بعد السقوط... المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:00 (توقيت القدس)
عناصر من الأمن العام السوري ودبابة إسرائيلية قرب الجولان (16/12/2025 الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التدخل الإسرائيلي في سوريا: في ديسمبر 2024، استغلت إسرائيل الفراغ العسكري في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد، وأطلقت عملية "سهم باشان" لاحتلال أراضٍ جديدة في الجولان واستهداف مواقع استراتيجية في دمشق لمنع تهريب الأسلحة الإيرانية.

- المراحل الخمس للتدخل: شملت تدمير البنية العسكرية السورية، وتثبيت نقاط عسكرية، واستهداف السويداء لحماية الدروز، مع تراجع الهجمات بضغط دولي، ودعم دولي للشرع، ورفع مستوى التدخل بعد فشل لقاء الشرع وترامب.

- الاستراتيجية السورية والموقف الأمريكي: اعتمدت سوريا على التفاوض والخطاب السياسي الهادئ، مع إدخال روسيا كلاعب جديد. بينما تطور الموقف الأمريكي ليبتعد عن المقاربة الإسرائيلية، مركزًا على مستقبل الدولة السورية ضمن اعتبارات إقليمية ودولية.
قرابة الساعة 04:30 من صباح 8 ديسمبر/ كانون الأول العام 2024، بدأت قوات عملية ردع العدوان دخول دمشق، وبعد نحو ساعتَين أعلنت "إدارة العمليات العسكرية" أن دمشق حرّة من الطاغية بشّار الأسد. في هذا الوقت تماماً، أي مع دخول المقاتلين دمشق، أطلقت إسرائيل حربها ضدّ سورية تحت اسم "سهم باشان". 
ففي ساعات الفجر الأولى من ذلك اليوم، توغلت قوات إسرائيلية إلى داخل المنطقة العازلة، مستغلة انسحاب الجيش السوري من عموم مناطق الجنوب، لاحتلال أراضٍ جديدة، بزعم أنّ اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسورية لعام 1974 لم يعد قائماً، لعدم وجود طرف ينفذه على الجانب السوري. عبر جيش الاحتلال منطقة الحياد في هضبة الجولان المحتلة، وتوغل داخل الأراضي السورية إلى عمق 14 كيلومتراً، فاحتل مدينة البعث مركز محافظة القنيطرة وقمّة جبل الشيخ الاستراتيجية. أثناء عمليات التوغل هذه، كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف مركز البحوث العلمية ومطار المزة، ومقرّ الجمارك والمخابرات العسكرية في دمشق، إضافة إلى قصف مناطق أخرى داخل سورية.
تراجعت الهجمات الإسرائيلية على سورية تراجعاً حادّاً، على أمل التوصل إلى اتفاق يُرضي إسرائيل، لكن لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي انتهى من دون الإعلان عن اتفاق

