تسييس الهويات الدينية... وقود الحرب وحطبها

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 11:54 (توقيت القدس)
سوريون مسيحيون يحيون "الجمعة العظيمة" أمام كاتدرائية مار إلياس في حلب، 3/4/2026 الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشكيل "الكونغرس المسيحي السوري" كمشروع سياسي-مدني يثير مخاوف من تفتيت المجتمع السوري، حيث يسعى لتقديم المسيحيين كجماعة إثنو-دينية متجانسة، مما يختزل التنوع بينهم ويشكل خطراً على العيش المشترك.

- خطاب "الكونغرس" يعكس توجهاً هوياتيًا إقصائيًا، حيث يستخدم لغة تخوين وإقصاء للمعترضين، مما يساهم في تأسيس طائفة سياسية جديدة ويظهر تناقضاً في تعاملهم مع المسلمين.

- الحل لحماية الوجود المسيحي يكمن في الانخراط في أطر مدنية ديمقراطية عابرة للطوائف، مع التركيز على تأسيس دولة قانون ومواطنة تساوي بين جميع السوريين، بدلاً من التمثيل الطائفي.

بين فترة وأخرى نسمع عن دعوات إلى تشكيل تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي، جديدها أخيراً "الكونغرس المسيحي السوري" بوصفه تنظيماً سياسياً‑مدنياً خاصاً بالمسيحيين. ورغم أن هذه الدعوات تُقدَّم استجابةً لـ"مخاوف مشروعة" أو "حاجة إلى التمثيل"، إلا أنها تحمل في جوهرها بذور تفتيت جديد للمجتمع السوري، وتعيد إنتاج أخطر ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية: تحويل الانتماء الديني إلى مشروع سياسي، وصناعة طوائف سياسية بدل بناء دولة مواطنة.
بعض منظّري "الكونغرس المسيحي" قدم المسيحيين السوريين بوصفهم "جماعة إثنو‑دينية" متجانسة ذات ذاكرة واحدة وقرار واحد، تحتاج فقط إلى "تنظيم بيتها الداخلي" و"استعادة قرارها". لكن الواقع السوري أكثر تعقيداً بكثير. فالمسيحيون في سورية موزَّعون جغرافياً على كل المدن والمناطق، وينتمون إلى كنائس وطوائف عدة: أرثوذكس، كاثوليك، بروتستانت، سريان، أرمن… مع اختلافات طبقية وثقافية واجتماعية وسياسية عميقة فيما بينهم. لم يعرفوا تاريخياً إطاراً سياسياً واحداً يعبّر عنهم، ولا "ممثلًا شرعياً ووحيداً" باسمهم، بل كانوا جزءاً من الحياة الوطنية العامة، منتشرِين في الأحزاب والتيارات والنقابات والوسط الثقافي والاقتصادي. تحويل هذا التنوّع إلى "مكوّن مدني واحد" يختزلهم قسراً في هوية مغلقة، ويمنح أي مجموعة مؤسِّسة الحق في الادعاء بأنها "تنطق باسم المسيحيين". هذا بحد ذاته افتئات سياسي وأخلاقي على تعددية المسيحيين قبل أن يكون خطراً على العيش المشترك.

من الضروري هنا قراءة خطاب مؤسسي مشروع "الكونغرس" أنفسهم، لا الاكتفاء بالشعار العام "تنظيم مدني سلمي". في منشور لأحد المؤسسين قال موجها كلامه للمسيحيين: "انظروا فقط إلى من هاجم المؤتمر العام، وستعرفون لماذا يقلق تحرك "ملح الأرض" كل أنواع السوس: المغفلين، والذميين، والمأجورين". هذه اللغة لا تشبه خطاب تنظيم مدني يفتح باب الحوار داخل الجماعة وخارجها، بل خطاب تعبئة هويّاتي يعتبر كل ناقد "سوساً" أو "ذمياً" أو "مأجوراً"، ويُلمّح إلى أنه صاحب الحق في تعريف من هو "ملح الأرض".

من الضروري الاعتراف بأن الخوف المسيحي، كما خوف جماعات أخرى، شعور حقيقي لا يمكن إنكاره: الخوف من العنف والتطرف، الخوف من التمييز، الخوف من الذوبان أو الهجرة

