- بعد سقوط النظام، أصبح "ثورجي" يعبر عن تمايز سياسي وشخصي، مع تراجع السؤال حول معنى الثورة وأهدافها، حيث يعتقد البعض أن نجاحها يعني إقامة دولة دينية أو نظام حكم موحد.
- الثورة السورية تهدف لبناء دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، حيث يسعى الثائر الحقيقي لبناء دولة عادلة تساوي بين جميع أبنائها وتعيد بناء المؤسسات والاقتصاد.
لفت نظري، منذ السنوات الأولى للثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، أن كثيرين من الشبان والشابات ممن كنت أتحدث معهم، أو أسمعهم، أو أراسلهم، كانوا يستخدمون كلمة ومصطلح "ثورجي" عوضاً عن "ثوري" أو ثائر ضد النظام.
في ذلك الوقت لم أتوقف عند ذلك كثيراً، لأنه من الطبيعي ألا يكون كل شخص يمتلك الوعي السياسي والثقافي الذي يمكنه من الاستخدام الصحيح للمصطلحات. وثانياً لأن الثورات غالباً ما تقوم على أكتاف وتضحيات العوام من الناس فيما دور النخب يبقى محدود التأثير في مجرياتها، وهذا ما حصل وما كان عليه الحال في الثورة السورية.
وحقيقة الأمر أن الفرق بين "ثوري" و"ثورجي" في اللغة ربما لا يبدو واضحاً لبعضهم، لكن في المعنى ثمة فرق كبير. فالثوري هو الشخص الذي يؤمن بمبادئ ثورة ما وقيمها، ويتبنى مشروعاً لتغيير الواقع. لذلك نقول: فكر ثوري، مشروع ثوري، موقف ثوري، شخص ثوري. أما "ثورجي" فهي صيغة عامية، دارجة مشتقة من كلمة "ثورة" مع اللاحقة جي، التركية الأصل، وتُستعمل في اللغة المحكية أحياناً للدلالة على من يمتهن شيئاً أو عملاً مثل "معمارجي- ملاحفجي، خانجي بستانجي..". لذلك يمكن أن تحمل كلمة "ثورجي" إيحاءً بمن يمارس الثورية أو يتخذها سلوكاً وهوية، وليس بالضرورة بمن يمتلك رؤية ثورية متكاملة. وفي سورية، أثبتت التجربة بعد سقوط النظام، أن "الثورجية " اليوم هم من يحاولون الاستفادة القصوى من المرحلة الحالية فيما يبدو "الثائرون" الحقيقيون، ومن قارعوا وعارضوا النظام عقوداً طويلة كما لو أنهم غائبون ومغيّبون تماماً.
اليوم، وبعد سقوط النظام، نلاحظ أن بعضهم عاد إلى استخدام المصطلح، لكن ليس للتعريف عن هوية أو خيار سياسي وشخصي كما الحال في السابق، بل لإثبات تمايز عمن لم ينضووا في تلك الثورة، هنا نحن صرنا حقاً أمام "ثورجيين" وليس ثائرين. ولقد تحولت كلمة "ثورجي" عند بعض السوريين إلى هوية يتباهون بها، وإلى معيار يقيسون به درجة الوطنية والالتزام بالثورة، فيما تراجع السؤال الأهم: ماذا تعني الثورة أصلاً، وما المشروع الذي يفترض أن ينتج عنها؟
الثائر، في جوهره، صاحب قضية وقيم، يسعى إلى تغيير الواقع نحو الأفضل، ويعرف لماذا ثار وماذا يريد أن يبني بعد إسقاط ما يرفضه. أما "الثورجي"، فهو أسير الشعارات، ويعتقد أن مجرّد الانتساب إلى الثورة يمنحه حق احتكار الحقيقة وتوزيع صكوك الوطنية والخيانة. ومن أكثر مظاهر الالتباس خطورة اعتقاد بعض "الثورجيين" أن نجاح الثورة يعني بالضرورة إقامة دولة دينية، أو نظام حكم من لون واحد، أو فرض تصور معين للمجتمع والدولة.
لقد عاش السوريون عقوداً طويلة تحت نظام استبدادي حديدي صادر السياسة والمجتمع والفضاء العام. ولذلك فإن القيمة التاريخية لما حدث لا تكمن في سقوط شخص أو عائلة فحسب، وإنما في الفرصة التي يتيحها ذلك لبناء دولة مختلفة، دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.
ليس الثائر الحقيقي من يصرخ أكثر، ولا من يرفع شعاراً أعلى، ولا من يحتكر الثورة وانتصارها لنفسه. الثائر الحقيقي هو من يؤمن بقيم الثورة الأولى، ومن يرى في سقوط الاستبداد بداية الطريق لا نهايته، ومن يعرف أن سقوط نظام الطاغية ليس نهاية الطريق بل بدايته، وليس انجاز المهمة، بل بدء المهمة الحقيقية، وهي بالتأكيد مهمة بناء الدولة، الدولة العادلة المنصفة التي تساوي بين جميع أبنائها وتفتح لهم فرصاً متساوية، وتعيد بناء المؤسسات والاقتصاد، وتصنع نظاماً تعليمياً وصحياً وقضائياً يصنع المستقبل، ويفتح المدى واسعاً إليه.