مسار الحرب الإسرائيلية

مرّت العمليات العسكرية الإسرائيلية مع سورية منذ سقوط نظام الأسد وحتّى الآن بخمس مراحل: الأولى، بدأت مع سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر عام 2024، وحتّى لقاء الشرع مع ترامب في الرياض في 14 مايو/ أيار 2025. خلال هذه المرحلة، كان الغرض الإسرائيلي يتلخص في التدمير الكامل لكل القدرات العسكرية السورية، قواعد طيران، منصات صواريخ، مراكز بحوث، قواعد عسكرية للأسلحة الثقيلة، مع توغل بري من أجل تثبيت نقاط عسكرية ذات أمد طويل، تكون بمثابة سدّ عسكري أمامي في قلب الجغرافية السورية. وقد حدّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 9 ديسمبر 2024 الأهداف العسكرية للجيش في سورية: الاستيلاء الكامل على المنطقة العازلة والمواقع القريبة، إقامة منطقة أمنية تمتد إلى ما وراء المنطقة العازلة الخالية من الأسلحة الثقيلة والبنية التحتية "الإرهابية"، منع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى لبنان عبر سورية.
الثانية، بدأت بعيد لقاء الرئيسَين، الشرع وترامب، واستمرت حتى شهر يوليو/ تموز، فقد لوحظ في هذه المرحلة تراجع عمليات القصف الإسرائيلية على سورية بوضوح، مع تراجع في عمليات التوغل البرّي في الجنوب. وكان السبب في ذلك أولاً المطالب السعودية ـ القطرية ـ التركية ـ الأوروبية، للولايات المتحدة من أجل الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على سورية، وثانياً خروج الرئيس الأميركي بانطباع جيّد من مقابلته للشرع، وثالثاً بسبب بدء محادثات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل عبر وساطات عربية (الإمارات) ودولية (أذربيجان)، وهو ما كشفه في يونيو/ حزيران رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، حين قال إنّ إسرائيل تجري حواراً مباشراً مع النظام السوري ورئيس الدولة أحمد الشرع.
المرحلة الثالثة، بدأت في يوليو/ تموز مع اندلاع أحداث السويداء، إذ ضربت إسرائيل فوراً أرتالاً عسكرية تابعة للأمن السوري في السويداء، ثم قصفت وزارة الدفاع ومبنى الأركان العامة في قلب العاصمة دمشق. وفي هذه المرحلة أعلنت إسرائيل رسمياً أنّها لن تسمح لدمشق بفرض أجندتها على السويداء، وأنّ إسرائيل ستكون الحامية لدروز سورية. ولم تستمر هذه المرحلة طويلاً، فبفعل التنديد الإقليمي والدولي عموماً، والأميركي خاصّة، لقصف دمشق، تراجعت الهجمات الإسرائيلية على سورية، وإن تزايدت حدّة الخطاب السياسي ضد أركان الحكم السوري الجديد.
المرحلة الرابعة، امتدت من سبتمبر/ أيلول وحتّى اللقاء الثاني للشرع ـ ترامب في البيت الأبيض في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، فخلال هذه الفترة كان الشرع يحظى بدعم دولي خلال لقاءاته مع زعماء العالم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي هذه المرحلة، تزايدت التسريبات الإعلامية عن قرب توصل سورية وإسرائيل إلى اتفاق أمني أو اتفاق سلام.
تراجعت خلال هذه الفترة الهجمات الإسرائيلية على سورية تراجعاً حادّاً، على أمل التوصل إلى اتفاق يُرضي إسرائيل، لكن لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي انتهى من دون الإعلان عن اتفاق بين سورية وإسرائيل، لتُطوى بذلك الآمال الإسرائيلية.
المرحلة الخامسة، بدأت مع عودة الشرع من واشنطن، فلم تمضِ أربعة أيام حتّى بدأت إسرائيل برفع مستوى سلوكها وخطابها السياسي. وفي 15 نوفمبر/ تشرين الثاني، استبق رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، نتائج لقاء الشرع بترامب، بالإعلان عن تمسّكه بشروطه المتعلقة بإقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وحماية الدروز، ثم شنه هجوماً لاذعاً على الشرع نفسه، واصفاً إياه بأنه "عاد منتفخاً من واشنطن، وبدأ يفعل أموراً لن نقبل بها".
لم يكتفِ نتنياهو بذلك، ففي 19 نوفمبر، قام بجولة ميدانية في المنطقة السورية العازلة بمشاركة وزيرَي الدفاع يسرائيل كاتس، والخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير. بعدها بيومين، استأنفت إسرائيل توغلاتها البرية في الجنوب السوري، ووسعتها على نحوٍ لافت مقارنة بالمراحل السابق: في 21 الشهر نفسه، توغّلت قوة من جيش الاحتلال غرب قرية صيدا الحانوت بريف محافظة القنيطرة جنوبي سورية، في انتهاك هو الثاني خلال يومَين.
في 24 نوفمبر توغلت قوات الاحتلال باتجاه قرية الصمدانية الشرقية، ومنها باتجاه تل كروم جبا، في ريف محافظة القنيطرة الشمالي، وفي 25 الشهر ذاته، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في المنطقة الواقعة بين قريتَي العجرف وأم باطنة في ريف القنيطرة الشمالي. بعد يومين توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في تل أحمر شرقي بريف القنيطرة، وأبلغت القوات عدداً من الأهالي في قرية العشة بأنها ستبدأ عمليات حفر وتحصين بالقرب من الشريط الحدودي. استمرت هذه الهجمات بالتصاعد حتّى وصلت إلى مرحلة جرى فيها الاشتباك لأول مرة بين أهالي بلدة بيت جن جنوب غرب دمشق بالقرب من الحدود اللبنانية والجولان المحتل، والقوات الإسرائيلية في 28 نوفمبر، انتهى بإصابة خمسة جنود إسرائيليين.
يسمح الحضور المتقدم في الجغرافيا السورية، وفقاً للمقاربة الإسرائيلية، بممارسة ضغوط يومية على سورية، الأمر الذي قد يُجبر دمشق على القبول بالواقع العسكري الإسرائيلي القائم في الجنوب

