القضية الكردية... ضحية الخرائط والولاء العقيدي

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:36 (توقيت القدس)
سوريون أكراد يحتفلون بأول عيد نيروز بعد سقوط نظام الأسد (21/3/2025 فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- نشأ التعدد العرقي والديني في سوريا نتيجة لتاريخ الدولة الإسلامية، واستمر بعد تقسيم السلطنة العثمانية إلى كيانات متعددة، مما خلق كيانات هشة ومتعددة الثقافات، وكان الكرد من أبرز المتضررين لعدم حصولهم على كيان سياسي خاص بهم.

- تعقدت القضية الكردية بسبب سياسات الدول التي قامت على أنقاض السلطنة العثمانية، حيث لم تُنصف الكرد واعتبرت مطالبهم نزعة انفصالية، مما أدى إلى توتر وصراع في سوريا.

- الحل الأمثل للقضية الكردية يكمن في إقامة عقد اجتماعي سوري يشمل جميع المكونات القومية، ويعززه أساس دستوري وقانوني يراعي التعددية ويؤسس للتشاركية، مما يخفف التوتر ويوفر بيئة مناسبة لاستعادة الثقة.

نشأ التعدد العرقي والديني في سورية، كما هو الحال في كل الدول التي كانت جزءا من دولة الإسلام، عن طبيعة الدولة الإسلامية التي ارتكزت على عقيدة دينية فغدت أمة عقيدة. وقبلت من الأقوام المسلمة إعطاء الولاء للمركز والإبقاء على كياناتها الثقافية والاجتماعية الخاصة، وقدّمت لغير المسلمة الحماية مقابل دفع رسوم سنوية: الجزية؛ فأصبحت أمة أمم، أمة متعدّدة الأعراق واللغات والأديان. وهذا سمح ببقاء الثقافات والعقائد الخاصة وباختلاط الأقوام المسلمة في آن، ومنح الطرف القوي من أقوام أمة الإسلام، في كل مرحلة، حق قيادة الدولة المشتركة دون النظر إلى عرقه، فحكم الدولة العرب (الأمويون والعباسيون)، والكرد (الأيوبيون)، والأتراك (العثمانيون)... إلخ. من دون أي عُقد عرقية، وقد ترتب على ذلك تأخر ظهور النزوع القومي وتبايناته بين هذه الأقوام.
لم يحرص الاستعمار الأوروبي عندما قسّم السلطنة العثمانية، دولة المسلمين المشتركة، إلى كياناتٍ سياسية (دول) أن تكون كل منها دولة خاصة بجماعة قومية محدّدة، إما بسبب استحالة مطابقة الخريطة السياسية مع الخريطة الأقوامية، بسبب حجم التداخل والتشابك بين مكونات أمة الإسلام الأقوامية والإثنية، أو لغاية إيجاد كيانات هشّة ما يفسح المجال للتحكّم والسيطرة عليها والتلاعب باستقرارها واستنزاف قواها في صراعات محلية عند الحاجة. لذا أقام كيانات سياسية تسود في كل منها جماعة قومية في كيان متعدّد الثقافات والأعراق والعقائد الدينية والمذهبية. وهكذا، غدا الكرد ضحايا هذه الخرائط، حيث أصبحت أرضهم التاريخية (كردستان) أجزاء في عدة دول، وأصبحوا الطرف المغلوب والمستضعف في هذه الدول؛ وخرجوا، وحدهم، من رعايا السلطنة العثمانية من دون دولة بعدما تراجعت الدول الأوروبية في معاهدة لوزان 1923عما قرّرته عام 1920 في معاهدة سيفر: إقامة حكم ذاتي كردي. لقد زالت دولة المسلمين، الدولة المشتركة، في نسختها الأخيرة: السلطنة العثمانية، من دون أن يحصل أحد الشركاء على حقه الطبيعي في إقامة كيان سياسي في مساحة محدّدة ومعروفة.

