بين الغزلان والصقور

04 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
صقر في وضعية انقضاض في أزمير (الاناضول 11/4/2026)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يعكس غسان كنفاني في عبارته الرمزية حالة الإنسان المتأرجح بين الانتماء لجذوره والبحث عن الحرية، حيث يمثل الغزال الإنسان المتوق للعودة إلى بيته، بينما يمثل الصقر السوري المغترب الباحث عن حياة كريمة بعيداً عن وطنه.

- يعيش السوريون بين الحنين إلى المكان والبحث عن الحرية، حيث يواجهون انقسامات داخلية دائمة. المجتمع الدولي يركز على الأرقام، بينما الواقع الإنساني أعمق، مع أطفال فقدوا تعليمهم وعائلات تهجرت.

- السوريون يبحثون عن الكرامة الإنسانية، بين العودة والحرية، ويصرون على أن يموتوا طبيعياً أو يطيروا أحراراً إذا وجدوا فرصة للحياة. الإنسانية تُقاس بعدد الأرواح التي وجدت أمانها وسط الخراب.

في زوايا المدن التي تغيّرت وتهدمت، وبين صور الماضي التي لا تغيب، يطرح الإنسان على نفسه سؤالاً قديماً وجديداً: هل أنتمي إلى جذوري أم أبحث عن السماء؟ غسان كنفاني قدّم لنا الإجابة الرمزية بأصدق صورة حين قال: “الغزلان تحب أن تموت عند أهلها، الصقور لا يهمّها أين تموت.”
ليست هذه العبارة مجرّد تصوير للحيوان، بل مرآة لحالة الإنسان الذي يتأرجح بين جذوره وحرّيته، بين شوقه للبيت ورغبته في الطيران بعيداً عن الخراب والموت. السوريون اليوم يختبرون هذه الثنائية في حياتهم اليومية.
الغزال في هذه الصورة يمثّل الإنسان الذي يتوق إلى العودة إلى مكانه، إلى بيته، إلى حضن أمانه الأول. هو رمز للحنين إلى الأرض التي يعرف تفاصيلها، وإلى الناس الذين أحبّهم وتشارك معهم حياته منذ الطفولة. بعد سنوات الحرب، يفتقد السوري هذا الشعور بالأمان. كثيرون فقدوا منازلهم، مدارس أطفالهم دُمّرت، وأحياؤهم التي كانت مألوفة أصبحت خالية من الحياة أو خطرة على النفس. في ظلّ الخوف من الخطف والتنكيل بالجثث والقتل الوحشي، أصبح الموت الطبيعي في بيئة مألوفة حلماً صغيراً وثميناً.
ولكن هناك الصقر، الذي لا يهتم بالمكان بقدر ما يهتم بالجوهر؛ لا يسأل أين يموت، بل كيف يعيش. هذا هو السوري المغترب داخلياً أو خارجياً، الباحث عن حياة كريمة في أيّ مكان، ولو بعيداً عن وطنه؛ كثيرون يعيشون اليوم في منفى داخلي، محاصرين بينَ الخرابين، النفسي والجسدي، أو في دول اللجوء، حيث لا يعرفون الاستقرار الحقيقي. هم طيور بلا جذور يحاولون أن يجدوا مكاناً للسلام، لكنّ السماء مليئة بالعواصف، والحرّية محدودة بالمصاعب اليومية، من البطالة إلى انقطاع الخدمات الأساسية.
يكشف الواقع السوري عن انقسام داخلي دائم بين الحنين إلى المكان والبحث عن الحرية. يريدون العودة إلى منازلهم، لكنهم يخشون أن يجدوا الموت. وفي الوقت نفسه، هناك من يطير بلا أمان، يحاول بناء حياة جديدة، لكنه لا يستطيع نسيان جذوره. 
ما يجعل هذه الظاهرة ملحوظة أنّ المجتمع الدولي غالباً ما يركز على الأرقام والإحصاءات، بينما الواقع الإنساني أعمق. السوريون ليسوا مجرّد أعداد على صفحات التقارير؛ هم أرواح تبحث عن الأمان، عن معنى للوجود بعد سنوات من الخراب. الأطفال الذين فقدوا تعليمهم، العائلات التي فقدت أحبتها، المجتمعات التي تهجّرت ولم تعد تعرف كيف تعود، كل هؤلاء يعكسون الوجه الحقيقي للحرب وما بعدها، وجهاً يروي قصة الحنين والخوف والطيران والاغتراب في آنٍ.
تجعلنا قراءة عبارة كنفاني اليوم نفهم السوريين بطريقة جديدة؛ الغزال يريد الأمان والجذور، والصقر يريد الحرية والتحليق، أما السوريون فهم يعيشون بين الاثنين. وخلف هذه الرمزية ثمة واقع سوري لا يمكن تجاهله، فمنذ أكثر من عقد يعيش الملايين بين النزوح والتهجير، والبيوت التي كانت مأوىً للأحلام تحوّلت إلى أنقاض أو إلى أملاك مغتصبة. السوري اليوم ما يزال ينتظر ساعات طويلة في طوابير انتظار رواتبهم أو يتابع بقلق معاشاً تقاعدياً لا يكاد يغطي حاجاته الأساسية. هناك من يقف في طابور المساعدات بعيون مكسورة، وهناك من يراقب أسعار الأسواق وهي ترتفع بلا هوادة فيما راتبه يتآكل يوماً بعد يوم. 
السوري مثل الغزال والصقر، يبحث عن مكانه في العالم بطريقةٍ تليقُ بكرامته الإنسانية. بين العودة والحرية، بينَ الأرض والسماء، يعيش اليوم ويصرّ على أن يموت طبيعياً إذا لم يجد الأمان، أو أن يطير حرّاً إذا وجد فرصة للحياة. والدرس الأكبر هنا؛ الإنسانية لا تُقاس بعدد الناجين فحسب، بل بعددِ الأرواح التي تمكنت من العثور على أمانها وسط الخراب، وقادرة على التحليق رغم كل القيود.