ماذا تريد إسرائيل؟

كشفت المراحل الخمسة هذه أنّ استراتيجية "المعركة بين الحروب" (القائمة على مبدأ العمليات الدفاعية المناطقية والمساعي التي تهدف إلى إبطال التهديدات من دون أن ترقى إلى مستوى الحرب) التي اعتمدتها إسرائيل تجاه سورية منذ عام 2102، انتهت تماماً، لصالح الحرب المباشرة والمستمرة.
خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، كانت الغاية الإسرائيلية تدمير كل مقوّمات القوة العسكرية السورية لمنع نشوء أي تهديد عسكري في المديَين، القريب والمتوسط، غير أنّ الفراغ العسكري في الجنوب السوري دفع إسرائيل إلى تطوير رؤيتها إلى كامل الجنوب، فانتقلت إلى إقامة واقع جديد لا تستطيع دمشق ولا الأطراف الداعمة لها تغييره.
لا يتعلق الأمر بتثبيت نقاط عسكرية فحسب، بل إجراء تغيّرات ديمغرافية شملت عمليات هدم وتهجير وتغيير عمراني في قرى عدّة داخل المنطقة العازلة وخارجها: في قرية الحميدية، ضمن منطقة الأمم المتحدة منزوعة السلاح، هدمت القوات الإسرائيلية في 16 يونيو/ حزيران ما لا يقل عن 12 مبنى، بعد أن كانت قد طردت السكان منها في يناير.
وفي جباتا الخشب، بدأت إسرائيل تجريف مساحات واسعة من الأراضي، شملت محمية غابات يزيد عمرها على قرن، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، في واحدة من أكبر عمليات اقتطاع الأراضي منذ السبعينيّات. وقد وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها نشر في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، مصادرة إسرائيل منازل سوريين وهدمها، وحرمانهم من سبل العيش، ونقل المحتجزين السوريين على نحوٍ غير القانوني إلى إسرائيل.
تُشير هذه التغييرات الجغرافية والديمغرافية إلى أمرين؛ الأول أنّ إسرائيل تعمل على صناعة خطوط اشتباك جديدة تكون في عمق الأراضي السورية، لا على حدودها. الثاني، يكون لها القدرة لا على ممارسة الرقابة على أهالي المنطقة فحسب، بل إنّ تتحوّل إلى مايسترو للجنوب السوري بأكمله، بحيث يكون لها موقع متقدم داخل سورية والقول الفصل فيه، سواء على مستوى التحالفات السياسية أو العسكرية، ولعل حالة شيخ عقل الدروز حكمت الهجري مثال على ذلك. وبهذا؛ تتجاهل إسرائيل كامل المعطيات السياسية السورية والحسابات الإقليمية والدولية حيال سورية الجديدة، فبالنسبة لها ليس الشرع ونظام حكمه إلّا إسلاميين جهاديين وإن اختلفت الأشكال والأسماء والخطابات.
يسمح هذا الحضور المتقدم في الجغرافيا السورية، وفقاً للمقاربة الإسرائيلية، بممارسة ضغوط يومية على سورية، الأمر الذي قد يُجبر دمشق على المدى المتوسط أو الطويل، على القبول بالواقع العسكري الإسرائيلي القائم في الجنوب، أو القبول باتفاق سلام وفق الشروط الإسرائيلية: لا يكون فيه الجولان المحتل ضمن الاتفاق، أو على الأقل يخضع لاعتبارات جديدة لا علاقة لها بالقرارات الدولية ذات الصلة.

