المسيحيون الإنجيليون في الولايات المتحدة وتحولات اتجاه القضية الفلسطينية بعد حرب الإبادة

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:24 (توقيت القدس)
من أمام المؤتمر الوطني الجمهوري في ميلووكي، 2024/7/16 (بريان أولين دوزير/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشكل المسيحيون الإنجيليون في الولايات المتحدة قاعدة دعم قوية للكيان، مستندين إلى عقائد دينية تُعرف بالصهيونية المسيحية، التي ترى في قيام دولة إسرائيل تحقيقًا للوعد الإلهي.
- بدأت هذه القاعدة تتعرض لتحديات، خاصة بين الشباب الإنجيلي، الذين أصبحوا أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، متأثرين بمشاهد الحرب في غزة وانتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
- قد تجد الإدارات الأميركية المستقبلية نفسها مضطرة لإعادة تقييم سياساتها تجاه الكيان، تحت تأثير الأجيال القادمة، مما يشير إلى تحول محتمل في السياسة الخارجية الأميركية.

مثّل المسيحيون الإنجيليون، من داخل المسيحية البروتستانتية في الولايات المتّحدة الأميركية؛ منذ عقود ليست بطويلة، الأرضية الواسعة والأكثر صلابة؛ بامتداداتها النخبوية الدينية والشعبية المحافظة، الداعمة من دون تردد لدولة الكيان، استنادًا إلى غيبيات عقدية، ورؤى لاهوتية، وقناعات سياسة محافظة متجذرة، إضافةً إلى اعتبارات سياسية وقيمية مشتركة، رَسّخت مكانة الكيان رديفًا استراتيجيًا وأخلاقيًا في وجه ما اعتُبر تهديداتٍ للمصالح الأميركية، ومناهضًا للقيم الغربية بأبعادها الحضارية، إلّا أن شكّلت حرب الابادة على قطاع غزّة نقطة تحوّل؛ ربّما تاريخية ومصيرية، في مواقف شرائح واسعة من هذا الائتلاف التقليدي، تمظهرت بوضوحٍ بين فئة الشباب الإنجيلي، الذي لم يعد تعاطفه المطلق مع دولة الكيان أمرًا مسلمًا به، بل أصبح في قلب عاصفة من التساؤلات الدينية والأخلاقية والسياسية، قد تمهد الطريق إلى إعادة ترتيب المشهد الأميركي تجاه القضية الفلسطينية.

طالما مثّل الإنجيليون البيض قرابة ثلث قاعدة الحزب الجمهوري الداعم بأغلبيته للكيان كلّيًا، والإنجيليون ليسوا جماعةً واحدةً متجانسةً، بل تيارٌ عريضٌ يضمّ كنائس عدّة، أهمّها المعمدانية والميثودية والسبتية وكنائس الخمسينية والقداسة والمسيح، تقاطعت جميعها في دعم الكيان، وشكّلت شبكةً متماسكةً من جماعات الضغط، أبرزها منظّمة مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل (CUFI)، التي تُعدّ من أكبر اللوبيات الداعمة لإسرائيل في أميركا، و"السفارة المسيحية العالمية"، و"مؤسسة الصداقة".

نجحت هذه الحركة في دمج الدعم المطلق لدولة الكيان في صميم الهوية السياسية المحافظة، استنادًا إلى عقيدة غيبية لاهوتية تُعرف بـ"الصهيونية المسيحية"، تعود جذورها إلى تفسيرات محددة لنبوءات الكتاب المقدس (العهدين الجديد والقديم)، ترى في قيام دولة "إسرائيل" واستيطان اليهود فيها ، وبناء الهيكل في المسجد الأقصى بعد احتلاله، تحقيقًا للـوعد الإلهي "العهد الإبراهيمي"، وشرطًا أساسيًا لـ"عودة المسيح الثانية" في نهاية الزمان، وترى النبوءة أنّ حربًا ضروسًا ستقع بعد بناء الهيكل، بينما يُقتل فيها ثلثا اليهود، يتحول ما تبقى منهم إلى المسيحية، وبعد سبع سنوات من ذلك ينزل المسيح، أو المخلص من السماء لإنقاذ البشرية، ويقود المؤمنين إلى نصرٍ نهائي في معركة "هارمجدون" شمال فلسطين المحتلة، ومن ثمّ يحكم من مدينة القدس لألف عامٍ، لذا يُعتبر الانسحاب من أيّ جزءٍ من "أرض الميعاد" انتهاكًا لإرادة الله.

لعل المقتلة البربرية، وسلوكيات الجيش الصهيونية المنحطة بدمويتها وفاشيتها، ومشاهد الحرب في غزّة عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي (تيك توك وإنستغرام)، شكلت عامل التسريع الأبرز لهذا التحول، وهو ما ساهم مساهمةً كبيرةً في كسر حاجز تجاهل الواقع الفلسطيني طويلًا

لسنواتٍ طويلة، مثّل كبار السن من الإنجيليين البيض الكتلة الأكثر ثباتًا في تأييد دولة الكيان، إذ غالبًا ما تتجاوز نسبة دعمهم لها تلك الموجودة بين اليهود الأميركيين أنفسهم، كما يُعتبر دعمهم المطلق ضمانةً سياسيةً دائمةً للكيان، بغض النظر عن سياسته الداخلية أو الخارجية، لكن كشفت استطلاعات رأيٍ جادة خلال الحرب عن بعض التحولات في المجتمع الأميركي، منها ضمنَ فئات عمرية معينة، تظهرُ أنّ تآكل الدعم المطلق لدولة الكيان في صفوف الإنجيليين لم يبدأ مع حرب غزّة، بل صَعدَ قبلها، ثمّ تسارعت وتيرته تسارعًا لافتًا بعد حرب الإبادة. فقد كشفت دراسة أجرتها "Barna Group" بالتعاون مع باحثين في جامعات أميركية، عن تحول دراماتيكي سابق للحرب على غزّة، إذ انخفض دعم الكيان بين الإنجيليين الشباب (أقلّ من 35 عامًا) من 75% عام 2015 إلى حوالي 34% عام 2021، هذا الانخفاض كان أكبر بكثير من مثيلاته في الفئات الأخرى.

