استمع إلى الملخص
- أظهرت بلدة بيت جن بطولة في مواجهة العدوان الإسرائيلي، حيث تصدى الأهالي بشجاعة، مما يؤكد وجود مقاومة شعبية قادرة على مواجهة الاحتلال.
- من الضروري أن تتبنى الحكومة السورية استراتيجية دفاعية فعالة وتعزز الوحدة الوطنية لدعم مقاومة شعبية قوية، مما قد يؤدي إلى تكبيد إسرائيل خسائر ملموسة.
بالمختصر المفيد، لا يريد الذئب الإسرائيلي أيَّ هناءة بالٍ لسورية وأهلها. قضم مزيداً من أرضها بالاحتلال والاستقواء، بالقصف والاعتداءات اليومية، باستضعاف البلد والسلطة فيه، وافتراضه ساحةً للاستباحة. ليس من رسائل سياسية تبعثُها دولة العدوان إلى الحكم في دمشق، في هذا كله، وإنما هو قرارٌ واضحٌ اتخذته الحكومة الفاشية الراهنة في تل أبيب، موجزُه أن سورية لا يُجاز لها أن تتعافى وتقوى وتنهض، وتُعالج أوضاعها شديدة الصعوبة التي أحدثها الأبد الأسدي المخلوع. ترى إسرائيل مستنفَرَة، في غضبٍ ظاهر، وتوتّر واضح، من نجاحات الرئاسة السورية دبوماسيّاً في العالم، ومن انفتاح الدول الكبرى على الرئيس أحمد الشرع الذي التقى الرئيس دونالد ترامب ثلاث مرّات في خمسة شهور، واستضيف في البيت الأبيض أخيراً. تقيم إسرائيل في وهم أن في مقدورها أن تفرض الاتفاق الذي تُريد مع سورية الضعيفة المجروحة، وعندما لا تستجيب سورية هذه، لا شيء غير النار والرصاص والصواريخ والدبّابات والاغتيالات والاجتياحات، على ما تقترف وتصنع. ولا يملك السوريون غير أن يعتصموا بالثبات على موقفهم الرافض استضعافَهم، وعلى إيمانهم بأن في وُسعهم أن يعيدوا بناء بلدهم، وامتلاك كل عناصر القوة الذاتية التي تمكّنهم، يوماً قريباً إن شاء الله، من تحرير كل أرضٍ لهم يحتلّها العدو الإسرائيلي.
ما أبداه أهالي بلدة بيت جن في محافظة القنيطرة من بطولةٍ في التصدّي لعدوان إسرائيلي بالغ السفور شاهدٌ يؤكّد المؤكّد، أن سورية المتوهّمة في أفهام المحتلين لا وجود لها. لم يسستلموا، لم يقعُدوا عند مسألة الغلبة والقوة، وأن لدى العدو من الأسلحة ما لا قد لا يقوون عليها، وإنما صنعوا المُستطاع أن يصنعوا، وهو غير قليل، فآذوا العدو، وأصابوا ضبّاطاً وجنوداً منه، جروح بعَضِهم خطيرة، وأحرزوا آلية له، فخاف هذا العدو من هذا الأمر، فدمّرها بنفسه. وارتقى من أهالي البلدة 13 سورياً إلى العلا شهداء، وذلك بعد ساعات رعبٍ في "حربٍ حقيقية"، على ما وصف شهودٌ الاشتباكاتِ والقصف الإسرائيلي المتوالي ومداهماتِ العدو عدّة منازل، ما تسبّب بنزوح عائلاتٍ غير قليلة. ولم تكن هذه المرّة الأولى التي يقتحم عساكر العدو الغازون البلدة، لكنها الأقسى والأشد على أهاليها، وهي الأقسى على جيش الاحتلال الذي صار عليه أن يعرف أن سورية ليست ملعباً ولن تكون.
ليس من الصحيح أن يُبالغ في تشخيص ما جرى في بيت جن، وفي تظهير بطولة شبابها في محاولتهم ردع العدوان، غير أن من الإجحاف التغافل عن الدلالة الكبرى في الواقعة بكل تفاصيلها، فالسفور المريع الذي سلكه جيش الاحتلال في الاعتداء على البلدة قوبل بشجاعة هؤلاء الشباب، ومعهم جميع الأهالي، ما يُجيز الحديث، باطمئنان، عن مقاومةٍ شعبيةٍ شهدتها البلدة في مواجهة الغازين. ويجوز الذهاب، في الوقت نفسه، إلى أن كل الأسباب تتوفّر لنشهد مثل هذه المقاومة في غير قريةٍ وبلدةٍ ومدينةٍ في سورية يستبيحها عدوان إسرائيلي على مدنيين عُزّل في حقولهم ومنازلهم. وقبل هذا كله وبعده، يجوز افتراض أن السلطة، بعد فشل مفاوضاتها، المباشرة وغير المباشرة، مع حكومة الاحتلال، مطالبةٌ بتعيين استراتيجيّةٍ دفاعيةٍ توازن بين المطلوب والممكن، في المقدور أن يفهم العدو، من خلالها، أن أثماناً بشرية وغير بشرية سيدفّعَها أكلافاً لاستهتاره بالسيادة السورية وبأمن السوريين وأمانهم.
ليس من المناقبيّة أن يعطي واحدُنا، من مُقامه بعيداً عن النار، دروساً في كيفيات التعامل السوري مع الاعتداءات التي لا يريد الإسرائيلي الكفّ عنها. وليس من الأخلاق أن يُطالَب السوريون بأن يكونوا انتحاريين في مواجهة هذه الاعتداءات، وهم الذين يغالبون في عيشهم ما نعرف وما لا نعرف من أحوال. غير أن من بالغ الطبيعيّ والبديهيّ أن يُدعى الحكم في سورية، وأهل الفعل والقرار في غير موضع في البلاد، إلى بناء التوافقات المُشتهاة، والأرضيّات التي تقوم عليها وطنيّةٌ سوريةٌ متجدّدة، يجتمع عليها الكل السوري، بعيداً عن خطاب الأقليات والأكثريات والمكوّنات، ليصير في الممكن المنظور أن تُرى خساراتٌ إسرائيليةٌ مشهودة، في مقاومةٍ شعبيةٍ مسنودةٍ من دولةٍ عادلةٍ معافاة.