أميركا وإسرائيل... التلاقي والتباعد

لماذا اكتفت إسرائيل بالسيطرة على نقاط عدّة قرب المناطق الحدودية، ولم تدخل أكثر إلى العمق السوري؟ ولماذا اكتفت بتقديم دعم لوجستي لتيار الهجري، ولم تذهب، مباشرةً، إلى إقامة واقع عسكري جديد في السويداء، يعيد تجربة أنطوان لحد في الجنوب اللبناني؟ هذان السؤالان مرتبطان بالموقف الأميركي الذي أخذ يتطوّر سريعاً تجاه سورية: خلال الأشهر الأربعة الأولى من وصول الشرع إلى السلطة، كان الموقف الأميركي يتطابق، إلى حد كبير، مع الموقف الإسرائيلي. غير أن الخطاب السياسي للشرع على المستويات، المحلي والإقليمي والدولي، المترافق بدعم عربي ـ تركي، دفع واشنطن إلى الابتعاد عن المقاربة الإسرائيلية شيئاً فشيئاً. وكان لقاء ترامب مع الشرع في الرياض محطة أولى في تغيّر المزاج السياسي الأميركي، ومنذ ذاك التاريخ أخذت إدارة ترامب تتجه نحو إدماج دمشق ضمن مبادرات التهدئة الإقليمية، ضمن معادلةٍ يتشابك فيها الأمن الحدودي مع إسرائيل مع مسار إعادة بناء مؤسّسات الدولة. وجاء قرار ترامب تعليق عقوبات "قيصر"، ثم السماح للشرع بالمشاركة في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة على الرغم من إدراج اسمه ضمن قائمة الإرهاب الأممية، ثم زيارة الشرع للبيت الأبيض، دلائل على تغيّر المقاربة الأميركية جذرياً حيال سورية.
هنا، بدا التباعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل جلياً، فمع أن واشنطن تتقاطع مع إسرائيل في ضرورة حماية الأخيرة أمنها والقبول بفرض وقائع جديدة نتيجة اختلال موازين القوى، إلّا أن الاختلاف بينهما يكمن في الداخل السوري، إذ ترفض الولايات المتحدة أي دور إسرائيلي من شأنه أن يؤجّج التوترات الداخلية في بلد يتلمّس طريقه نحو التعافي، وقد حذر الرئيس الأميركي قبل أيام من ذلك، حين قال على منصته "تروث سوشال": من المهم جداً أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع سورية، وألّا يحدث أي أمر يتدخل في تطور سورية إلى دولة مزدهرة.
وفق المقاربة الأميركية، التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري على نحوٍ مستمر عسكرياً وسياسياً، من شأنه أن لا يقوي التيار الراديكالي في صفوف حكم الشرع فحسب، بل قد يدفع سورية مضطرةً إلى التوجه نحو روسيا، وهذا ما حدث مع زيارة وفد عسكري روسي للمناطق الحدودية السورية مع إسرائيل. لكن ورغم ذلك، لم تصل الولايات المتحدة إلى حد ممارسة الضغط الحقيقي على إسرائيل بسبب عدم اكتمال المشهد السياسي في الداخل السوري.
يمكن اختصار السياسة الأميركية على النحو التالي: تترك الولايات المتحدة مسألة مصير الجولان والجنوب السوري لإسرائيل وسورية وحدهما، وهي بذلك تكون أقرب لإسرائيل من سورية، أما مستقبل الدولة السورية، فهذا يتجاوز إسرائيل ويخضع لاعتبارات إقليمية ودولية معقدة.
من المبكر الحديث عن نتائج الاستراتيجية السورية متعددة الأوجه هذه، لكنها تبدو حتى الآن الاستراتيجية الأنفع في ضوء اختلال موازين القوة

