلك قانون القومية (2018) الذي خصّص حقّ تقرير المصير في فلسطين للشعب اليهودي فقط، وخفّض من مكانة اللغة العربية. وهذا قانون يعمل على إنكار حقّ الفلسطينيين في وطنهم، وتهميشهم بكونهم السكان الأصلانيين، وبالتالي ينزع عنهم شرعية معينة. أمّا في السياسة فتسعى حكومة اليمين إلى نزع شرعية أعضاء البرلمان (الكنيست) الفلسطينيين تحت مُسمّى قانون الإقصاء الذي لم يحظ بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، كما ينصّ عليه النظام الدستوري.
بلغ التحريض أوجه خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، إذ عملت الحكومة وجِهّات أخرى في المجتمع الإسرائيلي على ملاحقة ومحاكمة كلّ من يُعبِّر عن موقف داعم للحقّ الإنساني والقانوني للفلسطينيين
• تحديات مصادرة الأراضي وهدم المنازل: تسعى الحكومة الحالية بالذات إلى تطبيق قانون هدم المنازل المُشيّدة من دون ترخيص. لكن من يتمعّن في القانون وطريقة تطبيقه سيلحظ أنّ سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة عرقلت عملية إقرار خرائط هيكلية للبلدات العربية، ووضع عثرات أمام ما قُدّم، وبالتالي يجد المواطن الفلسطيني نفسه مُضطّرًا إلى بناء منزله على أرضه من دون ترخيص. هذه الخطوة تُظهِر أنّ الفلسطيني مخالف للقانون، لكن الحقيقة غير ذلك كليًا. أضف إلى ذلك تحدّي بقاء الفلسطينيين أبناء النقب من العرب البدو الذي يعيشون في هذه المنطقة الواقعة جنوبي فلسطين منذ فجر التاريخ، الذريعة التي تتمسّك بها إسرائيل أنّهم يعيشون بطريقة عشوائية، ويقيمون منازلهم على أراضي الدولة (أيّ الأراضي التي تُعرِّفها إسرائيل على أنّها خاضعة لها، بحكم كونها وريثة الأنظمة الحاكمة السابقة؛ نعني حكومة الانتداب البريطاني والدولة العثمانية-التركية). كما تعمل حكومة اليمين منذ عقود على اقتلاع الفلسطينيين في النقب، وفرض السيطرة الحكومية على أراضيهم، هذا يعني مصادرة الأراضي وطردهم من دون إيجاد ّأي أطر بديلة. ما يدعو إلى التصدّي للمشاريع الاقتلاعية التي تسعى في نهاية المطاف ليس إلى إعادة الأراضي إلى الحكومة التي تدّعي ذلك، إنّما إلى التهجير القسري لإقامة مستوطنات يهودية.
• تحديات الأمان والأمن الشخصي والجماعي: في ظلّ انتشار العنف والجريمة يوجّه فلسطينيو 48 أصابع الاتهام إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية، التّي يبدو بوضوح أنّها نأت بنفسها، بقرار مسبق، عن معالجة هذه الظاهرة، حيث القتل يوميًا وإحراق الممتلكات الخاصة والعامة، من دون إيجاد أيّ حلٍّ أو مخرج، ما يشكل تحدّيًا كبيرًا أمام المجتمع للبحث عن حلول، ويقف بالتالي، لقلة أدوات مواجهة الجريمة، عاجزًا عن ذلك. وبالتالي هذا يؤدي إلى تفكيك المجتمعات في وحداتها الصغيرة؛ أيّ العائلية، ووحداتها الجماعية كالهجرة والانتقال من القرية الموبوءة بالعنف إلى بلدات أخرى، حيث تكاليف المعيشة مرتفعة جدًّا، كذلك ضرب النسيج الاجتماعي، وخلق حالات من عدم توفر الأمن والأمان. لهذا فإنّ عملية تفكيك المجتمع الفلسطيني في الداخل تعمّقت في العقد الأخير بوجه خاص، وهذا يدق ناقوس الخطر أمام قيادات المجتمع للتيقظ والتنبُّه والعمل على محاصرتها.
• سياسات التمييز: ونقصد بها هنا تلك السياسات التّي تحُول دون تحقيق المساواة التامة بين المجتمعين العربي واليهودي تحت غطاء القانون. فالتمييز قائم منذ عقود طويلة، وآخذ بالزيادة في الآونة الأخيرة في الميزانيات الحكومية، التّي تُخصصها للبلدات الفلسطينية مقارنة مع ما تخصصه نفس الحكومة للبلدات اليهودية. كذلك تضاؤل فرص العمل في السوق العام، وما يُطرح منها موجه في غالبيته نحو المجتمع اليهودي، وبالتالي يمثّل هذا التمييز الفاضح سببًا في تزايد هجرة الشباب إلى الخارج لتأسيس كيانات حياتهم هناك.
