استمع إلى الملخص
- أقيم حفل توقيع الكتاب في مقهى شعبي، مما يبرز دور المقاهي الثقافية في الحياة الاجتماعية، ويعكس الأمل في استعادة الحياة الثقافية النشطة.
- الحرب تسببت في نزوح السوريين وخلق فراغ ثقافي، ومع عودة بعض المثقفين، توثق الأعمال الأدبية الألم السوري وتدعو للوحدة الوطنية والحفاظ على الهوية.
لم تتوقّف الحياة الثقافيّة والفنيّة في مدينة جرمانا خلال سنوات الحرب، وإن خبا ألقها بين حين وآخر، لكنّها ظلّت واقفة وسط الموت والموات. أخيراً، أقام نادي سينما جرمانا حفل توقيع لإصدار جديد للكاتب عديّ الزعبي "الظلال المتنقّلة"، كتاب في أدب الرحلات بديع، وسرد سيري ذاتي ممتع.
عودة كاتب وطنيّ إلى البلاد تعني لقرّائه الفرح بتحقّق أمل تيبّس، والإكبار لموقف المثقّف الوطنيّ ومبادئه الأخلاقيّة والإنسانيّة المناهضة للظلم في كلّ زمان ومكان. وقد أعلن عديّ ابن درعا أن اختياره جرمانا إعلان لتضامنه مع آلام الأهل في السويداء إثر المجازر.
أقيم الحفل في مقهى شعبيّ، ما يذكّر بدور المقاهي الثقافي الخطير الذي كادت الحرب تنسفه. كان الحضور لافتاً بعدده وتنوّعه الثقافي، شكّل لمّة سوريّة أصيلة كانت تنتظر بحرقة عودة المثقفين والمبدعين لتكتمل البلاد الناقصة، فلا مقدرة أخرى تماثل مقدرة الفنّ والإبداع، الفكر والثقافة الحرّة والتنوير، إلى جانب مقدرة التربية والتعليم، في ترميم جراح البلاد وتعافيها.
اقتلع الإجرام الأسديّ ملايين المواطنين من جذورهم، وجرفتهم آليّات بطشه خارج أراضيهم. فرّوا نزوحاً إلى داخل البلاد أو هجرة إلى الخارج. وبقي من بقي مختاراً أو مرغماً. جفّت الأماكن من ضجيج خطواتهم ووقع أحلامهم، لم تعد ضحكاتهم ودموعهم تسقي الحياة، فذبلت الحياة. التفّ الفقد والنقصان حول طاولات المقاهي والكراسي التي كانت تصغي لأحاديثنا الثقافيّة وجدالاتنا وثرثراتنا. كثير من الكتّاب غادرونا، فمكث فراغ كبير في فضائنا الثقافي. مرّت السنوات، يؤرجحنا الأمل واليأس في عودتهم. وبغتة، تبدّلت أحوال البلاد فعاد كثيرون منهم، إلّا أنّ أغلبهم رجع إلى موطن هجرته، لأسباب مختلفة، أهمّها أنهم لم يجدوا سوريّتهم التي ثاروا من أجلها.
ظلّ الوطن متشبثاً بوسائدهم في غربة تحشوها بالكوابيس، وبأعمالهم الأدبيّة والفنّيّة المختلفة بحثاً عنها. عديد بينهم، تحدّثوا عن سوريّة القاتلة والمقتولة، نزفت أعمالهم الألم السوريّ وقيح خرابه، دوّنوه ووثّقوه للذاكرة الوطنيّة الجمعيّة والإنسانيّة، تحدّثوا عمّا كان وعمّا هو كائن، عن مدن وقرى انطمرت فيها الحياة الإنسانيّة، أو الحياة كلّها. معاً رسموا خريطة البلاد الواحدة الموحّدة، بكلّ أطيافها. أجادوا النظر بعينين وطنيّتين ويهجسون بالبلاد كلّها، بعيداً عن الاتهامات والأحقاد وبثّ الفتن ونوايا الثأر، يجمعون على ألّا انتصار أبداً لأيّ طرف للإخوة الأعداء المتحاربين، فالجميع خاسرون، والوطن يضيع في التيه. وكي لا يفقدوه، دوّنوه بأكمله.
يقول محمد حاج حسين في قصص "حطّاب الحكايات": " ... القرى حين تسكن الغربة تصبح نسج خيال بعيد. تحاول جاهداً أن تحيكه في ستراتك وملابسك كي لا يضيع". وعن إحدى شخصيّات قصصه "كأنّني كنت أحلم"، يقول رأفت حكمت: "لم يودّع أحداً، ولم تكن هجرته أكثر من رحلة في المكان، إذ يعيش الوقت كلّه في ماضيه". ويرى نور دركلي في مجموعته "انتحار رجل سخيف" أنّ تشرذم الوطن ضيّع الأهالي فأضاعوه. وسرد أنس ناصيف سيرة قرية سمّاها "ماويّة"، وعن قتل الحرب لحياتها، أمّا القاصّ مصطفى تاج الدين الموسى فقد مجّد الحياة والإنسان في ستّ مجموعات قصصيّة، وناصر السوريّين، ودافع عن حقّهم بحياة مشرقة في وطنهم. وفي قصص زينة حموي "محاولة متأخرة للبكاء" مناشدة مبطّنة لصون اخضرار البلاد. وبدوره يرى عديّ الزعبي في قصص "كتاب الحكمة والسذاجة" أنّ الموت والموات يحتّمان علينا أن ننتبه كي ننجو فينجو الوطن.
واليوم، ما زالت الدماء تطشّ البلاد وتزيد من تشرذمها، ونفقد اللمّة السوريّة الأصيلة مجدّداً. فمتى سننتبه؟ أتُرانا سننتبه؟