بلاد صاحبة واجب

07 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:12 (توقيت القدس)
(عبد عابدي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- النموذج الاجتماعي لرجل الواجبات: يتناول النص شخصية تشارك في جميع المناسبات الاجتماعية، مثل الجنازات وحفلات الزواج، رغم غموض تفاصيل حياته الشخصية ووظيفته.

- سوريا كدولة صاحبة واجب: يشبه النص دور سوريا بدور رجل الواجبات، حيث تشارك في تقديم التعازي والتضامن مع الدول المتضررة، وتلعب دور الوسيط في المؤتمرات الدولية، رغم غموض مصادر تمويل هذه الأنشطة.

- التماهي مع الدور: تماهت سوريا مع دورها لدرجة أنها تستخدم نفس عبارات التضامن في الأحداث الداخلية، مما يعكس انغماسها في دورها كدولة صاحبة واجب.

كلنا نعرفه. موجود في كل حي وكل قرية، قد يكون أحد أعمامنا أو اخوالنا، وغالباً زوج إحدى عمّاتنا، أو مجرّد جار حاضر في تفاصيل حياتنا. لكنّه النموذج الشائع لصاحب الواجب، الذي لا يفوّت مناسبة اجتماعية إلا ويتقدّم الصفوف ليشارك فيها، يحمل نعوش الموتى، يقف خلف الشيخ عند الصلاة عليهم، يقرأ الفاتحة مرّتين عند عقد الخطوبة، ويوقع شاهداً على معظم عقود الزواج، يعود المرضى، يقف مع عمال البلدية طيلة وقت إصلاح شبكة الصرف الصحي، يثبّت أرجل الأطفال الذكور عند ختانهم. 
غالباً يضع منديلاً ورقياً على ياقة قميصه ليؤخر احتياجها للغسيل، ويحمل منديلاً آخر لمسح صلعته اللامعة، ضحكته مكتومة، وعطسته مدوية، ولا أحد يعرف ماذا يعمل بالضبط، هو غالباً موظف في مكان ما، في السجل العقاري أو دائرة النفوس، أو شيء من هذا القبيل، واضح أنه "على قد حاله" لكن لا أحد يعلم إلى أي حد، معناه في الحياة هذا الحضور الاجتماعي، لا يغيب عن عزاء أو عرس، يتقن بضع عبارات تصلح لهذه المناسبات، يقولها حرفياً مرّة بعد مرّة، ويستعيض عن المساهمة في تكاليف العملية الجراحية للأقارب بعيادتهم مرّتين في اليوم حتى تعافيهم. 
تلعب سورية هذا الدور الآن في الإقليم والعالم، تعزّي الحكومة الفنزويلية بضحايا الزلزال، تتضامن مع الشعب هناك بالهزّتين الارتداديتين، ترسل فريق إنقاذ من وزارة الطوارئ (دفعت قطر تكاليف سفره) للمشاركة في تخفيف آلام الشعب الفنزويلي، تدين استهداف إيران مواقع في البحرين، وانتهاك الطيران الكوري الشمالي المجال الجوي الكوري الجنوبي، ترفض إغلاق مضيق هرمز، تهنئ الصومال قيادة وشعباً باليوم الوطني الذي يصادف يوم الاستقلال، ترسل وفوداً للمشاركة في مؤتمرات الربط السككي، ومكافحة الجريمة المنظّمة، مؤتمرات المناخ والمياه والاستدامة، تعقد ربطات العنق لمسؤولين يمثلونها، وترسلهم إلى هامبورغ ونيويورك ودافوس ومسقط. تقوم بواجب التضامن مع ضحايا الكوارث، وتدعو الدول إلى نبذ الخلافات وتحكيم العقل، وإلى تجنّب العنف واللجوء للحلول الدبلوماسية، تنصح الهند وباكستان بالتروّي، وتتمنّى على اليونان أن "تكبّر عقلها" عند التعامل مع قبرص، وتتحسّر على حريق غابة في منطقة مدار الجدي، وتنبّه إلى تأثير ذلك على ثقب الأوزون. 
دولة صاحبة واجب، لا أحد يعرف ماذا تعمل بالضبط، ولا من أين تعيش، ولا كيف تعيش، ولا متى تجد الوقت لتذهب إلى العمل، ولا من أين تجد المال للقيام بهذه الواجبات، على الأقل ثمن البدلات وربطات العنق التي تستدعيها هذه المناسبات. 
رجل الواجبات الاجتماعية الذي نعرفه جميعاً، حين يكرّر أفعاله زيادة عند الحد، ينسى نفسه، ويتماهى مع دوره وعاداته وعباراته، حتى إذا ما وقع له هو نفسه حادث مؤسف، يفعل ما يفعله عادةً مع الغرباء، فيعزّي الآخرين بأبيه، ويمرض فيذهب بنفسه ليُطمئن الجيران على صحته. وسورية مثل زوج عمّتنا "الموجَّب"، لشدّة ما انخرطت في هذا الدور، صارت تمارسه على نفسها، وتقول العبارات نفسها التي تتضامن من خلالها مع هاييتي، حين يقع حادث أمني في حمص، وتدين التفجير الإرهابي في وسط العاصمة بأشد العبارات، حتى إن إحدى الوزارات فيها ندّدت ذات مرّة بزيارة (حرفياً: زيارة) رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى مرصد عسكري في جبل الشيخ في الأراضي السورية.