المشروع الأميركي في قطاع غزة... تصفية القضية بصيغة حلّها
استمع إلى الملخص
- المشروع يضعف حق الفلسطينيين في تقرير المصير ويهدد بتثبيت السيطرة الإسرائيلية على القدس، مما يعيق قيام دولة فلسطينية موحدة ويخلق واقعًا جغرافيًا وسياسيًا مفتتًا.
- نشر قوات دولية ونزع سلاح المقاومة دون موافقة فلسطينية يهدد بتفجير المشهد الفلسطيني ويعيد تعريف النضال الفلسطيني كمشكلة أمنية داخلية.
بدأت كلّ المخططات السياسية الشيطانية تجاه القضية الفلسطينية بعبارات جيدة، ومشاريع مُجمّلة ومحملة بحسن النيات؛ ظاهرها إيجابي محمل بالوعود التي سرعان ما تتبخر على وقع نيران الاعتداءات/ الحروب الإسرائيلية ووقائع الجحيم، هذا هو حال المشهد الفلسطيني منذ قرار التقسيم عام 1947، وصولًا إلى اتّفاق أوسلو، الذي كان من المفترض به أن يكون مرحلةً انتقاليةً نحو الدولة الفلسطينية، فإذ به يمتد إلى ثلاثة عقود.
يُمرّر اليوم مخطط أميركي "مؤقت" ظاهره حفظ السلم والأمن، وتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، من خلال إرسال قوات دولية؛ وباطنه المسكوت عنه تصفية القضية الفلسطينية، وإفراغ كلّ ما أنجزه الشعب الفلسطيني طوال مسيرته وسيرته النضالية الممتدة من بدايات الاحتلال ذاته. السؤال هنا؛ هل يمكن أن تتحول واشنطن من شريك وداعم للاحتلال الإسرائيلي؛ أجهضت بـ"الفيتو" قرارات دولية عدّة في مجلس الأمن كانت تسعى إلى وقف العدوان/ الحرب على قطاع غزّة؛ إلى وسيط يهدف فعلًا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزّة؟ وهل يُمكن للمشروع الأميركي أن يساهم في بناء مستقبل آمن للفلسطينيين، أم أنّه سيكون مدخلاً لتصفية المشروع الوطني الفلسطيني بكل مكوناته؟ بمعنى آخر ما معنى المشروع الأميركي لإرسال قوات دولية لقطاع غزّة وما هي تداعياته؟
قدمت الولايات المتّحدة مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025؛ مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي، يقضي بمنح تفويض لمدّة عامين لإدارة انتقالية في قطاع غزّة، وإنشاء قوّة دولية تتولى الإشراف على الأمن، ونزع السلاح. يمنح نص مشروع القرار الأميركي أعضاء "مجلس السلام" صلاحية "إقرار الترتيبات اللازمة" لتحقيق أهداف خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجاء في النص إن "إدارة حوكمة انتقالية، بما في ذلك الإشراف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية مستقلة تضمّ كفاءات من أبناء القطاع، ستتولى المسؤولية عن العمليات اليومية للخدمة المدنية، والإدارة في غزّة".
القضية الفلسطينية لطالما كانت صراعًا على التحرر الوطني والسيادة، لا مجرد أزمة إنسانية أو أمنية. وأيّ وجود عسكري دولي في غزّة خصوصًا من دون موافقة وطنية فلسطينية سيعني فعليًا نزع السيادة عن القطاع
بينما لم تلتزم إسرائيل باستحقاقات وقف إطلاق النار ومقتضياته، وسُجلّت خروقات عدّة للاتّفاق؛ قفزت واشنطن لتمرير مشروع مُلغم، ذلك أن كلّ مصطلح ورد في نص المشروع الأميركي يحتاج إلى توضيح وتفسير.
إضافةً إلى ذلك؛ ينسف المشروع الأميركي وجود أيّة كينونة فلسطينية مستقلة، ويحيل القضايا كلّها؛ بما فيها اليومية والأمنية، وإعادة الإعمار، ومرجعية لجنة التكنوقراط الفلسطينية، إلى مجلس السلام برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لذا وبينما ظاهر المشروع الأميركي ضبط الأوضاع في قطاع غزّة؛ فإنّ باطنه يحمل جملة تبعات وتداعيات تستهدف تصفية المشروع الوطني الفلسطيني.