• التحريض على المجتمع الفلسطيني: بلغ التحريض أوجه خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، إذ عملت الحكومة وجِهّات أخرى في المجتمع الإسرائيلي على ملاحقة ومحاكمة كلّ من يُعبِّر عن موقف داعم للحقّ الإنساني والقانوني للفلسطينيين في غزّة خصوصًا، وفلسطين عمومًا. وقد انعكست هذه السياسات من خلال الاعتداءات الجسدية والطرد من العمل، وملاحقة شخصيات اعتبارية من سياسيين وأكاديميين. كذلك لوحق عددٌ كبيرٌ من الطلبة الجامعيين، ومُنعت النشاطات الوطنية، وحُدّ من مساحة حرية التعبير، ما دفع عددًا من الهيئات والفعاليات الاجتماعية إلى التوجه إلى المحاكم، استنادًا الى قوانين حرية التعبير لعلها تُسعفهم، فتبيّن أنّ الاعتماد على أداة قانونية في هذا السياق لم يكن مجديًا أو نزيهًا تمامًا، إذ صدرت أحكام قاسية مقارنة بما جرى في المجتمع اليهودي، وهذا يعني أنّ التحريض لم يعد من جهة رسمية فقط، أيّ من الحكومة ووزرائها أو أعضاء في الكنيست، بل تعدّى ذلك إلى الرأي العام الإسرائيلي، الذي تحول إلى بوق تحريضي ضمن ظاهرة القطيع، التّي رافقت هذا المجتمع بعد السابع من أكتوبر. وهذا يعني أنّ الديموقراطية وحرية التعبير التّي تتقنّع بها إسرائيل قد وُضعت جانبًا، وجرى تبنّي أدوات قمعية وديكتاتورية مستبدة بحقّ فلسطينيي 48، تحت غطاء حكومي رسمي. وقد تكشَّفَ ذلك من خلال إسكات الأصوات المنادية بوقف الحرب، والعودة إلى التسويات السلمية.
• التصدي إلى مخططات هندسة الوعي: لطالما سعت حكومات إسرائيل، باختلاف تيّاراتها وتوجهاتها السياسية والفكرية، إلى كيّ وعي فلسطينيي 48، وبالتوازي إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني، بما يتناسب وسياسات إسرائيل. بمعنى آخر نشر حالة الأسرلة في حياة الفلسطينيين، وبناء فلسطيني يتناسب مع مقاسات إسرائيل. والحيلولة دون بناء علاقة امتداد مع المحيط العربي والحضور الفلسطيني. أيّ خلق فلسطيني من دون فلسطينيته، وعربي من دون عروبته. وحول هذا التوجه يناضل فلسطينيو 48 بكل الطرق للحفاظ على هويتهم الوطنية والقومية، على اعتباره جزءًا من التصدّي للسياسات الحكومية.
• التصدي لسياسات التلويح بتنفيذ الاعتقال الإداري: الاعتقال الاداري هو أداة تستخدمها الحكومة من دون توجيه أيّ تُهم، ومن دون تقديم لوائح اتهام، وهذه أداة توفِّر لوزير الأمن الصلاحية لتنفيذها بحقّ أيّ مواطن لمجرد سلوك تعتبره الحكومة أنّه قد يهدد أمن الدولة. إذ جرى اعتقال عشرات من الشخصيات الاعتبارية من بين فلسطينيي 48 لمدد تجاوزت نصف السنة، وجرى تجديدها في أحيان كثيرة. هذه الأداة الترهيبية تهدف إلى الحدّ من الحقّ السياسي في الانتظام الحزبي، وتشكيل حركات سياسية، وتبُثُّ شعورًا بأنّ كُلّ فلسطيني مُلاحق في إسرائيل، ولا حاجة لدى السلطات الحكومية إلى تقديمه إلى المحاكمة.
اعتمدت حكومات إسرائيل المتعاقبة عمومًا، واليمينية خصوصًا سياسات التمييز العنصري من خلال سن قوانين تحُدّ من حقوق فلسطينيي 48، وتحُول دون مساواتهم قانونيًا مع اليهود
في الخلاصة فإنّ التصدّي لسياسات حكومة إسرائيل اليمينية تجعل نمط السلوك السياسي لدى فلسطينيي 48 مغايرًا لما هو عليه في أنظمة حكم تدّعي الديموقراطية، وهذا مرتبط من دون أدنى شك بمسألتين اثنتين:
الأولى: استمرار الصراع العربي/الفلسطيني -الإسرائيلي، وغياب أيّ أفق لحلِّه أو تسويته.
الثانية: علاقة غير سوية بين الحكومة ومواطنيها الفلسطينيين القابعين تحت عدسة المجهر الحكومي طيلة الوقت، باعتبارهم أعداء، مشكوكًا في نياتهم وسلوكهم.
وبالتالي، يجد فلسطينيو 48 أنّ عليهم التصدي لهذه السياسات ومواجهتها بأدوات ليست كثيرة، وأبرزها اللجوء إلى الاحتجاج والمحاكم الإسرائيلية لعلها توفّر لهم سندًا قانونيًا وخلاصًا ما.