زادت طريقة تعاطي الدول التي قامت على أنقاض السلطنة العثمانية، تركيا سورية والعراق، مع الكرد في تعقيد القضية الكردية

غير أن عدم إقامة كيان سياسي كردي لم يلغ وجود أمة كردية؛ فنظرة موضوعية في تاريخ الكرد تقود إلى استنتاج حاسم، أن الكرد قد دخلوا مرحلة التكوين القومي منذ فترة طويلة على خلفية استقرارهم على أرض خاصة بهم والتفاعل فيها ومعها لإنتاج حياة مادية وثقافية واجتماعية وتاريخ مشترك، باعتبار ذلك أساس قيام الأمم، ووجود الكرد في شمال وشرق سورية ليس طارئا أو عابرا، إنه وجود أصيل يمتد عميقا في تاريخ المنطقة؛ لا يغير من هذه الحقيقة التاريخية حصول هجرة كردية من تركيا إلى سورية نتيجة القمع والاضطهاد التركي.
لقد نشأت مأساة الأمة الكردية من اجتماع العاملين المذكورين أعلاه، عامل عقائدي ـ الدين رابطة قوية لدى الكرد، ما رتب استمرار ولائهم لدولة الإسلام وتأخر انشقاقهم عن السلطة المركزية ناهيك عن تحملهم جزءا كبيرا من عبء الدفاع عن هذه الدولة في وجه الزحف الروسي في شرق السلطنة العثمانية، الألوية الحميدية المكونة من المقاتلين الكرد التي تشكلت ضمن الجيش العثماني، وعامل سياسي تمثل في انتصار الدول الأوروبية على السلطنة العثمانية وتقاسم أراضيها وتحويلها إلى كيانات سياسية بخرائط وحدود جديدة وإسباغ الشرعية عليها عبر قرارات انتداب من عصبة الأمم (1919)، حصرت عصبة الأمم الاعتراف بالدول القائمة، واعتبرت الاعتراض عليها أو مقاومتها خروجاً على الشرعية الدولية. وقد زادت طريقة تعاطي الدول التي قامت على أنقاض السلطنة العثمانية، تركيا سورية والعراق، مع الكرد في تعقيد القضية الكردية، حيث لم تكتف بعد استقلالها بعدم إنصاف الكرد في سياساتها وبناها المؤسسية فقط، بل ورفضت تفهم المشاعر القومية الكردية، واعتبرت المطالبة بذلك تعبيراً عن نزعة انفصالية. ففي سورية استنزفت إدارة الأنظمة السورية المتعاقبة الملف الكردي جهوداً وموارد مادية وبشرية كبيرة خلال سعيها إلى احتوائه وتذويبه والتي لم تحل دون حله فقط بل زادته بالضغط والتقييد والإذلال والتمييز تعقيداً بتكريس التباعد والتنافر والتباغض بين الكرد والعرب وتحويل العلاقة بينهما إلى صراع وجود في ظل معادلة صفرية، وقد تجلى ذلك في ما حصل بينهما في فترة العقد ونصف العقد الماضية من مواجهات دامية وسجالات سياسية حادة وبعيدة عن المنطق والرصانة.

قيام عقد اجتماعي سوري يشمل كل المكوّنات القومية في سورية يعزّزه أساس دستوري وقانوني، يلحظ التعددية ويؤسّس للتشاركية، وحده قادر على تخفيف التوتر والاحتقان

صحيحٌ أن حل القضية الكردية ليس في أيدي الأطراف المحلية المكونة لهذه الكيانات السياسية، لأنها أسيرة معادلات دولية وتوافقات إقليمية، وأن التوازنات الإقليمية والدولية غير مواتية لقيام دولة كردية، وهو ما أدركته القوى السياسية الكردية ما جعلها تقبل بحقوق متساوية في الكيانات السياسية القائمة، إلا أن هذا الوضع لا يمنع قيام علاقة سوية بين المكوّنات القومية لهذه الكيانات على أساس الاعتراف بالتعدّدية القومية للدولة والذهاب نحو حل تعاقدي ينظم العلاقة بينها على خلفية اعتراف القوى السائدة في هذه الدول بحق القوى المغلوبة في التمسك بتميزها والتعاطف مع طموحاتها القومية والاعتراف بها، وأخذها بالاعتبار عبر إقامة حياة وطنية سليمة تسودها العدالة والمساواة الكاملة، المرتكزة على المواطنة وحق كل مكون في ممارسة ثقافته ولغته وتقاليده الاجتماعية، في ظل قانون يحدّد الحقوق والواجبات المتساوية، حيث تفتح الحياة الوطنية السليمة المجال للتعايش والتفاعل والاندماج. فقيام عقد اجتماعي سوري يشمل كل المكوّنات القومية في سورية يعزّزه أساس دستوري وقانوني، يلحظ التعددية ويؤسّس للتشاركية، وحده قادر على تخفيف التوتر والاحتقان وتوفير بيئة مناسبة لاستعادة الثقة، ووحده قادر على انتزاع هذا الملف من جدول أعمال القوى الخارجية التي شكلت هذا الواقع كي تستثمر فيه ويكون قابلا للتفجير عند الطلب. لقد بات حل الملفّ ضرورة حيوية.

المساهمون