كما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة جالوب (Gallup) بداية 2024 أن تأييد عمليات الجيش الصهيوني العسكرية في غزّة بلغت أدنى مستوياتها، فقد وصل معدل التأييد بين الفئة العمرية 18-34 عامًا إلى ما يقارب 15% فقط، وهي نسبة ضئيلة جدًا مقارنةً مع فئة كبار السن (+(55، وهو ما يكشف أنّ الشباب الإنجيلي هم الأقلّ ارتباطًا بالحروب الثقافية التقليدية، والأكثر اهتمامًا بقضايا العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان على مستوى العالم. وفي السياق نفسه؛ أشار استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، إلى ارتفاع نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرةً سلبيةً تجاه الكيان لتبلغ 53%، بعد أن كانت 42% قبل بدء الحرب، ومع أنّ إظهار مجمل الإنجيليين البيض نظرةً إيجابيةً (حوالي 70%)، يبدو الانقسام بوضوح داخل قاعدة الحزب الجمهوري بين جيل الشباب والجيل الأكبر سنًا.

لعل المقتلة البربرية، وسلوكيات الجيش الصهيونية المنحطة بدمويتها وفاشيتها، ومشاهد الحرب في قطاع غزّة عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي (تيك توك وإنستغرام)، شكلت عامل التسريع الأبرز لهذا التحول، وهو ما ساهم مساهمةً كبيرةً في كسر حاجز تجاهل الواقع الفلسطيني طويلًا، ووضعت الشباب الإنجيلي في مواجهة مباشرة مع التكاليف الإنسانية لـ"خطة الله النبوية"، التي يروج لها آباؤهم وقساوستهم.

وهو ما أفضى إلى زيادة شعبية الأصوات الإنجيلية التي تتبنى لاهوت العدالة (Justice Theology) بدلاً من لاهوت النبوءة (Prophecy Theology)، وهي دعوة إلى التركيز على تعاليم المسيح المتعلقة بالفقراء والمضطهدين والسلام العادل، بدلاً من ربط الأحداث السياسية بتفسيرات حرفية لنهاية الزمان. كما واجه السياسيون الأميركيون (خصوصًا الجمهوريين) الداعمون بشراسة للكيان ضغوطًا متزايدةً من قاعدتهم الشبابية، للمطالبة بـ"المساءلة الأخلاقية"، وسياسات أكثر توازنًا. كما بدأت تظهر توجهات لاهوتية جديدة أكثر نقدية للصهيونية المسيحية التقليدية، تتمثّل في رفض العديد من المسيحيين الشباب فكرة أن دعم دولة معاصرة لا يقوم على العدل والحقوق هو واجب ديني، وينادون بـ"مسيحية صانعة سلام" أو "لاهوت العدل".

في المحصلة لم تُرخ الصدمة الإنسانية التي أحدثتها حرب غزّة بظلالها على معادلات السياسة الخارجية الأميركية فقط، بل طرحت سؤالًا عميقًا داخل البيئات الدينية والمحافظة، هل سيبقى الدعم التقليدي للكيان قاعدةً مقدسةً لا جدال فيها، أم سيتحول تدريجيًا إلى موقف أكثر توازنًا يستجيب لمعايير حقوق الإنسان وقيم العدالة والكرامة الإنسانية؟ هذا بكل تأكيد مرهون بمسارات ومألاتها في غزّة، ووتيرة التضامن الدولي، وبمدى قدرة قوى شبابية داخل التيارات الدينية على تحويل وعيها إلى ضغط سياسي منظّم، ولطالما شكل المسيحيون الإنجيليون الإطار الأوسع للدعم السياسي والمالي والمعنوي، والأكثر تأثيرًا على صناع القرار في الولايات المتّحدة تجاه دولة الكيان، لكن حرب الإبادة لم تكن مجرد جولةٍ جديدةٍ من تاريخ جولات دولة الكيان وحروبها؛ لقد كانت نهاية مرحلة عند كثيرين من الجيل الإنجيلي الشاب الصاعد، وأسفرت النظرة المباشرة للواقع الإنساني عن تحول عميق في النظرة إلى "الأرض المقدسة"، من كونها أرض نبوءات مطلقة، يجب تأييدها بلا شروط، إلى مسرح أزمة إنسانية تتطلب العدالة والمحاسبة. تضع التباينات بين الأجيال، التي تظهرها استطلاعات الرأي، تحديًا وجوديًا أمام تحالف الصهيونية المسيحية، وتُبشر بمستقبل يختلف فيه صوت اليمين المسيحي الأميركي اختلافًا جذريًا عن الماضي، ورغم أن مقاليد الأمور في مؤسسات التأثير ومجالاته ما زالت لصيقة بالقيادة، ورجال الدين التقليديين، لكن على المدى الإستراتيجي ستكون الأجيال القادمة من القادة السياسيين الأميركيين سيكونون أقلّ التزامًا بالدعم المطلق لدولة الكيان، ومع وصول هؤلاء الشباب إلى سدة الحكم في العقود القادمة، ستجد الإدارات الأميركية نفسها مضطرةً لإعادة تقييم سياساتها، والانتقال من وضع "الحليف غير المشروط"، إلى موقف أكثر توازنًا أو نقدًا، تحت ضغط الرأي العام الداخلي.

المساهمون