استمع إلى الملخص
- أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام ساحات صراع بديلة، حيث تتجدد الانقسامات ويُختزل الآخر في صورة مذنب دائم، مما يعكس تأثير الحرب الطويلة على البنى الاجتماعية وفكرة الدولة.
- يتوق السوريون إلى حياة طبيعية، والخروج من الحرب يتطلب تفكيك خطابها وإعادة الاعتبار للمجال العام كمساحة للنقاش، وهو مسار طويل لكنه ضروري للشفاء.
يمكن القول إن أكثر ما يثقل كاهل السوريين اليوم ليس الدمار المادي وحده، ولا سنوات الخوف التي عاشوها، بل ذلك التعب العميق والمتراكم من حربٍ ترفض أن تنتهي بالكامل. تعبٌ من العيش على الحافة، ومن الشعور بأن الحياة الطبيعية مؤجلة إلى أجل غير مسمى. صحيح أن القصف والدمار والنزوح والموت توقفت إلى حدّ بعيد، لكن ما يقلق السوري العادي اليوم هو الإحساس بأن الحرب ما زالت مستمرة، لا في الشوارع هذه المرة، بل في الوعي، وفي الخطاب، وفي النقاشات الحادة على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث لا هدنة ولا صمت.
هذا التناقض بين نهاية الحرب بوصفها حدثاً عسكرياً واستمرارها بوصفها حالة اجتماعية وسياسية أحد أخطر ما خلفته السنوات الماضية، لأن الذي نراه ونعيشه اليوم يثبت لنا كل لحظة أن نهاية الحروب لا تُقاس فقط بغياب السلاح، بل بقدرة المجتمع على استعادة وظائفه الأساسية: الثقة، المجال العام، وإمكانية العيش المشترك دون خوف أو شيطنة متبادلة. وفي الحالة السورية، يبدو أن الانتقال من الحرب إلى السلم لم يكتمل، بل تعثر كثيرا وما زال متعثراً.
لقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي، ومعها قطاعات واسعة من الإعلام، إلى ساحات صراعٍ بديلة. هناك، على تلك المنصّات، يخوض السوريون معارك رمزية يومية، تتجدّد فيها الانقسامات وتُعاد فيها صياغة العداوات. الخطاب السائد يقوم غالباً على يقينيات صلبة، وعلى افتراض أن الحقيقة واحدة، وأن امتلاكها حكر على جماعة أو موقف أو تجربة بعينها. في هذا المناخ، يُختزل الآخر في صورة مذنب دائم، وتُلغى تعقيدات الواقع لصالح ثنائيات حادة: معنا أو ضدنا، ضحية أو جلاد، طائفي، انفصالي، وطني أو خائن، وغيره الكثير.
ليست هذه الحالة مجرد انفعال عابر أو نتيجة مباشرة لحرية التعبير، بل هي نتاج حرب طويلة حطمت البنى الاجتماعية، وأضعفت فكرة الدولة، ودفعت الأفراد إلى الاحتماء بهويات فرعية، طائفية أو أيديولوجية أو جهوية. ومع الغياب الواضح لإطار جامع لإدارة الخلاف، يصبح الفضاء الإعلامي ومنصّات التواصل مكاناً لإعادة إنتاج العنف، لا لتجاوزه.
في هذا السياق، يكتسب توق الكثير من السوريين لأن يكونوا أناساً عاديين ويعيشوا في بلد عادي وطبيعي دلالة سياسية وفكرية عميقة. بالطبع، المقصود بالعادية هنا ليس انسحاباً من الشأن العام، ولا دعوة إلى اللامبالاة، بل رفض منطق الاستقطاب الدائم. أن يكون السوري عادياً اليوم يعني أن يُسمح له بالعيش خارج ثنائية البطل والضحية، وألا يُطلب منه اتخاذ موقف حاد من كل تفصيل، وأن يستعيد حقه في الشك، وفي التردد، وفي الاختلاف دون تخوين.
كذلك يتوق سوريون كثيرون إلى رؤية سورية دولة عادية، يتوق لها الجميع لا تُنهي الاختلافات، لكنها تنقلها من الشارع والمنصات إلى فضاء السياسة المنظم. وهي دولة لا تدير الذاكرة بالتجاهل أو النسيان القسري، بل تفتح نقاشاً عاماً حول المسؤولية والعدالة، بوصفهما شرطين للتعافي، لا تهديداً للاستقرار.
ما العمل إذاً؟ الخروج الحقيقي من الحرب يبدأ بتفكيك خطابها. يبدأ بإعادة الاعتبار للمجال العام مساحة للنقاش، لا للتخوين، وبالتواضع المعرفي الذي يعترف بتعدّد التجارب والروايات. وهو مسار طويل وبطيء، لكنه الوحيد القادر على نقل السوريين من حالة الإنهاك إلى أفق الشفاء، وبالتالي، أن يعودوا مواطنين وأناساً عاديين مثل سائر سكان العالم.
لا تنتهي الحروب حين يصمت السلاح فقط، بل حين يتوقف المجتمع عن حمله معه إلى كل نقاش وكل منصة. وربما يكون أعظم طموح للسوريين اليوم، وأكثره جذرية، أن يُسمح لهم أخيراً بأن يعيشوا حياة عادية، في بلدٍ طبيعي وعادي، لا أكثر ولا أقل.