الخيارات السورية

لا تمتلك سورية أيّ مقومات القوة العسكرية لمواجهة التدخلات الإسرائيلية، ولذلك التزم الشرع وحكومته الصمت تجاه الضربات والتوغلات الإسرائيلية خلال الأشهر الخمسة الأولى، في وقت اقتصر الخطاب السياسي السوري على التأكيد أنّ سورية الجديدة لن تكون أرضها معادية لأي دولة، خصوصاً الدول المحيطة في سورية، وفي مقدّمها إسرائيل. أعطى هذا الخطاب انطباعاً سياسياً بأن الشرع يبعث رسائل استرضائية لإسرائيل، وأن سورية جاهزة للقبول بأي اتفاق مع إسرائيل من شأنه أن ينهي حالة الحرب، ولا سيّما في ظل بيئة محلية مضطربة وعجز الدولة الجديدة عن فرض نموذج إداري أمني موحد. ومع استمرار إسرائيل في قصفها وتوغلها، أدركت سورية ـ المدعومة عربياً، وإلى حد ما أميركياً، أن لغة المهادنة السياسية لم تُجدِ نفعاً مع إسرائيل، فبدأ خطابها السياسي يتغيّر تدريجياً: أولاً لجهة التنديد بالهجمات الإسرائيلية، وثانياً برفضها الانضمام إلى الاتفاقات "الإبراهيمية" بسبب خصوصية الحالة السورية. ومع تغيّر العلاقة السورية الأميركية نحو الإيجاب، اتجه الشرع نحو التشدّد السياسي أكثر لجهة المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإنشاء منطقة آمنة في الجنوب السوري، وإبعاد الجولان المحتل عن أي مفاوضات بين الجانبين.
على الرغم من أنّ الخيارات السورية تجاه إسرائيل محكومة بالواقع القائم، فإنّ هذا لا يعني أنها بجغرافيتها وقدراتها البشرية عاجزة تماماً عن القيام بأي فعل قد يُحدِث فرقاً، وإن كان ضعيفاً. وعليه؛ لا يبدو أمام سورية سوى خيار واحد، وإن كان مركّباً ومعقداً: اعتماد استراتيجية تجمع بين الخطاب السياسي الهادئ، إلى جانب استمرار التفاوض مع إسرائيل حيال وجودها في الجنوب السوري، وربما مصير الجولان المحتل، في ظل حضور دولي عام وأميركي خاص. غير أن أهم تطورَين أضيفا إلى هذه الاستراتيجية هما؛ أولاً إدخال لاعبين جدد إلى الساحة الجنوبية، والمقصود بذلك روسيا التي جال وفد عسكري منها الحدود السورية، في خطوة قد تؤدي إلى نشر قوات روسية، ليس مهمتها منع إسرائيل من التدخل العسكري، وإنما منعها من توسيع تحركاتها في الجنوب السوري. ثانياً، الانتقال إلى المقاومة الشعبية، وهذا تطور في غاية الأهمية، لأنه ينهي مرحلة الصمت السوري، وينقلها إلى مرحلة الفعل في حدود الإمكانات المتاحة.
ولعل حادثة بلدة بين جن (الخاصرة الشرقية لجبل الشيخ) ما يؤشّر على ذلك، فالكمين الذي وقع فيه الجنود الإسرائيليون كان مفاجئاً للغاية بالنسبة لإسرائيل، التي حاولت التخفيف من الدور السوري بالقول إنّ الكمين كان وراءه أفراد ينتمون إلى "الجماعة الإسلامية" في لبنان. ثم ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أبعد من ذلك، حين قال "هناك قوى داخل سورية تفكر في غزو بلدات الجولان واستخدامها نقطة انطلاق لتنفيذ هجوم على البلدات الإسرائيلية، بينها الحوثيون ومليشيات إيرانية وكذلك "داعش" وحماس وجماعات إسلامية أخرى". لقيت هذه التصريحات استهجاناً عربياً ودولياً وإسرائيلياً، فقد استهزأت صحيفة يديعوت أحرنوت من هذه التصريحات بالقول "لم يسبق لإسرائيل أن تحدثت عن محاولات من جماعة الحوثيين اليمنية للعمل ضد إسرائيل من الأراضي السورية... ولا تتوفر أي معلومات عن نشاط في سورية للحوثيين".
ليس خافياً على أحد أنّ هذا الخطاب محاولة لتضخيم الوضع في الجنوب السوري، بما يمنح إسرائيل دعماً دولياً للمضي في هجماتها وتوغّلاتها، لكنه في الوقت ذاته يكشف أيضاً التخبط الإسرائيلي ومحاولة قادة الاحتلال التخفيف من الحديث عن فعل شعبي مقاوم من شأنه أن يؤدي إلى تحول مهم في طبيعة المواجهة السورية الإسرائيلية.
من المبكر الحديث عن نتائج الاستراتيجية السورية متعدّدة الأوجه هذه، لكنها تبدو حتى الآن الاستراتيجية الأنفع في ضوء اختلال موازين القوة، كما قد يكون لها انعكاس إيجابي في الداخل السوري، لجهة نشوء شعور وطني جامع بين مكونات المجتمع السوري حيال عدو وجودي مشترك.
المساهمون