استمع إلى الملخص
- تعيش دمشق حالياً موجة "ترييف" ثانية بقيادة الفصائل الإسلامية من إدلب، مما أدى إلى استبدال عناصر الجيش بمقاتلي الفصائل، وأثار اعتراضات على الحضور الطاغي لأشخاص ذوي ملامح ريفية.
- يبرز تساؤل حول ما إذا كانت هذه الموجة ستمثل امتداداً للنهج القديم بثوب ديني، أم بداية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المركز والريف.
منذ ستينيات القرن الماضي، بدأت مدينة دمشق تشهد تحوّلاً ديموغرافياً وثقافياً عميقاً، عُرف لاحقاً بترييف المدينة، وهو تعبير عن انتقال الثقل الاجتماعي والسياسي من نخبها المدينية إلى الطبقات الريفية، بدعم مباشر من الدولة. وقد ترسّخت هذه الظاهرة مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970، حين بُني النظام على بنية أمنية واستخباراتية جلّها من أبناء أرياف الساحل السوري.
وقد وفّر حزب البعث، بشعاراته حول "تحالف العمال والفلاحين"، الغطاء الأيديولوجي لهذا التحوّل، ما أدى تدريجياً إلى تهميش النخب الدمشقية، وتغيير هوية المدينة الاجتماعية والثقافية.
اليوم، وبعد عقود من التراكم، تعيش دمشق موجة "ترييف" ثانية، لكن في سياق سياسي مغاير تماماً. فقد جاء سقوط النظام السابق بعد سنوات من الحرب، كان لمحافظة إدلب وفصائلها الإسلامية، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، دور حاسم فيها. هذه الفصائل، التي سيطرت على المحافظة وأدارتها لأكثر من عشر سنوات، باتت تشكّل اليوم قاعدة السلطة الجديدة في دمشق، التي يرأسها أحمد الشرع ذو الخلفية الإسلامية.
مع سقوط النظام السابق، سُرّح عشرات الآلاف من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية، ليحلّ مكانهم جهاز أمني جديد تشكّل في معظمه من مقاتلي الفصائل الإسلامية، خصوصاً من أبناء ريف إدلب، الذين انتقلوا إلى العاصمة وبدأوا تدريجياً بالتموضع داخل مؤسسات الدولة. ولم يمضِ أكثر من عشرة أشهر على هذا التغيير حتى بدأت تُسمع أصوات داخل دمشق تعترض على الحضور الطاغي لأشخاص ذوي ملامح ريفية، ومظاهر دينية محافظة كإطلاق اللحى والشعر الطويل، وهو ما اعتُبر غريباً عن المزاج الدمشقي المعروف بتدينه الوسطي وانفتاحه التاريخي. وقد انتشرت فيديوهات في الآونة الأخيرة لبعض سكان دمشق يتحدثون فيها عن انطباعاتهم هذه.
في هذا السياق، برزت مواقف لافتة من بعض الشخصيات الدينية الدمشقية المعروفة باعتدالها، مثل الشيخ معاذ الخطيب والمفكر الإسلامي محمد حبش، حيث لوحظ أنهما اتخذا مسافة واضحة من السلطة الجديدة، وانتقدا، بشكل مباشر أو ضمني، بعض ممارساتها أو خطابها، في إشارة إلى بوادر توتر بين بعض المرجعيات الدينية التقليدية في دمشق والنواة الصلبة للسلطة ذات الخلفية الفصائلية.
غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين "ترييف البعث" و"الترييف الثاني" الذي ارتبط بوصول إسلاميين إلى السلطة بعد سقوط النظام السابق. ففي حين مثّل الأول مشروعاً سلطوياً أفضى إلى قمع المدينة وتحويلها إلى فضاء مغلق ومتخلّف، محاطاً بعشرات من أحياء أحزمة الفقر، يبدو أن الرئيس أحمد الشرع يسعى إلى تقديم نموذج مختلف، يجمع بين الجذور الريفية للسلطة الجديدة وبين انتماء عاطفي وثقافي واضح إلى دمشق، التي وُلد فيها وعاش طفولته ومراهقته.
وقد عبّر الشرع أكثر من مرة عن رغبته في تحديث سورية وإعادة ربطها بالعالم الخارجي والحداثة، والانفتاح على كل الأفكار والمشاريع التي من شأنها إعادة الحياة لدمشق لتنهض ثانية وبما يليق بمكانتها التاريخية وبما يجعلها تستعيد دورها الحضاري.
السؤال المطروح اليوم: هل ستكون هذه الموجة من "الترييف" امتداداً للنهج القديم بثوب ديني مختلف، أم بداية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المركز والريف على أسس أكثر توازناً؟ وهل ستنجح دمشق في استعادة روحها المدنية والثقافية في ظل سلطة دينية تقول إنها تحمل مشروعاً تحديثياً تجميلياً للمدينة؟ أم ستنتج البنية العقائدية والريفية للسلطة الجديدة قيوداً مشابهة للتي فرضها النظام السابق، بحيث يقتصر مفهوم التحديث على البناء لا على المجتمع والثقافة والمؤسّسات السياسية؟
الإجابة رهن الزمن، وما هو مؤكّد أن دمشق تقف اليوم على مفترق طرق، ومصير هويتها التاريخية على المحكّ من جديد.