إنّ المشروع الأميركي المقدم لمجلس الأمن الدولي بخصوص إرسال قوات دولية إلى قطاع غزّة بالإضافة إلى ما يحمله من غموض سياسي وعملياتي، ومصطلحات مفخخة؛ فإنّه يعني في دلالاته تصفية القضية الفلسطينية بصيغة الحلّ، وذلك من خلال التالي:
- يُخرج القضية الفلسطينية من كونها قضية تحرير إلى قضية إنسانية بحاجة إلى مساعدات وإعادة إعمار فقط، ويخرجها من كونها قضية تقرير مصير محكومة بقرارات دولية وأممية إلى قضية يحكمها ويدير شؤونها ومستقبلها "مجلس سلام" يترأسه الرئيس الأميركي؛ وبالتالي تصبح محكومة بالرؤية الأميركية وتحت وصايتها ولا علاقة له ولا صلة بالشرعية الدولية.
- ينسف المشروع الوطني الفلسطيني على المديين القصير والبعيد، ذلك لأنّه يقوض مبدأ السيادة الوطنية الفلسطينية، ووجود قوّة أجنبية يراد أن تكون قوّة تنفيذية تدير الأمن، والحياة المدنية اليومية، ما يضعف حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ويُحول قطاع غزّة من أرض فلسطينية مقاومة أو محررة إلى منطقة تحت وصاية دولية، ويضع الضفّة الغربية تحت إدارة سلطة فلسطينية محدودة، ويثبت سيطرة إسرائيل على القدس، ما يعني عمليًا إجهاض فرصة قيام دولة فلسطينية موحدة، اعترف بها العالم. وبالتالي سنكون أمام واقع فلسطيني جغرافي وسياسي مفتت.
- القضية الفلسطينية لطالما كانت صراعًا على التحرر الوطني والسيادة، لا مجرد أزمة إنسانية أو أمنية. وأيّ وجود عسكري دولي في غزّة خصوصًا من دون موافقة وطنية فلسطينية سيعني فعليًا نزع السيادة عن القطاع، وتحويله إلى منطقة "تحت وصاية مؤقتة"، بمسمى دولي. هذا الأمر يتناقض مع مبدأ تقرير المصير، الذي يشكل جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
- بينما يفوض المشروع الأميركي القوة الدولية فرض حلول سياسية لا تحقق الحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية، تحت ذريعة حماية المدنيين، وإعادة الإعمار، يبعدهم في الحقيقة عن حقّهم في تقرير المصير، وفوق هذا كلّه فإنّ المشروع الأمريكي يجيز للقوة الدولية بحث نزع سلاح المقاومة تحت عنوان ضبط الأمن، وهذه قضية كافية وكفيلة بتفجير المشهد كلّه، لا وقف إطلاق النار فقط. ففي نزع السلاح تجريم للمقاومة ونزع الحقّ في الكفاح المسلح.
يمنح نص مشروع القرار الأميركي أعضاء "مجلس السلام" صلاحية "إقرار الترتيبات اللازمة" لتحقيق أهداف خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
- أي محاولة لنزع سلاح الفصائل تعني استهدافًا مباشرًا لما تعتبره قوى المقاومة "حقًا مشروعًا". وبهذا، فإنّ الفصائل قد تدخل في مواجهة مع القوّة الدولية، ما ينقل الصراع من مواجهة مع الاحتلال إلى مواجهة مع قوات دولية بحجة الفوضى والإرهاب؛ وبهذا يُعاد تعريف النضال الفلسطيني من كونه تحررًا من احتلال إلى كونه مشكلةً أمنيةً داخليةً.
- نشر قوّة دولية في قطاع غزّة سيُقصي السلطة الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية، في النتيجة، ستتحول غزة إلى مساحة بلا قيادة فلسطينية حقيقية، وتُدار من الخارج، ما يُفرغ المشروع الوطني من أدواته السياسية. وعليه سينظر الشعب الفلسطيني إلى كلّ من رام الله وغزّة على أنّهما فاقدتان للقرار والسيادة، ما يُشعل السخط الشعبي والاحتجاجات، ويفتح المجال أمام قوىً بديلةً تصنعها إسرائيل، وتدعمها واشنطن لتحل محلّ السلطة والفصائل.
ختامًا إنّ مشروع القرار الأميركي المقدم لمجلس الأمن لإرسال قوات دولية لقطاع غزّة بما يحمله من تبعات وتداعيات تستهدف الكلّ الفلسطيني؛ ليس قدرًا محتومًا؛ وبالتالي المطلوب فلسطينيًا مواجهة المشروع الأميركي بإحياء المشروع الوطني الفلسطيني من خلال وحدة داخلية حقيقية، وتوافق وطني على استراتيجية مقاومة واضحة ومحددة، فغزّة لا تحتاج قوّةً دوليةً بقدر حاجتها لقيادة فلسطينية موحدة تغلق الباب أمام التدخل الخارجي، وتحافظ على غزّة وتحفظها جزءًا من الدولة الفلسطينية من دون وصاية دولية ظاهرها الحلّ وباطنها التصفية.