بهذا المعنى، نحن لسنا أمام جمعية حقوقية أو إطار مدني عابر للانتماءات، بل أمام تنظيم سياسي‑هويّاتي يُبنى على أساس ديني حصري، مهما حاول تغليفه بلغة "المدنية" و"العيش المشترك". عضوية حصرية على أساس الانتماء الديني، مع خطاب تخوين وإقصاء للمعترضين، تعني عملياً تأسيس طائفة سياسية جديدة.
عندما يقول منظّرو الكونغرس: "هناك فرق جوهري بين أن تقوم جماعة إثنو‑دينية مثل المسيحيين السوريين بتنظيم بيتها الداخلي والدفاع عن وجودها وحقوقها ضمن دولة مدنية، وبين أن يسعى تيار ديني متطرّف إلى تأسيس دولة على مقاس عقيدته"، فهم يقدّمون مقارنة توحي بأن كل ما هو دون "تأسيس دولة دينية" مباح ومشروع. لكن السؤال الجوهري هو: هل يكفي ألا تطالب بدولة دينية حتى لا تكون مشروعاً طائفياً؟ أم أن مجرد تحويل جماعة دينية إلى فاعل سياسي منظم، يتكلم باسمها ويفاوض عنها، هو بذاته تأسيس لـ"طائفة سياسية"، حتى لو لم تطمح إلى حكم البلاد؟
لافت أيضاً التناقض في خطاب دعاة الكونغرس حيال المسلمين. فمن جهة، يتّهمون الأصوات المسيحية الناقدة، ومن بينها موقف كاتب المقال، بأنها تعاني من "رهاب المسلمين"، ويقدّمون مشروعهم دعوة سلمية "لا تعادي أحداً"، بل يدّعون أن مسلمين كثيرين تواصلوا معهم راغبين في الانضمام أو الدعم. ومن جهة أخرى، يصرّون عملياً على أن الكونغرس إطار مغلق على المسيحيين وحدهم، وأن غير المسيحيين (مهما تقاطعوا معهم فكرياً وسياسياً) لا يمكنهم أن يكونوا شركاء كاملين في بنيته. هنا يظهر الفارق بين شعار "العيش المشترك" وبين البنية الفعلية للمشروع. فإذا كان الخطر، كما يقولون، هو "الإسلام السياسي" لا "المسلمون"، فلماذا لا تُبنى منذ البداية أطر مدنية عابرة للطوائف، تضم مسلمين ومسيحيين وغيرهم، في مواجهة كل توظيف للدين في السياسة؟ هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست في الدفاع عن الحقوق، بل في شكل التنظيم نفسه: تنظيم ديني‑سياسي مغلق، حتى لو تغلّف بخطاب مدني.
من الضروري الاعتراف بأن الخوف المسيحي، كما خوف جماعات أخرى، شعور حقيقي لا يمكن إنكاره: الخوف من العنف والتطرف، الخوف من التمييز، الخوف من الذوبان أو الهجرة أو فقدان الحضور التاريخي والخوف من السلاح المنتشر ومن تمكين رجال دين من لون واحد في مؤسسات الدولة والقضاء. لكن الردّ على هذا الخوف ليس بتحويل الجماعة إلى "طائفة سياسية"، لأن ذلك يحمّلها مسؤوليات وأعباء لا قدرة لها على تحمّلها، ويجعلها هدفاً محتملاً في أي توتر سياسي أو أمني، ويمنع أبناءها من الاندماج الكامل في المجال الوطني العام، بوصفهم مواطنين متساوي الحقوق. المفارقة المؤلمة أن المشاريع التي تُطرَح اليوم باسم "حماية المسيحيين" قد تزيد هشاشتهم بدل أن تحميهم: تضعهم في موقع "الطرف السياسي" في معادلات إقليمية ومحلية أكبر منهم، وتفتح الباب لتوظيفهم ورقةً في صراعات لا قرار لهم فيها.
رفض "الكونغرس المسيحي" لا يعني الدعوة إلى صمت المسيحيين أو بقائهم أفراداً معزولين، بل يعني البحث عن أشكال تنظيم مختلفة، منها مثلاً الانخراط في أحزاب مدنية ديموقراطية عابرة للطوائف، تدافع عن دولة المواطنة لجميع السوريين؛ وتأسيس منظمات حقوقية وثقافية وتعليمية تُعنى بالدفاع عن الحريات الدينية وحقوق الأقليات، لكن بمرجعية قانونية‑مدنية، لا بمرجعية طائفية تمثيلية؛ وتشكيل شبكات ضغط سورية‑مغتربة تدافع عن حقوق السوريين جميعاً، مع اهتمام خاص بحماية الوجود المسيحي، دون تحويله إلى كيان سياسي مغلق. يمكن للمسيحيين أن يتعاونوا ويتضامنوا وينسّقوا فيما بينهم، لكن ضمن أطر لا تدّعي تمثيلهم بوصفهم "طائفة"، بل جزءاً من مجتمع مواطنين متعدّد، يسعى إلى دولة قانون ومؤسسات.
الطريق لحماية الوجود المسيحي – ومعه وجود كل المكوّنات السورية – لا يمر عبر "التمثيل الطائفي"، بل عبر المطالبة بدولة قانون ومواطنة تساوي بين جميع السوريين دون استثناء. دولة تُعرّف المواطن عبر حقوقه الفردية، لا عبر انتمائه الديني. وعبر مؤسسات مستقلة، وقضاء محايد، ونظام سياسي يضمن المشاركة والتمثيل على أساس البرامج لا الطوائف. في مثل هذه الدولة فقط، يُحمى المسيحيون وغيرهم بوصفهم مواطنين سوريين، لا بوصفهم "جماعات خائفة" تبحث عن حصة أو مقعد أو كونغرس. أما تحويل الانتماء الديني إلى مشروع سياسي، فهو ليس حماية، بل خطوة أولى نحو تفتيت جديد لا يحتمله السوريون، ولا يخدم مستقبلهم المشترك، ولا يليق بتاريخ الحضور المسيحي في هذه البلاد ولا بدورهم الذي كان دائماً أوسع من حدود أي "كونغرس طائفي".